11 يناير، 2026، والساعة الآن 9:08 صباحًا بتوقيت نواكشوط
الرئيسية بلوق الصفحة 12

مركز (مبدأ ) ينظم دورة تكوينة حول إدارة الحملات

نظم المركز الموريتاني للبحوث و الدراسات الانسانية (مبدأ) دورة تكوينة استفادت منها مجموعة من المتطوعين في جمعية الحطاء الثقافي و الاجتماعي اضافة الى مجموعة من الشباب الجامعيين .

الدورة التكوينية التي أنعشها المدرب لمرابط احمد رمظان كانت حول ادارة الحملات ، و قد استفادة المشاركون في الدورة من الادوات و الاليات الرئيسة التي يجها النشطاء في مجال اعداد حملات ناجحة ، خاصة في المجالات الاجتماعية و التطوعية و المناصرة ،  التي تعد ابرز فعل يلجأ اليه المناصلون و الفاعلون الاجتماعيون .

وقد تم تقسيم افادات المشاركة على المشاركين في هذه الدورة التكوينة و التي تمثل استمرارا لنشاطات المرتكزة على دعم قدرات الشباب و تقديم الخبرة في عديد المجالات التي تهم الحياة النشكة للمجتمع .

يذكر ان المركز سينظم في الايام القادمة دورة حول الاشاد الاجتماعي اضافة الى  انشطة اخرى يعتزم المركز تنظيمها في الفترة القادمة .

التحول الديمقراطي في دول المغرب العربي

أمحمد الداسر
أستاذ جامعي قيدوم آلية الحقوق بالمحمدية

المقالات و البحوث الواردة تعبر عن رأي اصحابها و لا تعكس آراء و توجهات المركز

يعتبر مفهوم التحول الديموقراطي من المفاهيم التي شغلت طموح المجتمع السياسي بدول المغرب العربي، فكل الفاعلين السياسيين يعلقون آمالا واعدة على المرحلة الراهنة، ويستبشرون خيرا بما قد يحصل سيما وأن فكرة الانتقال نحو أنظمة تعترف بحقوق الفرد وحرياته وبفائدة التعددية السياسية، قد فرضت نفسها على أولئك الذين يعارضونها.  يعتبر مفهوم التحول الديموقراطي من المفاهيم التي شغلت طموح المجتمع السياسي بدول المغرب العربي، فكل الفاعلين السياسيين يعلقون آمالا واعدة على المرحلة الراهنة، ويستبشرون خيرا بما قد يحصل سيما وأن فكرة الانتقال نحو أنظمة تعترف بحقوق الفرد وحرياته وبفائدة التعددية السياسية، قد فرضت نفسها على أولئك الذين يعارضونها.  فالديموقراطية أصبحت تحتل القيمة الأولى في سلم المعايير السياسية، آما أضحت مطلبا من بين المطالب الاجتماعية الأولى، بل من الضرورات والاحتياجات الأولى التي أصبح المواطن المغاربي أو العربي في حاجة ماسة إليها.    في البداية لابد من تمييز التحول الديمقراطي عن الانتقال الديمقراطي : فالأول هو مرحلة متقدمة على الانتقال الديموقراطي  وتتميز بالصعوبة والتعقيد، ويتمثل التحول الديموقراطي في التغيير البطيء والتدريجي للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في بلد ما، دون التنكر لما سبق تحقيقه بالاعتماد على التجارب السابقة قصد الاستفادة منها، آما يقع في المغرب مثلا ودول أخرى. فالتجارب السياسية التي عرفها المغرب قد تؤخذ بعين الاعتبار عند آل عملية إصلاح جديدة.  أما الانتقال الديمقراطي فيعني المرور من مرحلة إلى أخرى عبر اعتماد أسلوب جديد في إدارة الشأن العام آما وقع بالجزائر مثلا، حيث تم تحت ضغط الشارع عن الحزب الواحد والمرآزية الديموقراطية لاعتماد التعددية الحزبية والديمقراطية الليبرالية، أو دولة موريتانيا التي انتقلت من نظام عسكري إلى نظام سياسي برلماني يحتكم إلى أسس وقواعد النظام الليبرالي.  وبالرجوع إلى بداية الانتقال الديموقراطي بدول المغرب العربي يتبين أن هناك اختلافا في الرؤى والاستراتيجيات، آما أن هناك تفاوتا في هذا المجال بين مكونات المغرب العربي، ونجاح التحول الديموقراطي في تلك الأقطار يبقى رهينا بشرطين :   1. سن سياسة دستورية تهدف إلى مواآبة تفاعلات النسق السياسي  والاجتماعي عند تبني أي إصلاح مرتقب، وذلك بالاستناد على الخلفيات التاريخية والشروط الاجتماعية.  2. الحصول على الحد الأدنى من التراضي بين الفاعلين على نوعية الإصلاح ومراميه، وهذا يفترض أن تكون هناك مفاوضات قبلية تروم توحيد الخطط والأهداف، تبعا لموقع آل طرف في ميزان القوى، شريطة أن تبقى روح المنافسة والمعارضة قائمة لتحقيق تلك الأهداف والإستراتيجيات. ولا يخفى علينا أنه ابتداء من أواسط الثمانينيات، بدأت الدولة العربية والمغاربية على الخصوص تتأقلم تدريجيا مع ما آان يعرفه العالم من تطورات متلاحقة للأحداث، مما حدا بها إلى الإقبال على التحولات الديموقراطية حتى لا تبقى بعيدةعما يجري حولها.  فالتحولات الديمقراطية بالمغرب العربي ساهمت فيها عدة عوامل داخليةوخارجية، فتظافرت الجهود منذ أواخر الثمانينيات إلى يومنا هذا من أجل النهوض بالأنظمة السياسية المغاربية.  فما هي أهم العوامل الداخلية والخارجية التي مهدت لإنطلاق مسار التحول الديمقراطي بدول المغرب العربي؟ وما هي المنجزات التي ثم تحقيقها في هذا المسار؟ وهل يمكن القول بأن الدول المغاربية استطاعت بالفعل إحداث قفزة ديموقراطية حقيقية؟ أم أن هناك عراقيل تجعل المشوار الديموقراطي المطلوب مازال طويلا؟              1 – العوامل الداخلية :     – فمن بين العوامل الداخلية التي ساهمت في بناء الصرح الديمقراطي المغاربي الانكباب على بناء دولة وطنية قوية وفاعلة يمكن أن تؤثر على الترآيبة الاجتماعية والإثنية للدول المغاربية، قصد تفكيك البنى التحتية والهياآل القبيلة التي تتنافى وبناء الدولة الديموقراطية.بحيث يتعين أن يكون الولاء للدولة بدل القبيلة من جهة، ومن جهة ثانية سوف تتطلع هذه الدول بدور فعال ومهم من أجل تكريس مفهوم الوحدة الوطنية ونبذ الخلافات العرقية والقضاء على التراعات الدينية والتعصب المذهبي إلى غير ذلك من أسباب الشتات والتفرقة. وهذا من شأنه أن يساهم في احداث مؤسسات منتخبة، تمثل المواطنين وتنبثق عنها الأجهزة الحاآمة.  وقد ظهرت الدولة آمسجد للكفاح الوطني وآقوة وحيدة مما مكن من إحداث ثورة داخلية، قصد تحديث وعصرنة المجتمع السياسي، وتأسيس الاندماج بين الرمزية والواقع. ونتساءل هنا عن نوعية الإيدلولوجيا السياسية التي سوف تتبناها آل دولة على حدة بعد الاستقلال وآذا الطريقة التي ستعتمدها لبناء آيانها؟  فإذا ما رجعنا إلى الخلفية الدينية والاجتماعية والسلالية وآذا إلى نمط الاستعمار الذي خضعت له آل دولة من دول المغرب العربي، سوف نلمس بجلاء الاختلافات الموجودة بينها.    فبالنسبة لتونس مثلا، وآما يرى الأستاذ عبد اﷲ العروي، فقد آانت دائما أقرب إلى دولة عصرية على الشاآلة الأوربية وقادرة على تحقيق الانصهار الذي طالما تأخر إنجازه، حتى يحصل توافق وتلاءم بين المجتمع والدولة. وقد ساعد في تحقيق هذا التقدم المجتمع التونسي نفسه المتميز بالعقلنة والعلمنة، اللتان ساهمتا في تجنيبه آثيرا من الحزازات، وآذا إلى ترآيز السلطة بيد حكومة مرآزية وإحداث دولة قوية. آما نهجت تونس وحدة التعليم بهدف الوصول إلى إرساء منظومة تربوية عصرية غير نخبوية، وتجنب إقامة نوع من الإزدواجية في التعليم  آما حصل في المغرب.   وفيما يتعلق بالجزائر فالقطيعة تكاد تكون مطلقة بين المخزن التقليدي والدولةالجديدة ما دام الاستعمار قد حطم النخبة القائمة وأزاح الزعامات التقليدية الوسطىوقضى على جميع الرموز، فكان لابد أن تأتي المبادرة من القواعد الشعبية لا منالمرآز.  وبالرجوع إلى دور الدولة القومية في تكريس مفهوم الوحدة الوطنية من خلال نبذ النزاعات القبلية والتعصب الديني أو اللغوي، يمكن أن نقول أنها قد أفلحت إلى حد ما في تحقيق هذه الغاية وذلك من خلال إحداث مؤسسات تمثيلية.  لقد سعت الدولة المغربية بعد حصولها على الاستقلال إلى بناء دولة الحق والمؤسسات منذ أواسط الخمسينات، فالمغرب منذ انتقاله إلى عهد الحرية والسيادة لم يدخر جهدا في إيجاد الإطار المؤسساتي الأمثل لممارسة الديمقراطية، فسار على النهج الفرنسي باختياره لنمطين من الديمقراطية، أي الديمقراطية النيابية             والديمقراطية شبه المباشرة عبر الاستفتاءات .فمنذ سنة 1956 وهو يبني اللبنات الأولى لدولة عصرية وقوية وذلك على مستويين :   – المستوى القانوني حيث عرف المغرب منذ 1956 إلى 1962 ميلاد مجموعة من النصوص القانونية والظواهر المنظمة لعمليات الانتخاب، حيث بادر إلى إجراء انتخابات جماعية، ثم إلى وضع الدستور الأول الذي مهد الطريق إلى تنصيب المؤسسات السياسية المنصوص عليها في الدستور، آما بدأ بإصدار نصوص تكرس ممارسة الحريات آظهير الحريات العامة والظهير المنظم لقانون الوظيفة العمومية…  – على المستوى التطبيقي انطلق المسلسل ابتداء من تنصيب المجالس الجماعية سنة 1961 إلى الانتخابات التشريعية لسنة 1963، التي أفرزت أول مؤسسة برلمانية بالمغرب مكونة من غرفتين. وهكذا فقد اآتمل البناء الدستوري والقضائي والإداري ابتداء من ذلك التاريخ مما اعتبر تدعيما للدولة القومية. ومن شأن هذه المؤسسات التمثيلية أن تشد البنيان الاجتماعي والسياسي المغربي، وتحول دون أي تفرقة وانفصال، باعتبار أنها مؤسسات آل المغاربة. وقد عرف المغرب إلى يومنا سبعة تجارب برلمانية، أسفرت التجربة الأخيرة عن تشكيل حكومة التناوب التوافقي.  أما فيما يخص الجزائر ذلك القطر المغاربي الأآبر من حيث المساحة، الذي لم يعرف حكما مرآزيا حقيقيا إلا بعد أن استقل عن فرنسا سنة 1962 فقد تبنى النهج الاشتراآي على الطريقة السوفياتية شكلا. ونظرا لتبنيه نظام الحزب الواحد، فقد آان البرلمان المنتخب آنذاك أو مجلس الشعب ذا لون واحد وأعضاؤه آلهم ينتمون إلى جبهة التحرير الوطني، ولم تكن هناك معارضة بطبيعة الحال. لكن بعد وفاة هواري  بومدين بدأت الجزائر تتبع أسلوبا مغايرا على عهد الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد، حيث انتقلت الجزائر خلال أواخر حكمه من نظام الحزب الواحد إلى التعددية الحزبية سنة 1989 بناء على الدستور الجديد، آنتيجة للاضطرابات والاحتجاجات المسلحة لسنة 1988 في نطاق ما اصطلح  عليه بخريف الغضب.  وهكذا ظهرت على الساحة السياسية الجزائرية ما يربو على خمسين تنظيما سياسيا من أبرزها جبهة الإنقاذ الاسلامية، آما أجريت في الجزائر انتخابات تشريعية سنة 1991، آان فيها النصر المطلق لجبهة الإنقاذ الإسلامية الشيء الذي أثار دهشة العسكريين والأوساط السياسية، فاضطر القادة العسكريون إلى إقالةالرئيس الشادلي بنجديد، باعتباره المسؤول عن هذه التطورات التي ليست في صالحالبلاد حسب تقديرهم. هذه المحاولات الانتخابية أفرزت اختلالات خطيرة فيالمجتمع الجزائري، وفتحت الباب على مصراعيه للتشرذم والتشتت والعنف الذي لا زال يحصد المآت من الأرواح البريئة.  وفيما يتعلق بتونس، فإنها آذلك أقدمت على عدة انتخابات بلدية وتشريعية ورئاسية، من أجل إفراز مؤسسات تمثيلية حقيقية تذوب فيها آل الحزازات والخلافات الداخلية بين مختلف الفرقاء السياسيين،وتتميز تونس بخاصيتين هامتين :  – وجود حزب مهيمن على الحياة السياسية والدستورية بالبلاد  – التوجه الليبرالي الذي نهجته البلاد منذ الاستقلال. ونشير إلى أن النظام التونسي تميز بنوع من الإستقرار السياسي على عهد الجمهورية الأولى آما يصطلح على تسميتها من قبل بعض المهتمين والباحثين في الشأن المغاربي، ويربطها هؤلاء بالعهد البورقيبي إلى سنة 1957. وتتميز المرحلة الممتدة من العهود الأولى للإستقلال حتى تغيير السابع من نوفمبر بنوع من الجمود، فعلى الرغم من أن الإنتخابات آانت تجري بكيفية دورية ومنظمة، فإن المؤسسات التمثيلية التي أفرزتها آانت تعكس الوضع السياسي المتفشي آنذاك : أي تكريس هيمنة الحزب الواحد – الحزب الإشتراآي الدستور – على الرغم من آون الدستور لا يتعارض وقيام أحزاب سياسية أخرى.  وبعد التغيير السياسي الذي عرفته تونس في يوم السابع من نوفمبر، استحوذ الرئيس زين العابدين بن علي على السلطة، مؤآدا أحقيته في تنحيه الرئيس السابق الحبيب بورقيبة بناء على تقرير طبي مفصل يثبت عجز الرئيس بورقيبة عن أداء مهامه الدستورية، استنادا إلأى الدستور التونسي الذي يعطي الحق للوزير الأول أن يحل محل رئيس الجمهورية في حالة وفاة أو العجز أو أي عائق آخر.  أما بالنسبة لموريطانيا التي تعرف مجتمعا قبائليا وعشائريا يتشكل من فصائل وعرقيات متشتتة، فإن العملية السياسية تبقى معقدة ويصعب بالتالي توزيع الأدوار وتقاسم السلطة بها.لقد شهدت موريتانيا تطورات سياسية متلاحقة من المرحلة الإنتقالية نحو الإستقلال سنة 1959، ثم مرحلة المختار ولد دادة الذي جمع بين يديه آل السلطات بناء على دستور 1961 إلى مرحلة الانقلابات العسكرية التي أطاحت به سنة 1978، حيث استأثر الضباط العسكريون بالسلطة، إلا أن فترتهم لم تعرف استقرارا آبيرا حتى مجيء معاوية ولد سيدي أحمد ولد الطايع إلى السلطة الذي استطاع تثبيت نظامه، فعمل على إصدار دستور جديد وتنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية وبلدية في ظل التعددية الحزبية.  فيما يخص ليبيا فإنها لم تنهج نفس التحول آما في مثيلاتها الدول المغاربية، حيث أنها ترفض التعددية ولا تجري فيها انتخابات في إطار التنافس من أجل إنشاء مؤسسات تمثيلية تعكس مختلف التوجهات والآراء، آما رفض النظام الليبي العمل بالمؤسسات الوسيطة والنخب وطبقة البيروقراطيين والأحزاب، وذلك للحد من النفوذ القبلي الذي قد يهدد آيان الدولة، وتم الإعتماد فقط على اللجان الشعبية والمؤتمر الشعبي العام لتقوية الوحدة والتضامن والانصهار للحفاظ على الدولة.  – لم يقتصر جهد دول المغرب العربي على بناء الدولة الوطنية وتدعيم الاستقلالالسياسي، بل حاولت آل دولة من بينها عصرنة الأجهزة الإدارية والقضائية، فكلالدول ما عدا ليبيا أخذت بنفس النظام المطبق في فرنسا فيما يخص طريقة التنظيمالإداري، ولا سيما فيما يتعلق بالإدارة الترابية.  وقد عمل المغرب في البداية على ترسيخ مفاهيم وأسس الإدارة الحديثة باعتماد أساليب المرآزية الإدارية واللاترآيز الإداري ثم اللامرآزية الإدارية، وذلك لبناء ديموقراطية محلية تدريجيا، رغم الصعوبات المتمثلة في ضعف المستوى الفكري والمادي للساآنة المغربية. لكن تطوير الإدارة وتطوير عملها حتى تقوم بالدور المنوط بها أحسن قيام، لن يتأتى إلا مع بداية الثمانينات موازاة مع تطبيق برنامج التقويم الهيكلي الذي آان يهدف إلى تحقيق نوع من الاستقرار على المستوى الفكري والمادي للساآنة المغربية. لكن تطوير الإدارة وتطوير عملها حتى تقوم بالدور المنوط بها أحسن قيام، لن يتأتى إلا مع بداية الثمانينات موازاة مع تطبيق برنامج التقويم الهيكلي الذي يهدف إلى تحقيق نوع من الاستقرار على المستوى الماآرو اقتصادي، آبداية لمسلسل الإصلاحات الإدارية الذي شمل بعض دول المغرب العربي التي عرفت اقتصادياتها طابعا ليبراليا وانفتاحا آبيرا على الخارج، موازاة مع تخلي الدولة عن دورها لفائدة القطاع الخاص. وهكذا فتحت أوراش آبيرة منها عقلنة تسيير الشأن العام وخوصصة القطاعات ذات الطابع التجاري، وتحديث التسيير بالنسبة للموارد البشرية. هذه الأوراش وغيرها تمليها عدة أسباب منها : عياء الهياآل والأجهزة الإدارية وآذا سوء التسيير والتدبير.  هذه الإصلاحات الإدارية لم تعرف بالطبع نفس التطور لدى آل الأقطار المغاربية لاسيما الجزائر وليبيا. فالجزائر خضعت لنظام الحزب الواحد والاقتصاد الموجه منذ الاستقلال، ولم يبدأ فيها مسلسل الإصلاحات إلا مع سنة 1988 التي يعتبرها الخبراء سنة التحولات الكبرى في مجال الإصلاحات السياسية والدستورية والإدارية والاقتصادية، وذلك بعد التخلي عن الإيديولوجيا الاشتراآية. وهكذا بدأنا نلاحظ تلاشي التيار المرآزي المتشدد على مستوى القرارات الإدارية، وتم الحد من هيمنة الدولة باشراك فعاليات جديدة من المجتمع المدني فيما يخص التسيير وإدارة الشؤون الجهوية والإقليمية والمحلية. أما بالنسبة لليبيا التي مازالت تعتمد الإيديولوجيا الاشتراآية بقيت بعيدة شيئا ما عن الإصلاحات خصوصا مع الحصار الاقتصادي الذي طبق عليها زهاء عقدا من الزمن.  أما فيما يخص موريتانيا فلا ننفي عنها إرادتها الطموحة لعصرنة أجهزتها الإدارية، حيث أقدمت منذ سنة 1988 بتعاون مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي على تطبيق برنامج واسع للتقويم الاقتصادي يهدف إلى إيجاد التوازن الداخلي بالنسبة للتفاوت الملاحظ وإلى إعادة هيكلة الاقتصاد وتأهيله للدخول في اقتصاد السوق.  إضافة إلى هذه الإصلاحات الإدارية عملت أيضا الدول المغاربية على إصلاح أجهزتها القضائية، واعطائها نوعا من الاستقلالية آما تنص على ذلك دساتيرها، باستثناء ليبيا التي ترفض   الديموقراطية الغربية .   إلا أن المفهوم الديموقراطي الحقيقي الذي يضمن هذه الاستقلالية، يبقى إلى حد ماغير متوفر وبالتالي لا وجود لاستقلالية القضاء إلا على المستوى النظري. وعلىالعم وم تبق ى التجرب ة المغربي ة رائ دة ف ي ه ذا المج ال ويمك ن أن نعتم دها آنم وذجللمقارنة بالنسبة لمثيلاتها في المغرب العربي نظرا للمجهودات التي أبذلت لإصلاحالقطاع القضائي منذ دستور 1992، رغم الحاجة إلى المزيد من الإصلاحات في هذاالقط اع لاتم ام بن اء دول ة الح ق والق انون. وتبق ى ليبي ا الغائ ب الأآب ر ع ن ه ذهالإصلاحات وبالتالي بعيدة عن تكريس دولة الحق والقانون.  ان آل هذه الإصلاحات السياسية والإدارية والقضائية، الهادفة إلى تحقيق تحول ديموقراطي في دول المغرب العربي، لا يمكن تحقيقها وإنجازها دون وجود أطراف فاعلة تشارك بشكل جدي وتنخرط في العملية الديموقراطية.    * دور الأطراف الفاعلة في التحول الديموقراطي بالدول المغاربية :      – أول الفاعلين في عملية التحول الديموقراطي في الدول المغاربية نجد المجتمع المدني، الذي يعتبر السند الرئيسي الذي تقوم عليه مقومات النهضة الديموقراطية.   فالدولة التي لا تتوفر على مجتمع مدني قوي وفاعل، غالبا ما لا تكون مؤهلة للتقيدبالحلول الديموقراطية.  ورغم حداثة هذا المجتمع المدني، فان له تجربة وتراآما لا بأس بهما على  مستوىالممارسة في دول المغرب العربي.  فمن بين مكونات المجتمع المدني، نجد الأحزاب السياسية و النقابات العمالية التيتساهم بدور طلائعي في مسلسل التحولات الديموقراطية. ويبقى المغرب البلد الوحيدالذي تبنى التعددية الحزبية منذ الاستقلال، في حين أن أغلب دول المغرب العربيتبنت نظام الحزب الوحيد.  م ن ض من الأح زاب المغربي ة الت ي س اهمت ف ي المسل سل ال ديموقراطي، نج دالأح زاب الت ي أطلق ت عل ى نف سها اس م أح زاب الكتل ة أثن اء الن داء لخل ق ج و ملائ م لتحقيق التناوب السياسي قبيل دستور 1992. وفي المقابل شكلت أحزاب من اليمينتجمعا آخر أطلق عليه اسم الوفاق.  لقد عملت آل هذه الأحزاب لاسيما أحزاب الكتلة على تأطير وتنظيم المجتمعالمغربي، آما آان لها دور آبير في الإصلاحات السياسية والدستورية لسنة 1992 وس نة 1996، وه ي إص لاحات تن صب بالأس اس عل ى تقوي ة وتعزي ز البن اءالديموقراطي، وآذا تدعيم حقوق الإنسان بالمغرب وتصفية ملف المعتقلين.  القطر المغاربي المجاور للمغرب أي الجزائر، فان أحزابها السياسية لم يكن لهانفس الدور الذي لعبته الأحزاب بالمغرب، وذلك راجع لنظام الحزب الوحيد الذياستأثر فيه حزب جبهة التحرير الوطني بالعمل الحزبي وبالتالي لم يبذل أي مجهودللدفع بالمسلسل الديموقراطي على اعتباره لم يسمح بوجود نخب منافسة متعطشةللوصول إلى السلطة.  غير أن تحريك المسلسل الديموقراطي آان يأتي من الخارج عبر حزب جبهةالقوى الإ شتراآية بزعامة الزعيم التاريخي الحسين أيت أحمد، الذي آافح من أجلجزائر ديموقراطية حتى سنة 1989 حيث أصبحت جبهة القوى الإشتراآية تعمل فينطاق الشرعية، بناء على قانون الأحزاب الذي رخص بذلك، إلى جانب جبهة الإنقادالإسلامية التي تأسست سنة 1989، وتعتبر جبهة القوى الإشتراآية من أقدم الأحزابالجزائرية إذ يعود تأسيسها إلى سنة 1963، وقد ساهم هذا الحزب إلى حد ما فيتحول ديموقراطي وسياسي في الجزائر.  إلا أن المسلسل الديموقراطي الذي بدأ في الجزائر مع التعددية الحزبية وتنظيمانتخابات سنة 1991، اعتبرت الأولى من نوعها من حيت الشفافية والمصداقية ولميشبها التزوير قد أجهض، حيث تم إلغاء هذه الإنتخابات وإعلان حالة الطوارئ بعدما فازت جبهة الإنقاذ الإسلامية فوزا ساحقا في الإنتخابات التشريعية، مما أفضىإل ى ان دلاع فوض ى عارم ة ف ي ال بلاد وح رب أهلي ة ح صدت الآلاف م ن الأرواح،وبالتالي تم  طي صفحة المسلسل الديموقراطي الذي آان مرجوا، رغم أن الجزائرنظمت انتخابات أخرى غير أنها لم تكن في المستوى المطلوب.  إلى جانب الجزائر التي آانت تعتمد نظام الحزب الواحد نجد تونس التي يستحوذفيه ا ح زب التجم ع الدس توري ال ديموقراطي عل ى الحك م ال ذي يع د امت دادا للح زب الدستوري الديموقراطي على الحكم الذي يعد امتدادا للحزب الدستوري البورقيبي،الأمر الذي لم يفسح المجال للمعارضة والتعددية حزبية تشارك الحزب الحاآم فيبناء الديموقراطية، رغم ذلك فقد عمل الرئيس التونسي على بناء صرح ديموقراطيلكن على طريقة تحافظ على هيمنة الحزب الحاآم.  أما بالنسبة لموريتانيا التي انخرطت في المسلسل الديموقراطي ابتداء من أواخرالثمانينات بعد وصول معاوية ولد احمد الطايع إلى السلطة سنة 1984 الذي أسسالح زب الجمه وي ورخ ص بإقام ة تعددي ة حزبي ة تم شيا م ع التح ولات الت ي يعرفه االعالم. وقد نظمت بهذا البلد انتخابات تشريعية وبلدية وإقليمية انفتح فيها النظام علىالمعارضة التي حازت على بعض المقاعد في البرلمان، غبر أن الحزب الحاآم حافظعلى تواجده على مستوى الساحة السياسية بحيازته للأغلبية.  إلى جانب الأحزاب نجد النقابات العمالية التي لا يمكن إنكار الدور الذي تقوم بهفي مجال البناء الديموقراطي والنضال من أجل التغيير نحو الأفضل.  فج ل دس اتير المغ رب العرب ي ت نص عل ى الح ق النق ابي للم واطنين، ولك ن تبق ىالمقتضيات الدستورية عامة وفضفاضة وغير مضبوطة، ولا تحدد دور النقابات آمافعل المشرع الدستوري المغربي الذي أناط بالنقابات مهمة تنظيم المواطنين وتمثيلهم. ولا ينبغي إغفال الدور المهم الذي قامت به النقابات خلال الإستعمار وبعده بالمطالبةبالمزيد من الحقوق للمواطنين والطبقة العاملة، فساهمت في خلق فضاء ديموقراطينسبيا، غير أن أآبر عيب يؤخذ عليها هو تبعيتها لبعض الهيئات السياسية الأخرىباعتمادها مرجعياتها في اطار العمل النقابي الذي يجب أن يبقى مستقلا بعيدا عن آلالمزايدات الإنتخابية و السياسية.  ويبقى المغرب البلد الوحيد من بين دول المغرب العربي الذي فتح المجال لتعدديةنقابية، آما أعطاها فرصة لمساهمتها في التحول الديموقراطي المرجو. أما تونسف رغم الانف راج ال ذي ح صل من ذ 1987 فان ه ل م يعط ي الق در الك افي م ن الحري اتالنقابية والسياسية من أجل تفعيل دور المنظمات النقابية في تونس لتؤدي دورها علىالوج ه الأآم ل، أي ال دفاع ع ن حق وق العم ال الم شروعة و الم شارآة ف ي التح ولالديموقراطي المنشود.  وفيم ا يتعل ق ب التجرب تين الموريتاني ة والجزائري ة ف ي مج ال الح ق النق ابي، فإنن انلاح ظ بع ض الت شابه م ن حي ث طبيع ة م ساهمة النقاب ات ف ي عملي ة التح ولالديموقراطي. وتبقى فترة التسعينات فترة الانفتاح على العمل النقابي بعد الإعترافبالتعددية الحزبية والسماح للنقابات بأن تمارس نشاطها آما ينص عليه الدستور.  إلى جانب الأحزاب والنقابات تظهر المنظمات غير الرسمية المتمثلة في دور الجمعيات والتعاونيات والجماعات الضاغطة والرأي العام، وآلها تلعب دورا حيويافي التحول الديموقراطي بالمغرب العربي من خلال التأطير والتنشئة السياسية. ونجد بجل الدساتير المغاربية التنصيص على إنشاء الجمعيات غير أن جل هذه الجمعياتورغم ما تحاول أن تعمله من أجل توعية المواطنين وترسيخ مبادئ الديموقراطية،فإنه ا مازال ت تع اني ن م غي اب التنظ يم ب داخلها ول م ت تمكن م ن إثب ات ذاته ا باس تثناءجماعة العدل والإحسان في المغرب، وجماعة النهضة الإسلامية بتونس.  –  على غرار المجتمع المدني، تقوم المؤسسات السياسية بدور مهم في عملية التح ول ال ديمزقراطي ب المغرب العرب ي، وعن دما نتح دث ع ن المؤس سات ال سياسيةينصرف ذهننا إلى الأجهزة الرسمية آالبرلمان والحكومة والقضاء، هذا إضافة الىمؤس سات أخ رى آ المجلس والمح اآم الدس ت ورية وآ ذا دي وان المظ الم والمجل سالإستشاري لحقوق الإنسان المتواجدان بالمغرب.  أول هذه المؤسسات نجد البرلمان الذي يناضل من الداخل أو من الخارج قصدشفافية الإنتخابات ونزاهتها نظرا لما يشوبها من تزوير. هذا النضال تميز به المغربمند بداية الإستقلال مقارنة بدول المغرب العربي الأخرى، نظرا لإيمانه بالتعدديةالحزبية. ويبقى موعد اجراء الإنتخابات الموعد المنتظر الذي تتحرك فيه الأحزابس واء منه ا الممثل ة داخ ل البرلم ان المغاربي ة أو س واء تل ك الت ي تناض ل خارجه ا،للمطالبة بالمزيد من الدعم الديموقراطي والضمانات التي تعطي الأمان لهذه الأحزاب م ن أج ل الم شارآة ف ي الإس تحقاقات الإنتخابي ة ق صد تحقي ق بع ض المكاس بالديموقراطية.  وف ي غي اب ال دور ال ذي م ن المنتظ ر أن تلعب ه البرلمان ات المغاربي ة ف ي تحقي قتحول ديموقراطي نظرا لوجود نظام الحزب الواحد أو الحزب المهيمن في أغلبالدول المغاربية، تبقى مؤسسة رئيس الدولة المؤسسة المعول عليها آثيرا لإنجاز تحول ديموقراطي منشود.  وعل ى ه ذا الأس اس تعتب ر المؤس سة الملكي ة ب المغرب – وه ي الملكي ة الوحي دةالمتواجدة بالمغرب العربي – المحور الرئيسي في النظام السياسي المغربي وحولهاتجتم ع الأم ة المغربي ة , وأول خط وة ب دأت به ا المؤس سة الملكي ة ف ي م سار التح ولالديموقراطي هي دسترة الحياة السياسية المغربية حيث عرف المغرب منذ 1962 خم س دس اتير آ ان آخره ا س نة 1996، وعم ل المل ك الراح ل الح سن الث اني عل ىتنصيب المؤسسات الدستورية رغم أن البداية آانت متعثرة، مما أفضى إلى إعلانحالة الاستثناء . لكن الأمور ستعود إلى مجراها العادي سنة 1977 بعد ما هيئت لهاالظروف.  لقد آان الملك الراحل يؤمن بأن البناء الديموقراطي يجب أن يشيد تدريجيا يومابعد يوم وأنه الخيار الأمثل للخروج من الأزمات التي تتخبط فيها البلاد، رغم أنالنظ ام آ ان ي نهج أس لوبا قمعي ا لاق تلاع ج دور التي ارين الي ساري والأص ولي عب رالإعتقال والتعذيب.  ومع انهيار النظام الشيوعي والاشتراآي وتطور الأحداث الدولية، إضافة إلىتطور وعي المجتمع المغربي، دفع بالملك الراحل إلى تدشين مرحلة جديدة بالإنفتاحأآثر على المعارضة لإعادة ترتيب الأوراق والتكيف مع المستجدات، فاقترح علىالمعارضة المشارآة في الحكومة، غير أن الشروط لم تكن مواتية آنداك وثم انتظارأربع سنوات أخرى ليتحقق هذا الحلم الذي آان يراود الملك الراحل.  نفس النهج سار عليه الملك الجديد محمد السادس الذي عمل بدوره على تعزيزالديموقراطي ة وترس يخها عب ر الن داء بمف ه وم جدي د لل سلطة وإن شاء مجموع ة م ن المؤسسات التي تهدف ضمان حقوق الإنسان، آما يسعى إلى الإنفتاح على مجموعةمن الفعاليات من المجتمع المدني لإشراآها في التحول الديموقراطي بالمغرب، الذييعتبره الدعامة الأساسية لإقلاع اقتصادي حقيقي. هذا الدور الذي يلعبه رئيس الدولةفي المغرب قد لا نجد له مثيلا في باقي دول المغرب العربي.  ففي الجزائر مثلا ومن خلال استقراء بسيط للتطور السياسي والدستوري في هذاالبلد، يتبين أن الحقبة الممتدة من 1962 إلى 1988، لم تعرف تجديدا يذآر على عهدالرؤساء الثلاث الذين تعاقبوا على الحكم (احمد بن بلا، الهواري بومدين، الشادلي بنجديد) وذلك راجع إلى النظام العسكري الذي يتحكم في الحكم. وتبقى الفترة الأخيرةمن حكم الشادلي بن جديد هي أحسن فترة عرفت تحولا ديموقراطيا طفيفا عندما تمإقرار دستور 1989، الذي أباح التعددية الحزبية نالت بها جبهة الإنقاذ الإسلامية الشرعية، وبالتالي التقدم للإنتخابات التي فازت فيها بأآثر من ثلثي المقاعد النيابية،الشيء الذي أدى إلى إلغاء هذه الإنتخابات بإيعاز من الجيش الجزائري وإقبار أولفرصة أتيحت للجزائريين للإنخراط في مسلسل التحول الديموقراطي.  غي ر ه ذه الفرص ة ل م ت شهد الجزائ ر أي ة محاول ة أخ رى لتأآي د انخراطه ا ف يالمسلسل الديموقراطي، بل تم التراجع عن المكتسبات التي تم تحقيقها، وأبلغ دليل عنذل ك الإن سحابات المتوالي ة للمترش حين للإنتخاب ات الرئاس ية ال ذين لا زال وا يؤآ دوناليوم عدم مشارآتهم في الإنتخابات الرئاسية المقبلة، في حالة عدم إعطاء ضماناتعدم تدخل الجهاز العسكري لدعم الرئيس الحالي.  بالنسبة لتونس فان المؤسسة الرئاسية لا تقل أهمية عن باقي المؤسسات السياسيةوالدس تورية الأخ رى، ب ل تت صدر الأولوي ة بالن سبة للنظ ام ال سياسي التون سي. وق د تعاق ب عل ى الحك م ف ي ت ونس من ذ عه د الإس تقلال رئي سان وهم ا: الحبي ب بورقيب ة والجنيرال زين العابدين بن علي الوزير الأول السابق.  ف ي عه د ال رئيس بورقيب ة ل م تك ن هن اك مح اولات للإنخ راط ف ي المسل سلالديموقراطي مما أضفى على النظام السياسي التونسي الملل والروتين. وبعد سنة1987 ح ين ت ولى زي ن العاب دين ب ن عل ي الرئاس ة، أعط ى ه ذا الأخي ر وع ودا بإصلاحات طموحة وبعث روح جديدة في النظام السياسي، فعمل في البداية على تعديل الدستور، وإصدار قانون الأحزاب الذي نص على التعددية الحزبية، آما قامبمراجعة مدونة الصحافة وإجراءات تتعلق بحقوق الإنسان، وتم إلغاء محكمة أمنالدولة…  ومع توالي الوقت وبعد تثبيت حكمه وتحقيق استقرار سياسي بتونس، بدأ الرئيسبن علي في التراجع عن الوعود التي وعد بها المجتمع التونسي لتحقيق المزيد منالديموقراطي ة رغ م أن ه اس تطاع تحقي ق مكت سبات اقت صادية وتنمي ة س ياحية ش املةوملموسة والإنفتاح على الخارج.  ولا يمكن أن نقول أن الإنتخابات الرئاسية ساهمت في التحول والوعي السياسيبتونس، لأنه ليس هناك برامج انتخابية منافسة آما أن التعددية الحزبية غير فاعلة.  ما يقال على تونس ينطبق إلى حد ما على موريتانيا، فلقد تعاقب على رئاسة دولةموريتانيا خمسة أشخاص آخرهم هو الرئيس الحالي معاوية ولد سيدي أحمد الطايعالذي وصل إلى السلطة عن طريق أول انتخابات رئاسية أجريت سنة 1992 في ظلتعددية حزبية.  آما أجريت انتخابات رئاسية ثانية سنة 1997، وثالثة سنة 2003 آلها عرفتص راع النظ ام الح اآم م ع المعارض ة الت ي تن دد بال دعم الع سكري لحك م معاوي ة ول دالطايع.  ورغ م م ا يق ال ع ن ع دم انخ راط النظ ام الموريت اني ب شكل ج دي ف ي المسل سلال ديموقراطي، ف إن ال رئيس معاوي ة ول د الط ايع ح اول م ن جهت ه تح ديث وع صرنةالمؤسسات السياسية الموريتانية.    * دور القضاء في التحول الديموقراطي بالمغرب العربي :    من بين المؤسسات الرسمية التي تساهم في التحول الديموقراطي في المغرب العرب ي هن اك الق ضاء، ال ذي يعتب ر م ن الناحي ة الدس تورية م ستقلا ع ن ال سلطاتالأخ رى ف ي الأنظم ة ال سياسية له ذه البل دان ولا أح د ينك ر دور الق ضاء وهيبت ه ف يال دول الديموقراطي ة، وأهميت ه ف ي الحف اظ عل ى الديموقرطي ة وتح صينها م ن أيانحراف أو المساس بها، وهو يساهم بشكل آبير في تطوير ممارستها عن طريقالحفاظ على الحريات الفردية والجماعية.   إلا أن القضاء في المغرب العربي يبقى عملية ذات وجهين: مرة يستعمل لتحقيقالحق بين الخصوم، ومرة يستعمل في قمع الحريات والتطاول على حقوق الآخرينآما هو الأمر حينما تتم محاآمة معارضين سياسيين مغاربيين، ويرجع ذلك إلى أنالقضاء لم يرقى بعد إلى مؤسسة مستقلة تماما للإطلاع بالدور الذي ينبغي أن تقومبه.  ورغم ذلك، فقد تم إحداث مؤسسات أخرى ذات طابع قضائي وسياسي في بعضال دول المغاربي ة، آ المغرب ال ذي أح دث م ع دس تور 1992 المجل س الدس توري، والمجل س الإست شاري لحق وق الإن سان ف ي س ياق ت صالح الدول ة م ع المجتم ع، وردالاعتبار لمن أهدرت حقوقهم خلال سنوات القمع، آما تم إحداث ديوان المظالم وهيئةالحقيقة والإنصاف، وهي آلها أجهزة تساهم في نشر ثقافة حقوقية قوامها احترام الحريات الفردية والجماعية وترسيخ حقوق الإنسان.  آل ه ذه العوامل الداخلية ساهمت بقدر ما في التأثير على التحولات الديموقراطيةفي الدول المغاربية، غير أنه ليست وحدها المستأثرة بالإقلاع الديموقراطي بل هناكعوامل خارجية تتمثل ف ي الظروف العالمية والمناخ ال دولي، وبروز ملامح نظ امع المي جدي د وانهي ار الأنظم ة الديكتاتوري ة ب سرعة، خ صوصا ف ي أوروب ا ال شرقيةوأمريكا اللاتينية.      2 –  العوامل الخارجية :       ل يس هن اك مج ال لل شك، ب أن الأفك ار الليبيرالي ة الغربي ة والنم ودج ال ديموقراطيالتعددي قد أفلحا في نهاية المطاف في الصمود في وجه النهج الاشتراآي السوفياتي. وهكذا فان الأنظمة المغابية قد تأثرت فعلا بالأيديولوجيا الغربية والدساتير الأوروبية لاسيما الفرنسية  منها.  ومن أهم العوامل الخارجية التي أثرت في التحولات الديموقراطية التي طالتالأنظمة السياسية المغربية، نجد إعلانات الحقوق والدساتير الغربية، ويعتبر دستور1958 النموذج الذي احتدت به التجربة المغربية ثم التجربة التونسية نسبيا، وفيمابعد موريتانيا والجزائر بعد المصادقة على دستور 1989.  أيضا لعبت المؤسسات الدولية آصندوق النقد الدولي الذي ساهم بدور فاعل فيتوجيه الدول المغاربية اقتصاديا وسياسيا عبر تطبيق سياسية التقويم الهيكلي، بسببالوضعية الاقتصادية والمالية المتأزمة بهذه البلدان. وقد تجلت هذه السياسة في فرضإجراءات ذات طابع تقشفي في الميادين المالية والاقتصادية والاجتماعية.  إض افة إل ى ص ندوق النق د ال دولي توج د المنظم ات الدولي ة الحكومي ة وغي رالحكومية، مثل منظمة الأمم المتحدة التي تتدخل في دول عديدة قصد حماية حقوقالإنسان، وإرساء الأمن وحماية المدنيين والأقليات، وآل هذا لا يتحقق إلا عن طريقالديموقراطية التي يفترض أن تتحقق بواسطة إجراء انتخابات نزيهة بإرسال بعثاتمن المراقبين للوقوف على العمليات الانتخابية. أيضا نجد منظمات أخرى آالمنظمةالعالمي ة للتج ارة الت ي تف رض عل ى أي ع ضو ي ود الانخ راط فيه ا أن يتقي د بال سلوكالديموقراطي، وآذا منظمة العفو الدولية واللجنة الدولية لحقوق الإنسان…  من العوامل الخارجية الأخرى التي تبقى إلى حد ما قوية، هناك الهيمنة الأمريكيةالتي تتجلى في وصايتها على المنظمات و الهيئات الحقوقية و المالية و الاقتصادية, زي ادة عل ى تع اظم ق وة الاتح اد الأوروب ي ال ذي يمل ي التعام ل مع ه بحك م الق ربالجغرافي لدول المغرب العربي, الانخراط الجبري الذي لا رجعة فيه في التحولالديمقراطي.    3- المنجزات الديمقراطية بالمنطقة المغاربية :    لقد ساهمت بالفعل العوامل الداخلية و الخارجية في تحريك رياح التغيير و النقلةالسياسية في المغرب العربي ابتداء من نهاية الثمانينات و بداية التسعينات, حيث تمتسجيل خطوات مهمة على درب الإصلاح السياسي و الديمقراطي بهذه الدول, عنطريق تحقيق بعض المنجزات الديمقراطية الهامة الممثلة بالأساس في المراجعاتالدس تورية الت ي طال ت ج ل دول المغ رب العرب ي, و ت سجيل خط وات اقت صادية        واجتماعي ة هام ة , وآ ذا تنمي ة حق وق الإن سان م ع توظي ف الخ صوصيات المحلي ةومزجها مع المبادئ الغربية, و قد ساعد في تحقيق آل هذه المنجزات انخراط النخبالمغربية في عملية التحول الديمقراطي.  وهكذا عرف المغرب مراجعتين دستوريتين خلال عقد التسعينات الأولى سنة1992 والثاني ة س نة 1996، طبعهم ا انفت اح المؤس سة الملكي ة عل ى المعارض ةوإعطائها إمكانية المشارآة في الحكومة وتحمل المسؤولية، لكن هذه المشارآة لنتتأتى إلا مع دستور 1996 بتشكيل حكومة التناوب.   .إض افة إل ى إعط اء الفرص ة للمعارض ة للم شارآة ف ي الحكوم ة، ف ان ه اتينالمراجعتين الدستوريتين جاءتا ببعض الايجابيات الأخرى، منها تقييد سلطة الملكنسبيا في مجال إصدار الأمر بتنفيذ القانون، و تقوية دور البرلمان بتعزيز وظيفتهالتشريعية، وآذا منح الوزير الأول الحق في اختيار أعضاء الحكومة واقتراحهم علىالملك.  آما طبع هذه المرحلة إحداث المحاآم الإدارية وإنشاء وزارة مستقلة تتكلف بحقوقالإنسان، إضافة إلى إحداث ديوان المظالم، والمعهد الملكي للدراسات الأمازيغية،والمجلس الأعلى السمعي البصري، وهي مؤسسات أحدثت مع بداية العقد الأول منالألفية الثالث ة لتلعب دورا مهم ا وب ارزا ف ي تعزي ز المكاس ب الديموقراطي ة وتوس يعمجال الحقوق والحريات.  لم تشهد باقي دول المغرب العربي نفس المنجزات التي تم تحقيقها بالمغرب،فالجزائر عرفت انتقالا ديموقراطيا نسبيا خلال أواخر الثمانينات بعد تبنى التعدديةالحزبية وإصدار خلال عقد التسعينات مراجعتين دستوريتين لسنتي 1989 و 1996. لكن رغم هذه المراجعات الدستورية فان النظام الجزائري يبقى ذو طابع عسكري،آما أنه من المستحيل حسب بعض السياسيين إعادة الشرعية للنظام الجزائري.  بخصوص تونس فقد شهدت بعد تولي زين العابدين بن علي بعض الإنجازاتالديموقراطية، منها بالخصوص تعديل الدستور الذي بموجبه ألغيت الرئاسة لمدىالحياة آما آان مقررا في عهد الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة وآذا اصدار القانونالدس توري س نة 1998 ال ذي أص بحت بموجب ه ق رارات المجل س الدس توري ملزم ةبالنسبة لكافة السلطات في الدولة.  وآخر مراجعة دستورية بتونس هي تلك التي أجريت سنة 2002 بواسطة استفتاءدستوري، وقد مس هذا التعديل معظم أبواب الدستور، وتم إقرار الإنتخابات الرئاسيةعلى دورتين، آما أحدثت غرفة ثانية بالبرلمان لتعميق المشارآة السياسية وعقلنهالعمل التشريعي…  أم ا بالن سبة لموريتاني ا وبع د التح ول م ن النظ ام الع سكري ال ى نظ ام الحك مال ديموقراطي ال ذي ج رت ف ي بدايت ه أول انتخاب ات رئاس ية تعددي ة، فق د ت م إص داردستور 1991 بعد عرضه على الإستفتاء الشعبي. وموازاة لذلك فقد صدرت عدةأوام ر قانوني ة منه ا م ا يتعل ق ب الأحزاب ال سياسية وبحري ة ال صحافة وبت شكيلواختصاصات المجلس الدستوري.                        إن المنجزات الديموقراطية بدول المغرب العربي لم تقف عند هذه المراجعاتالدستورية التي تعتبر إلى حد ما محفزة للتحول الديموقراطي, تعدى ذلك بتسجيلخطوات اقتصادية واجتماعية في سبيل تحقيق اقلاع اقتصادي مهم.  لقد وعت الدول المغاربية بضرورة الاهتمام بالجانب الاقتصادي للخروج من الأزمة الاقتصادية التي تؤرق الأنظمة وتسبب لها متاعب .  فت ونس ومن ذ 1987 طبق ت س بع مخطط ات اقت صادية, رآ زت اهتماماته ا آله ا على القضايا المصيرية سواء على المدى المتوسط أو البعيد مثل التربية والصحةوالتشغيل, أقامت بنفس المناسبة مخططات جهوية منسجمة مع المخطط الوطني. وقد حققت تونس تنمية شاملة بأبعادها الاقتصادية و الاجتماعية بخلق نسيج صناعيآثيف و متكامل , آما تحسن مردود القطاع الفلاحي و السياحي والنفطي .  أي ضا اتب ع المغ رب نف س ال سياسة , حي ث رس م بالن سبة لك ل مخط ط التوجه اتالاقتصادية و الاجتماعية الهامة التي يريد تحقيقها خلال مدة معينة, وآخر مخططللتنمي ة ه و ذل ك ال ذي وض عته حكوم ة التن اوب س نة 1999 , ال ذي س وف ينته ي ب ه العم ل س نة 2004 , وق د رآ زت في ه عل ى ت دعيم الاس تثمار ال داخلي والخ ار جي         والاس تغلال العقلان ي للث روات ال سمكية وع دم تجدي د اتفاقي ات ال صيد البح ري م عالاتح اد لأوروب ي ,وآ ذا الإص لاح الجب ائي م ن م سايرة الم ستجدات والتط وراتالاقتصادية.  وعلى الجانب الاجتماعي فقد فتحت عدة أوراش بالمغرب تتوخى الاهتمام بالمرأةوإدماجها في التنمية، وقد تحقق هذا الأمر فعلا بصدور مدونة الأسرة التي أعادتللمرأة مكانتها الإيجابية داخل المجتمع المغربي، آما تم وضع نظام للتغطية الصحية،ورصد اعتمادات مالية مهمة لتسوية أوضاع المطرودين والموقوفين لأسباب سياسيةأو نقابي ة، وآ ذا إح داث وآ التين للتنمي ة الاقت صادية والاجتماعي ة الأول ى بال شمال والثاني ة ب الجنوب، إض افة إل ى تح سين المعاش ات والتعوي ضات العائلي ة والنه وضبالعالم القروي الذي يعتبر أهم الأولويات.  ل م تخ رج ت ونس آ ذلك ع ن القاع دة، بحي ث ت م النه وض بالجان ب الاجتم اعيللمواطن وتحسين مستواه المعيشي، وتم الحد من التهميش والفقر والإقصاء ومحاربةالأمية.  وفيم ا يتعل ق ب الجزائر فق د نهج ت أس لوبا خاص ا للح د م ن الأزم ات الاجتماعي ةآاتب اع سياس ة تكويني ة وتعليمي ة، غي ر أن ال سياسة الأمني ة والق ضاء عل ى الإره ابي شكلان أول ى ان شغالات الحكوم ة، ال شيء ال ذي أث ر س لبا عل ى الاهتم ام بالتنمي ةالاجتماعية والاقتصادية.  بع د م ا تطرقت ا إل ى العوام ل الت ي س اهمت ف ي التح ول ال ديموقراطي بمنطق ةالمغ رب العرب ي، س واء بكيفي ة مباش رة، وآ ذا إل ى أه م المنج زات الت ي ت م ت سجيلهاآمكاسب لا يستهان بها خلال عقد التسعينات، سنعمد الآن إلى تقييم تلك التجارب لابرار السلبيات والإيجابيات بالنسبة لكل قطر على حدة.    4 –  تقييم التجارب الديموقراطية المغاربية :     رغم الجه ود الت ي أبذلت عل ى الم ستوى السياسي والاقت صادي وانخ راط ال دولالمغاربية في هذا المجال ضعيفة ومحدودة إلى حد ما، بسبب الشروط الموضوع ية والجوهري ة غي ر المت وفرة، آم ا أن البيئ ة المغاربي ة غي ر ناض جة لتقب ل الأس اليبالديموقراطية.  وتبق ى أه م العراقي ل الت ي تواج ه آاف ة دول المغ رب العرب ي دون اس تثناء، رغ موج ود بع ض الخ صوصيات، متمثل ة ف ي تف شي البطال ة والفق ر والأمي ة والحرم ان،الأمر الذي قد تتولد عنه ظاهرة التطرف، وآذا ظاهرة الارتشاء التي تقف أمام آلتقدم اقتصادي وسياسي يخدم المصلحة العليا للبلدان المغاربية.  وإذا آ ان المغ رب يبق ى الأرق ى م ن حي ث تجربت ه ذات الخ صوصيات المتمي زةحيث عمل على الرقى بمؤسساته إلى مصاف المؤسسات السياسية العريقة، وأنه قطعأش واطا آبي رة عل ى درب البن اء ال ديموقراطي، فان ه لازال ت تعترض ه ع دة مع وق ات تحول دون إنجاح المسلسل الديموقراطي آما يراه البعض، فالمتتبع للتطور السياسيوالدستوري المغربي يلمس ذلك بجلاء من خلال التجارب التي مر بها، بحيث يرىجل المحللون السياسيون أن الديموقراطية لا يمكن اختزالها في انتخابات محلية أوت شريعية ول و افترض نا أنه ا نزيه ة، ب ل يتع ين ت وفير ال شروط الجوهري ة والبنيوي ةلممارستها وإيجاد التربة الخصبة لزرعها.  آم ا أن الأح زاب المغربي ة تق ف ب دورها حج رة عث رة أم ام تح ول ديم وقراطيمعقل ن ي ستجيب للمرحل ة والظرفي ة الراهن ة ب المغرب. فه ذه الأح زاب المنتمي ة إل ىالحرآ ة الوطني ة الت ي ناض لت لح صول الم غ رب عل ى الإس تقلال . ت شترط أن تك ون طرفا في أي انتقال سياسي آيفما آان، بنفس هياآلها و مؤسساتها التقليدية التي لاتلائم المستجدات و المرحلة الجديدة ,ويدل على ذلك موجة الانشقاقات الحزبية التييرجع زعمائها أسبابها إلى عدم قدرتهم تغيير الأحزاب الأم من الداخل .  أيضا شكلت الولادة الكثيفة للأحزاب عرقلة أمام استمرارية اختيار الوزير الأول من الحزب الحائز على الأغلبية في الانتخابات التشريعية الأخيرة .  بخصوص الجزائر فان اآبر عائق يحول دون تحقيق تحول ديموقراطي حقيقي هي المؤسسة العسكرية التي تعتبر نفسها وصية على هذا التحول خدمة لمصالحها و حفاظا على امتيازاتها، و هذا هو ما أفضى بالجزائر إلى الدخول في فوضى و حرب أهلية حصدت عشرات الالاف من الأبرياء, بسبب عدم احترام الإرادة الشعبية الحقيقية .  هذه الوصاية العسكرية على التحول الديموقراطي أدى أيضا إلى تهميش الأطراف الأخرى المعنية بالإصلاحات السياسية , آما أن الجهاز القضائي يشكل عرقلة قوية باعتباره جهازا مشلولا و غير قادر على اصدار الأحكام و العقوبات في حق المخالفين و المعتدين من رجال الأمن و الدرك و العسكريين و غيرهم من المسؤولين عن التصرفات الجسدية و القتل الجماعي و التعذيب .  هناك عائق آخر وهو ناتج عن التهميش و يكمن في سكان منطقة القبايل التعامل مع السلطات المرآزية و مطالبتهم بمنحهم وضعا خاصا .  أما تونس فرغم ما يميزها عن باقي دول المغرب العربي من أنها لا تعاني من المشكل الاثني، إلا أنها تشكو من عدة عقبات تتجلى في ضعف المجتمع المدني , و هيمنة الحزب الحاآم و ادماج هياآله و تنظيماته في الهياآل العامة للدولة , إضافة إلى اقصاء المنظمات الحزبية الاخرى من الحياة السياسية وعدم اشراك المعارضة في اتخاذ القرار و تهميش الحرآات  الاسلامية , و يتم التظاهر بتطبيق ديموقراطية اقتصادية و اجتماعية و اخفاء معالم دآتاتورية سياسية .  آما يطبع النظام التونسي عدم احترامه لحقوق الانسان , بسبب الاعتقالات التحكمية و التعذيب في السجون الذي يطال الناشطين في الحقل السياسي , و عدم وجود صحافة مستقلة  و معارضة , بل يتم الاعتماد على  صحافة الدولة لوحدها    والإعلام الرسمي اللذان يكرسان الوضعية و يزيد الوضع استفحالا و تازما .  و بخصوص موريتانيا , فان هناك عدة عراقيل تواجهها  تتمثل في الطابع القبائلي و العشائري للدولة , مما يجعل الولاء يكون للقبائل و ليس للدولة , آما أن النخب السياسية الموريتانية و الاحزاب و مؤسسات المجتمع المدني تبقى هشة إلى حد آبير , الشىء الذي جعل حجم ووزن التغيرات لا يستجيبان لطموحات المرحلة , فالترميمات بقيت شكلية و بدون مضمون بسبب وجود نخبة تقليدية آلاسيكية توجه مسار التحول على الرغم من نقص درايتها في هذا السباق , زيادة على استئثار الحزب الواحد بالعمل السياسي و اقصاء النخب المنافسة . و ينضاف إلى آل هذا ان الظروف الاقتصادية و الاجتماعية المحلية الموريتانية غير آفيلة باستيعاب المفاهيم الديموقراطية الغربية التي تعتمد على الرأسمالية آغذاء روحي لها , و ان الفرد و المبادرة الفردية هما عماد الرأسمالية .  الحالة الأخيرة ضمن دول المغرب العربي هي ليبيا التي يشكل نظامها السياسي نموذجا فريدا في المنطقة بخصوصياته المؤسساتية و نهجه الايديولوجي .  فالنظام الليبي رغم إقدامه على بعض الإصلاحات الاقتصادية فانه يعاني من فقر الديموقراطية, فاحتكار القرار السياسي من قبل نخبة عسكرية حاآمة بقيادة معمر القذافي يجعل اقامة نظام ديموقراطي بليبيا شبه مستحيلة في ظل الواقع الحالي , حيث لا وجود لمجتمع مدني و لأحزاب سياسية و لانتخابات و لو صورية و لا لحقوق الانسان و لا وجود لدستورينظم الاختصاصات و يوزع السلطات ,إضافة إلى غياب إرادة حقيقية لدى الأطراف الفاعلة في الحياة السياسية الليبية من اجل تحقيق التغيير و التحول الديموقراطي المطلوب . و سننتظر ما قد تسفر عنه الأشهر المقبلة من تحولات سياسية بعدما تم الكشف عن المفاوضات الأمريكية – الليبية السرية بخصوص البحث عن أسلحة الدمار الشامل , آمرحلة أولية لتجاوز الأزمة الأمريكية – الليبية و رفع الحصار الاقتصادي المفروض على ليبيا .  و في الأخير لا يمكن أن ننكر أنه قد بذلت مجهودات جبارة خلال عقد التسعينات في بعض دول المغرب العربي قصد تحقيق قفزة ديموقراطية , سواء بفعل تأثيرات داخلية أو خارجية , علاوة على انه بدأت تنظر جليا بعض بوادر الإرادة السياسية الحقيقية لدى الأنظمة الحاآمة لا في المغرب حيث يبدو هناك اجتماع بين النظام و جميع الفاعلين السياسيين و الاقتصاديين قصد تطوير الحياة الديموقراطية بالمغرب  باعتباره الحافز الحقيقي لكل اقلاع اقتصادي و اجتماعي .  غير أن هذه الجهود المبذولة بالمغرب أو بغيره من دول المغرب العربي , و ان آانت تتوخى الخروج بمجتمعاتها من بؤر الأزمات المختلفة المحيطة بها , الا أن الضعف الذي تعاني منه يعود الى عدة عوامل نوجزها في ستة أساسية , و نعول في المستقبل على تحديها لتحقيق تحول ديموقراطي حقيقي و منشود و هي:   – عدم فرض ديموقراطية من الأعلى و احتكار السلطة مما يؤدي إلى إقصاء بعض الأطراف و الحرآات التي أصبحت طرفا حقيقيا و فاعلا في الحوار الديموقراطي .  – اذعان الأنظمة للإرادة الحقيقية للشعوب . – اصلاح الإدارة آأداة لتنفيذ السياسة العامة للدولة . – تقوية سلطة و استقلالية القضاء العادل . – ربط التحولات الديموقراطية بالتنمية الشاملة اقتصاديا و اجتماعيا , وهو ضروري أصبح أآثر الحاحا وذلك بالتوزيع العادل للثروات والحد من التهميش و الفقر و البطالة و الأمية . – التكتل الاقليمي بين آل دول المغرب العربي , فمكونات الاتحاد المغاربي الخمسة محكوم عليها بان تتلاءم وتتوحد بحكم الجوار والمصالح المشترآة, حيث أنه لم يعد الهم والهاجس الديموقراطي في ظل التحولات الدولية الراهنة المتميزة بالتكتلات الاقتصادية الاقليمية مقتصرة على قطر بحد ذاته , إذ لا نجاح لهذه الديموقراطية إلا في ظل منظور اقليمي شمولي يؤسس لعهد جديدي تسود فيه الديموقراطية والحوار والتصالح نظرا لظهور بعض العوامل الجديدة آتدفق الأزمات إلى قطر .                                            لائحة المراجع    – أولا :  باللغة العربية   1 – المراجع العامة :    – 1. النظم العربية و الديموقراطية : – سلسلة الندوات و المؤتمراتمنشورات المجلس القومي للثقافة – مطبعة المعارف الجديدة – الرباط 1986 . 2. بسيوني عبد الغني عبد اﷲ : >>النظم السياسية : اسس التنظيم السياسي ( الدولة  الحكومة الحقوق و الحريات العامة ) << الدار الجامعية بيروت 1985 . 3. بوجي سهيل : >> المجال العربي في الكيانات الدستورية القطرية : تسوية جزئية <<سلسلة دراسة المجال العربي , الهيئة القومية للبحث , ظرابلس ( ليبيا ) و معهد الانماء العربي الطبعة الولى بيروت 1992 . 4. بو طالب عبد الهادي : >> النظم السياسية العالمية المعاصرة << الطبعة الأولى 1981 – دار الكتاب – الدار البيضاء. 5. البياتي منير حميد : >> النظام السياسي الاسلامي مقارنا بالدولة القانونية << دار النشر عمان 1994 . 6. التازي عبد الهادي : >> فكرة المغرب العربي من خلال الوثائق الديبلوماسية<< منشورات وزارة الشبيبة الرياضية 1978 مطبعة الرسالة -11 شارع علال بن عبد اﷲ الرباط .  7. جودت سعيد – علواني عبد الواحد >> الاسلام و الغرب و الديموقراطية << قراءات و تعليقات على مثالية صدام الحضارات لصامويل هنتنغتون , و الاسلام و الغرب لبريان بيدهام . دار الفكر المعاصر بيروت و دار الفكر دمشق سوريا 1996.  8. الحجوي حسن أحمد : >> الفكر الديموقراطي و اشكالية الديموقراطية في المجتمعات المعاصرة<< مطبعة المعارف الجديدة – الرباط طبعة غشت 1995 .  9. الحسين خالد : >>اشكالية الديموقراطية و البديل الاسلامي في الوطن العربي<< الطبعة الثانية – تونس 1990 . الناشر دار البراق .  – 10. خليل عماد الدين : >> لعبة اليمين و اليسار << مؤسسة الرسالةبيروت – شارع  سوريا – بناية صمدي  و صالحة , الطبعة الخامسة 1986.  11. الخوري فؤاد اسحاق اسحاق : >> العسكر و الحكم في البلدان العربية <<الطبعة الولى عام 1990 – دار الساقي .  12. ديوب مومار – ديوف ممادو : >> تداول السلطة السياسية و آلياتها في افريقيا <<مرآز البحوث العربية للدراسات و التوثيق و النشر . 14 القاهرة 1992 .  13. سبيلا محمد : >> حقوق الانسان و الديموقراطية << (آتاب الشهر رقم 19 ) سلسلة شراع .  14. سعد الدين ابراهيم و آخرون : >> المجتمع و الدولة في الوطن العربي << مرآز دراسات الوحدة العربية . الطبعة الثانية بيروت أآتوبر 1998.   15. سلامة غسان : >> نحو عقد اجتماعي عربي << مرآز دراسات الوحدة العربية الطبعة الأولى بيروت 1987.  16.سيد أحمد محمد و محسن عصام محمد : >> تجديد الفكر السياسي في اطار الديموقراطية و حقوق الانسان :التيار الاسلامي و المارآسي و القومي << مرآز دراسات  حقوق الانسان – القاهرة 1995.   17. شابير و يلونارد :>>المعارضة السياسية في الدول ذات الحزب الواحد << دار النهار دون تاريخ للطبعة .  19. شرابي هشام : >>النظام الأبوي و اشكالات تخلف المجتمع العربي<< مرآز دراسات الوحدة العربية . الطبعة الأولى بيروت 1992.   20.عبد المولى محمد :>>أنظمة المجتمع و الدولة في الاسلام <<.الدار العربية للكتاب طرابلس 1988.   21. العلمي عبد القادر :>>هاجس التغيير الديموقراطي << سلسلة شراع ( آتاب الشهر 15 ) وآالة شراع – خدمات الأعمال و الاتصال.  23. علي حمدي عبد الرحمان حسن :>> الفساد السياسي في افريقيا << الطبعة الأولى – دار القارئ العربي  القاهرة – مصر الجديدة 1993.   24. قرنفل حسن :>>المجتمع المدني و النخبة السياسية اقصاء أم تكامل ؟<< طبعة 1997 – افريقيا ا لمشرق – مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء.  25. هويدي فهمي : >>الاسلام السياسي و الديموقراطية << الطبعة الأولى 1993’ موافق 1413  -القاهرة – مؤسسة الأهرام – شارع الجلاء,    26- ياسين صباح : “ضرورة الديمقراطية و سياق المبادئ” المكتبة الوطنية ببغداد 1980.                        المراجع المتخصصة   1- أبراش ابراهيم : “الدمقراطية بين عالمية الفكرة و خصوصية التطبيق”  مقاربة للتجربة الديمقراطية في المغرب – منشورات الزمن – مطبعة النجاح الجديدة – الدارالبيضاء 2001.  2- أآنوش عبد اللطيف : ” واقع المؤسسة و الشرعية في النظام المغربي على مشارف القرن الواحد و العشرين” الطبعة الأولى  – مكتبة بزوفانس – الدارالبيضاء 1999.  3- برهان غليون وآخرون : ” حول الخيار الديمقراطي” دراسات نقدية، بيروت – يونيو – الطبعة الأولى مرآز دراسات الوحدة العربية 1994. 4- برهان غليون : ” الديمقراطية العربية : جذور الأزمة و آفاق النمو” آتاب حول الخيار الديمقراطي ، دراسة نقدية (جماعي) مرآز دراسات الوحدة العربية – الطبعة الأولى – بيروت 1994. 5- بو الشعير سعيد : “النظام السياسي الجزائري” دار الهدى طبعة  الجزائر  .19896- بوجداد أحمد : “الملكية و التناوب” مقاربة استراتيجية تحديث الدولة و إعداد إنتاج النظام السياسي بالمغرب” الطبعة الأولى –مطبعة النجاح الجديد الدار البيضاء 2000. 7- ساعف عبد اﷲ : “أحاديث في السياسة المغربية” آتاب الشهر عدد 33 مطبعة النجاح الجديدة – الدارالبيضاء 2002. 8- شقير محمد : “تطور الدولة في المغرب إشكالية التكوين و التمرآز و الهيمنة من القرن الثامن إلى العشرين” إفريقيا الشرق طبعة 2002. 9- شوقي بنيوب أحمد و آخرون :” قضايا التحول الديمقراطي في المغرب مع مقارنة بمصر و الأردن” مرآز القاهرة دراسات حقوق الإنسان. 10- طرابيشي محمد : “ضمن الديمقراطية و الأحزاب في البلدان العربية” مرآز دراسات الوحدة العربية الطبعة الأولى 1999.  11- فؤاد عبد اﷲ ثناء : “آليات التغيير الديمقراطي في الوطن العربي” مرآز دراسات الوحدة العربية – الطبعة الأولى بيروت – يناير 1997.  12- فيرو مورين بيير : “مغرب المرحلة الإنتقالية” ترجمة علي آيت احماد-  الطبعة الأولى لسنة 2002 – مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء.  13- مرآز دراسات الوحدة العربية : ” المجتمع المدني في الوطن العربي ودوره في تحقيق الديمقراطية” بحوث و مناقشات الندوة الفكرية التي نظمها المرآز ، الطبعة الأولى 1992 (سبتمبر).  14- مرآز دراسات الوحدة العربية : “المجتمع و الدولة في المغرب العربي” الطبعة الأولى بيروت (أيلول) 1987 الطبعة الثانية 1992.    المقالات    1- البجوقي عبد الحميد : “المشهد الحزبي و الملكية بالمغرب” دفاتر وجهة نظر العدد 1.  2- الرمضاني رضوان و آخرون : ” المغرب يحاج حكومة قوية و منسجمة تجنبه الضيق الإقتصادي” جريدة الصباح العدد 782 ص 1. 3- العوفي نور الدين : ” المغرب عرف توجهات اقتصادية خاطئة متعددة بغياب الديمقراطية” جريدة العلم العدد 19074 ص 5-6 يوم 06/08/2002.   الأطروحات و الرسائل الجامعية   باللغة العربية    1- بكور عبد اللطيف :”دور المؤسسة الملكية في إحلال التوازن السياسي في المغرب” أطروحة لنيل الدآتوراة في القانون العام  آلية الحقوق أآدال    .2002/20012- بلا العربي : “السلطة و المعارضة و دولة القانون في دول المغرب العربي” مراآش. 3- حرفان عبد السلام : “التحولات السياسية و إشكالية الديمقراطية بإفريقيا” رسالة لنيل الدراسات العليا في القانون العام، آلية الحقوق أآدال 1999/2000. 4- حمزي سعيد : “روح الإصلاحات الدستورية في المغرب” أطروحة لنيل الدآتوراة في القانون العام آلية الحقوق الدارالبيضاء. 5- زيدة عبد القادر : “الإستقرار السياسي بالمغرب” رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام.                    المراجع بالفرنسية    1/ Colas Dominique : « l’ état de Droit » : PUF, 1ère édition,   1987 2/ FARES  ZAHIR : «  Afrique et démocratie, espoirs et     illusions «  L’HARMATTAN 1992.          3/ Galvez Jean Yves. M.B « Aspects politiques et sociaux des pays en voie de développement ».                                            4/ Gudou Thomas : « L’Etat, la politique et le droit  parlementaire en Afrique ». Collection Monde en Devenir-   Berger-Lerault- Décembre 1987. 5/ Luchaire François : « La protection Constitutionnelle des  droits et des libertés ». Edition Economica 2ème édition 1987,  sous la direction de Gérard CONAC. 6/ Michalon THIERRY : « Quel Etat pour l’Afrique »  L’Harmattan 1994. 7/ Quantin Patrick et Daloz Jean Pascal : « Transition  démocratique africaine  «  Edition Karthala 1997. 8/ Rezette Robert : «  Les partis politiques marocains » Librairie Armand Colin Nov. 1955. 9/ Benaddi Hassan : «  Réflexions sur la transition démocratique au Maroc » 1ère édition, centre Tarik Ibn Zyad pour les études  et la recherche 2000. 10/ BOUDAHRAN Abdellah : «  Le nouveau Maroc politique. Quel avenir ? «  société d’édition et de diffusion Al Madariss,  12 Avenue Hassan II Casablanca 1ère édition 1999.11/ Cubertafon Bernard : « L’Algérie contemporaine » PUF que sais-je ? 3ème édition 1995. 12/ Leveau Remy : «  Le fellah marocain défenseur du trône » cahier de fondation nationale des systèmes politiques 1958. 13/ Tozy Mohamed : « Monarchie et Islam politique au Maroc » Paris, PSP, 1991. 14/ Chargnollaud Jean Paul : «  Maghreb : la démocratie entre parenthèse ? le militaire, la démocratie et l’islamisme » n° 3 printemps 1992.  15/ Chikhaoui «  a propos des élections législatives en Algérie » 16/ Maila (Joseph) : « les droits de l’homme sont –ils indispensables dans le monde Arabe ? » cahiers de l’orient 1991. 17/ Martinez Luis, « La guerre civile en Algérie », Paris 1998. 18/ DASSER M’hamed, : « l’expérience du partie unique en Tunisie-le parti socialiste Destourien » thèse de doctorat d’état en sciences politique : Université de Poitiers 1986. 19/ El Achouri Mohamed Fouad , « La notion de démocratie au Maroc » essai d’analyse des discours de trône (1962-1995) thèse de doctorat d’état en sciences politiques : soutenue en 1998 à l’université des sciences sociales à toulous I . France. 20/ EL Benna Abdelkader , : « Naissance et développement de la gauche issue du mouvement nationale » : le cas de l’USFP. Thèse d’Etat soutenue le 4/02/1989. FAC Droit Agdal-Rabat. 21/ EL FASSY Fihri Ghyslane, : « Analyse comparative des régimes politiques marocain et Tunisien ».

انعكاسات التّحول الدّيمقراطي في الجزائر

وليد دوزي

المقالات و البحوث الواردة تعبر عن رأي اصحابها و لا تعكس آراء و توجهات المركز

مقدمة:شكلت أحداث أكتوبر 1988 ، بالإضافة إلى وقف المسار الانتخابي في ينايــر 1992 على إثـر النجاح المذهل الذي حققته “الجبهة الإسلامية للإنقاذ” في الانتخابــات المحلية في جوان 1990 والتشريعية 1991، شكلتا بداية اللاّ إستقرار السياسي الذي عاشته الجزائر طيلة فترة التسعينات على المستويين الداخلي و الخارجي. وهـذا ما نسعى إيـضاحه من خلال طرح الإشكالية التالية: ما هي انعكاسات التحول الديمقراطي في الجزائر؟وكإجابة أولية على هذه الاشكالية، صيغت الفرضية على النحو الآتي:- خلف التحول الديمقراطي في الجزائر انعكاسات محلية سياسية واقتصادية، وأخرى دولية. I. الانعكاسات المحلية:عقب أحداث أكتوبر 1988، اعتمدت السلطة الحاكمة في الجزائر وبمشاركة المعارضة السياسية خطوات نحو التحول الديمقراطي، وهو ما يعرف بالتحول عن طريق الإصلاح، وقد أفرز هذا التحول عن دستور جديدا للبلاد هـو الثالث للجزائـــر منذ الاستقلال، عـرف بدستور 23 فبراير 1989. وقد أقر هذا الدستور جملة من الإصلاحات السياسية الاقتصادية والثقافيـــة.1- الانعكاسات السياسية: أنشأت الأحزاب السياسية في الجزائر بموجب دستور 1989، وبالتالي طوقت سلطــة جبهة التحرير الوطني الحزب الحاكم منذ الاستقلال ، ودخلت الجــزائر عهد التعدديــــة الحزبية فـــي غياب تقاليدها وعدم التشبع بقيمها و مبادئها المتمثلة في قبول الآخر والاعتراف به وهي مسألة لا غنـى عنها لتجسيد الديمقراطية . وبالتالي فغالبية الأحزاب السياسية وعلى رأسها قادتها، كانوا يعبرون عـن رفضهم ، للتعايش فيما بينهم، بحيث انتقد رئيس حزب التجديد الجزائري “نور الدين بو كروح “النظـام، واستعمل كلمة “مكافحة” لتعبيره عن النظام السياسي حيث قال:> .كما صرح الرجل الثانـي في ” الجبهة الإسلامية للإنقاذ” “علي بن حاج “:>. وفي السياق ذاته، ذهـب “سعيـد سعـدي” الأمين العام لحـزب “التجمـع مـن أجـل الثقافــة والديمقراطية” أنه سيمنع ” عباسي مدني” زعيم الجبهة الإسلامية للإنقاذ من الوصول إلى السلطــة حتى وإن صـــوّت الشعب لصالحه . و بالتالي هذا العنــف اللفظي بين رؤساء الأحزاب كان من الأسبـاب التي أدت إلــى انفجار الأوضاع في الجزائر بعد إلغاء المسار الانتخابــــي عندما لجأت إليه السلطات، فتمّ حــل البرلمان وقدم الرئيس “الشاذلي بن جديد” استقالته الأمر الذي أدى إلى تعيين مجلس أعلى للدولة بقيادة ” محمد بوضياف” ، هذا المجلس أوكلت له مهمة توحيد الصف الوطني و الحيلولة دون استلام “جبهــة الإنقـــاذ” للسلطة، لكن قيامه لم يغير من الأمر شيئا، فالبلاد دخلت مرحلة الفوضى، والتجربة الديمقراطية وصلت إلى طريق مسدود .قام رئيس الدولة “محمد بوضياف” بحل حزب جبهة الإنقاذ معتبرا أن الإسلام دين الجميع ولا يحـــق لأي جهة أو جماعة احتكاره لنفسها. فتصاعدت حالة العنف بشكل كبير حتـــــى نالت من “بوضيـــاف” نفسه. وفي ظل هذه الأجواء المشحونة، لجأت “جبهة الإنقاذ” المنحلة إلى بلورة أساليب جديدة ذات طابع ثأري في التعامل مع السلطة السياسية من خلال اعتمادها على العمل السري وانتهاجها لمعارضة غيــر مباحة قانونا طغى عليها طابع العنف، في ظل تمسك النخبة الحاكمة بالسلطة ورفضها تقديم أي تنـازلات أو دمـج للإسلامييـن في المعادلـة السياسيـة، مـما فتـح البـاب أمـام استشــراء العنف، بلغ درجــة التصفيات الجسدية الفردية والجماعية من أبناء الوطن الواحد مما سمـــح بتدخـل المـؤسسة العسكرية في الحياة السياسية بقوة وجلاء. وقد سعى الإسلاميون إلى برهنة ثبات قوتهـــم من خلال دخولهم في مواجهات عفيفة مع قوى الأمن، وقد آلــت دوامة الإرهاب والقمـــع التي تلت هــــذه الأحداث إلى أزمة داخلية، فكان كل من” الحركة الإسلامية المسلحة”، و ” الجيش الإسلامي للإنقــــاذ”، و”الجماعة الإسلامية و المسلحة”، و” الجماعة السلفية للدعوة والقتال” في صلب الحركة التمرديــــة التي أطلقت حملة ضد الحكومة و الجيش و المدنيين والمفكريـن و الصحافييـن. وسط أجواء العنف تابعت المؤسسة العسكرية مفاوضاتـها مع الجماعــــات المسلحة، حتى في الفتـرة التي كانت تسعى فيها إلى إلغائها. وبعد تولي الرئيس ” اليمين زروال” الرئاسة فــي يناير 1994 توصـــل إلــى توقيع هدنة في 21 سبتمبر 1997 بيـــن السلطة والجيش الإسلامي للإنقاذ بقيادة “مدني مزراق” الذي أمر في بيان أتباعه بوقف الهجمات ابتـداء من أكتوبر1997 و حض فيه الجماعات الأخرى بالقيام بالمثـــــل ، غيــر أن عــددا كبيرا من المسلحين بمن فيهم المنشقين عن “مدني مزراق” رفضوا الإنصياع، فتوالت المذابح الجماعية بحق المدنيين مابيـــن ديسمبر 1997 و يناير 1998 (مجــــزرة بن طلحة…)، وكانت الخسائر هائلة حيث بلغ عدد القتلى نحو 150 ألف قتيـــل و بين 7 آلاف و10 ألاف مفقود ومليون متشرد، وإضرار طالت البنية التحتية والاقتصاد الوطني المنهـك طيلة فترة التسعينات. 2- الانعكاسات الاقتصادية: على الرغــم من أن أحــداث أكتوبر 1988م أفـضت إلى تغييــرات سياسية مهمة وفي مقدمتها حق إنشاء الجمعيات ذات الطابع السياسي ومنـح البرلمان صلاحيـــــات واسعة تجعل منه أكثر فاعلية، إلا أنها في الأصل كانت احتجاجا على الوضع الاقتصادي، بسبب تفاقم الفشل الاقتصادي منذ سنة 1986م عندما انهارت أسعار النفط دوليا، وأدى ذلك إلى تقلص محسوس في الموارد المالية، وارتفاع المديونية وتزايد نسبة البطالة في صفـــــوف المواطنين بالإضافة إلى تخفيض قيمة عملة الدينار الجزائري بــــــــ 50 بالمائة وتحرير الأسعار وتجمـيـد الرواتب …كل هذا أدى إلى انتفاض الشارع الجزائري. لكن بعد عملية التحول التي عرفتها الجزائر، وما رافقها من عدم استقرار سياسي لم يطل هذا الاستقرار المجال السياسي فحسب، بل تعداه إلى المجال الاقتصادي حيث تدهور النسيــج الاقتصــادي بسبب غياب الاستثمارات الضرورية لصيانة وتجديـــد المعدات والتجهيزات إضافة إلى تفاقم الديون الخارجية و بالخصوص الديون القصيرة الأجل والتـــي شكلت النسبة الأكبر منها، حيث بلغت ديون الجزائر الخارجية سنة 1995م 32 مليار دولار بعدمــــا سجلت في نهاية الثمانينات 24 مليار دولار أمريكي. وقد زاد العنـف المسلح من تعميق أزمات هذا القطاع من خلال تعـرض المنشات و المرافق العمومية التي كلفت الدولة الكثير II. الانعكاسات الدولية:توالت ردود الأفعال الإقليمية والدولية على ما يجري في الجزائر بعد تصاعد وتيرة العنــف. ففي تونس و المغرب، سارعــت السلطـات فـي هذين البلدين إلى اتخاذ إجراءات وتدابـيـــر لتجريد الحركـات الدينيــة من النفــوذ السياســي وتحجيــم أدوارها. أما النظــام السيــاسي الجزائري فقد تعرض لضغوط كبــيرة من الدول الغــربية خـــصوصا من فرنســا والولايات المتحدة الأمريكيــة بالرغم من تباين في موقف الدولتين حيال كيفية إنهاء الأزمة، فالولايات المتحدة أدانت تعليق العملية الانتخابيـة في ينايـر 1992، وبالرغـم مـن دعـمهـا لمؤسسـة الرئاسـة، إلا أنهـا ضغطت عليها لاتخاذ إجراءات لتوسيع قاعدتها السياسية من خلال الدخول في حوار مع عناصر تمتلــك صفــة تمثيليــة فـي المجتمع الجزائري ويقصد بذلك “الجبهة الإسلامية للإنقاذ”. كما حملت الولايـات المتحــــدة المؤسسة العسكرية الجزائـرية مسؤولية ما يجري في البلاد و اعـتبرت أن العمل العسكــري غير مجدي لحل الأزمة الجزائـرية، واكتفت بإدانة ما يحدث في الجزائر من جرائم، وقد سمحت واشنطن لبعض زعماء الجبهة الإسلامية للإنقاذ على غرار “أنور هدام” بالإقامة في الولايات المتحدة و بتنظيم لقاءات مع مسؤولين أمريكيين وغضت الطرف على تبني “الجماعة الإسلامية المسلحة” عـلنا لأعمال العنف في الجزائر .ورغم أن الموقف الأمريكي حكمته أيضا مصالح الولايات المتحـدة الحيــوية، الأمر الذي اصطدم بالتوجهات السياسية الفرنسية، فعلى خلاف الولايات المتحدة دعــمت فرنسا المؤسسة العسكرية الجزائرية إدراكا منها بأن الأخيرة هي القوة الشرعية التي تستطيع كبح جماح التيار الإسلامي و تعزيز النظام العلماني في الجزائــر. وقد أكد وزيـر الخارجية الفرنسي الأسبق “رولان دوما” في عام 1992 عندما اعتبر أن انتصار الإسلام في الجزائـر “فرضية خطيرة ليس على الجزائر فحسب، بل على فرنسا أيضا”. كما اعتبر أيضا وزير خارجية فرنسا الأسبق “ألان جوبيه” أن الوضع في الجزائر بالغ الخطورة مشيرا إلى ضرورة التدخل الفرنسي لدعـــم السلطـــة فــي الجزائر لبدء الحوار مع القوى المعتدلة، و عدم انتظار النتائج المترتبة على مواصلة العنف بين السلطـة والمعارضة. أما على صعيد المنظمات الدولية، فقد توجهت بعض الحقوقيـة منها بالإدانة إلى قوى الأمن الجزائرية وحمّـلـتها مسؤوليــة المجـــازر والمذابــح الجماعية بحق المدنيين. وهددت”منظمة العفو الدولية” المعنية بحقوق الإنسان مسؤولين عسكريين جزائريين بإحالتهم على محكمة جزاء دولية بتهمة ” خرق قوانين البلاد والمواثيق الدولية في مجال حقوق الإنسان”. كما تـزايد الـــدور المؤثر الذي تقوم به المؤسسات المالية الدولية وعلى رأسها صنــدوق النقد الدولي والنوادي المالية الدولية كنادي باريس والتي فرضت على الجزائر شروطا مجحفة مقابل تلقي مساعدات مالية. وعن التحسن الواضح فــي علاقات الجــزائـــــر الخارجية مع القـوى الغربية الكبرى مع مطلع الألفية الجديدة، فيعزيه البعض إلى التقاء مصالح النخبة السياسية الحاكمة مع هذه القوى (مكافحة الإرهاب الدولي)، وتراجع أعمال العنف بشكل كبير، إضافة إلى بعض التنازلات التي قدمتها الجزائر للغرب، فهذه العوامل دفعت الدول الغربية إلى التعامل إيجابيا مع الجزائر. فعلى سبيل المثال أشاد الرئيس الأمريكي السابق “جورج بوش” بالدور الذي لعبته الجزائر في إقناع ليبيا بضرورة التعامل مع قرارات هيئة الأمم المتحدة فيما يخص “قضية لوكربي”، وقدمت واشنطن دعم مالي قيمته 2,4 مليون دولار للجزائــــر لمساعدتها في تجاوز أثار زلزال 21 مايو 2003، كما قررت كل من فرنسا و بريطانيا رفع حظر بيع السلاح للجـزائر عــام 2003، و قد صــرح سفيــر بريطانيا بالجزائر: “أن بلاده غيرت نظرتها اتجاه الجـــزائــر”. الخاتمة:لقد تبنت الجزائر النهج الاشتراكي لما يقارب الثلاثين سنة. وبسبب اعتمادها نظام الحزب الواحد، فقد كان البرلمان المنتخب آنذاك ذا لون واحد وأعضاؤه كلهم ينتمون إلى جبهة التحرير الوطني، ولم تكن هناك معارضة بطبيعة الحال. لكن بعد وفاة هواري بومدين بدأت الجزائر تتبع أسلوبا مغايرا على عهد الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد، حيث انتقلت الجزائر خلال أواخر حكمه من نظام الحزب الواحد إلى التعددية الحزبية سنة 1989 بناء على الدستور الجديد، كنتيجة لاضطرابات واحتجاجات أكتوبر1988 في نطاق ما اصطلح عليه بخريف الغضب. وهكذا ظهرت على الساحة السياسية الجزائرية ما يربو على خمسين تنظيما سياسيا من أبرزها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، كما أجريت في الجزائر انتخابات تشريعية سنة1991 ، كان فيها النصر المطلق لحزب الفيس . نتائج الانتخابات هذه وما رافقها من سلوكيات أفرزت اختلالات خطيرة في المجتمع الجزائري، وفتحت الباب على مصراعيه للعنف الذي حصد الآلاف من الأرواح البريئة. وأدخل الجزائر في عزلة دولية لم تتعافى منها إلا مع بحر العقد الماضي (2000م- 2010).

قائمة المراجع:* أستاذ مساعد بقسم العلوم السياسية بجامعة بشار (الجزائر)، متحصل على شهادة الماجستير في العلوم السياسية (تخصص دراسات أورومتوسطية)، من جامعة تلمسان (الجزائر)، الهاتف: 08 43 25 71 7 213 00، البريد الالكتروني: [email protected]صامويل هنتنغتون، الموجة الثالثة، التحول الديمقراطي في أواخـر القـرن العشريـن، ترجمـة: عبـد الوهاب علوب، الكويت: دار الصباح، 1993، ص:261.2 سليمان الرياشي و آخرون، الأزمة الجزائرية: الخلفيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ط2، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1999، ص:79.3 نفس المرجع، ص:141.4 عبد العالي رزاقي، الأحزاب السياسية في الجزائر خلفيات و حقائق، ج1، الجزائر: المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية ، 1990، ص : 61.5 غاني بودبوز، إشكالية الديمقراطية في الجزائر ، (رسالة ماجستير)، جامعة الجزائر (يوسف بن خدة): كلية علم الاجتماع، 2005.ص: 183.6 عـلـي زغـدود، الأحــزاب السياسيـة فـي الــدول العـربيــة، الجـزائـر: متيجـة للمطبـوعــات،2007، ص: 29. 7سليمان الرياشي و آخرون، نفس المرجع سابق الذكر، ص:81.8 محمد بلخيرة ، التحولات السياسية في الإتحاد السوفيتي وأثرها على الدول العربية الوطنية ، (رسالة ماجستير)، جامعة الجزائر3: كلية العلوم السياسية والإعلام، 2003-2004، ص:265.9 رشيد تلمساني، “الجزائر في عهد بوتفليقة: الفتنة الأهلية و المصالحة الوطنية “، أوراق كارينغي، بيروت: مركز كارينغي للشرق الأوسط، العدد07، الصادرة بتاريخ يناير2008، ص:8-10.10 محمد العربي ولد خليفة، الجزائر و العالم، الجزائر: المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية،2001، ص:228.11خميس حزام والي، إشكالية الشرعية في الأنظمة السياسية العربية، مع الإشارة إلى تجربة الجزائر، ط1، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2003، ص:183.12 رشيد تلمساني، نفس المرجع سابق الذكر، ص:8.13بوكراع لياس، الجزائر الرعب المقدس، ط1، ترجمة: خليل أحمد خليل، بيروت: دار الفارابي، 2002، ص:110.14 حيدر إبراهيم علي، التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية، ط2، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1992، ص:79.15 عنصر العياشي، سوسيولوجيا الديمقراطية والتمرد بالجزائر، ط1، القاهرة: دار الأمين للطباعة والنشر والتوزيع، 1999، ص:42-43.16نفس المرجع، ص:43. 17 أحمد مهابة، “الجزائر تحت المجهر الأمريكي – الفرنسي”، مجلة السياسة الدولية، القاهرة: مركز الدراسات الإستراتيجية، العدد 118، الصادرة بتاريخ نوفمبر 1994، ص: 112.18بوكراع لياس، نفس المرجع سابق الذكر، ص:110.19 نفس المرجع، ص:110.20 أحمد مهابة، نفس المرجع سابق الذكر، ص:177.21 محمد قواص، غزوة الإنقاذ: معركة الإسلام السياسي في الجزائر: بيروت: دار الجديد للدراسات والأبحاث، 1998، ص: 207.22 عمرو عبد الكريم سعداوي، “تقاطع الاستراتيجيات الأمريكية و الفرنسية حول الجزائر” ، مقال منشور على الموقع الالكتروني: http://www.almoslim.com/node/85717، تاريخ دخول الموقع: الأربعاء 25/12/2013.23 رشيد تلمساني، نفس المرجع سابق الذكر، ص:11.24 الهواري عدي، “الجزائر: الحرب المستمرة”، مقال منشور على الموقع الالكتروني : http://www.mondiploor.com/rubrique.282.html ، تاريخ تصفح الموقع: 19/12/2011.25 سليمان الرياشي و آخرون، نفس المرجع سابق الذكر، ص:86.26 رشيد تلمساني، نفس المرجع سابق الذكر، ص:10-11.27 بلخيرة محمد، نفس المرجع سابق الذكر، ص:277.أمحمد الداسر، التحول الديمقراطي في دول المغرب العربي ، مقال منشور على الموقع الالكتروني: http://www.shebacss.com/docs/poadt009-09.pdf تاريخ تصفح الموقع 26.12.2013، ص:3-4.

ندوة الحركة التدوينة و دورها في صناعة الرأي

نظم المركز الموريتاني للبحوث و الدراسات الإنسانية مبدأ ندوة علمية بالتعاون مع منتدى الشرق (ديوان نواكشوط ) ، الندوة المنظمة مساء الخميس 13 -07-2017 بفندق موريسانتر تخللتها العديد من المحاضرات و المداخلات التي تمحورت حول موضوع الندوة الموسومة ب ” الحركة التدوينية و دورها في صناعة الرأي “.

الندوة افتتحا الأستاذ يحيى أبوبكر منسق ديوان نواكشوط في منتدى الشرق و قد قدم ولد يحيى حول الأدوار التي يسعى منتدى الشرق القيام بها من خلال التواصل مع الشباب و فتح حوارات بناءة و نقاشات تسهم في الرفع من واقع البلاد ، فيما قال ان اختيار الحركة التدوينية لم يات من فراغ  و نما هو نابع من الواقع الحالي و ما تشهده الساحة من تطور و قوة لفعل التدوين الذي بات اكبر صانع للرأي خاصة في ما بعد الربيع العربي ,

رئيس المركز الموريتاني للبحوث و الدراسات الإنسانية مبدأ ، اكد ان المركز يعد حاضنة لمختلف المبادرات الشبابية الساعية الى اثراء الساحة و تطوير المنتج الثقافي الموريتاني ، فيما قال ان التدوين كوسيلة بات البوابة الحقيقية التي تدخل من خلالها الدول الى القرية الكونية خاصة باعتبارها خطابا مغايرا للخطاب الرسمي و حتى الخطاب السياسي ، مدللا على ذلك بالبروز الكبير لدور صحافة المواطن و الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي .

الأستاذة نبيلة الشيخ قدمت ورقة تاطيرية للندوة  ومن خلال الأرضية التي قدمتها طرحت بنت الشيخ العديد من الاسئلة المحورية في النقاش الدائر حول التدوين و خاصة في جوانب الفعل وردة الفعل و مدى قدرة التدوين على خلق ردة الفعل المتوخاة ، و متسائلة عن مدى تأثير السياق الاجتماعي بشكل عام في ايصال الرسالة المتوخاة من العملية التدوينة .

وقد قدم كل من د. الحسين مدو و د. الشيخ سيدي سيدي عبد الله و د. محمد محفوظ اضافة الى الاستاذ عبيد ولد اميجن ، محضاضرات اثرائية للموضوع و تطرق المحاضرون للعديد من المجالات و النقاشات الجديدة و القديمة في مجال الحركة التدوينية في الفضاء الموريتاني بشكل خاص و العربي و العالمي بشكل عام .

الندوة شهدت مشاركة ابرز المدونين الموريتانيين ، تقدمهم الدكتور عباس ابراهام و  الاستاذ حبيب الله احمد ، و المدونة فاطمة عيلال اضافة الى مجموعة كبيرة من المدونين الشباب و ذوي الخبرة في مجالات التواصل و المهتمين .

فيما تدخل العديد من الحضور مأكدين على ضرورة عقلنة الفضاء التدويني في موريتانيا و السعي الى الاستفادة من التجارب المجاورة خاصة في الخليج العربي ، فما تزايدت دعوات ان يواكب المدونون الموريتانيون الحركة الجديدة المتمثلة في ظهور مصنات تعتمد تقنية الفيديو في التدوين باعتبارها اكثر تاثيرا و تطورا

مبدأ و منتدى الشرق ينظمان ندوة حول الحركة التدوينية و دورها في صناعة الرأي الخميس المقبل

ينظم المركز الموريتاني للبحوث و الدراسات الإنسانية (مبدأ) و بالتعاون مع منتدى الشرق (ديوان نواكشوط ) ندوة علمية تحت عنوان ” الحركة التدوينة و دورها في صناعة الرأي “.

و تنظم الندوة مساء الخميس 13-07-2017 بفندق موريسانتر على تام الساعة الخامسة عصرا “17:66” .

و الدعوة عامة إلى جميع المهتمين من مدونين و صناع رأي و مفكرين و نخبة سياسية و اجتماعية و ثقافية .

ندوة بالتعاون بين “مبدأ: و منتدى ” الأواصر”

نظم المركز الموريتاني للبحوث و الدراسات الانسانية “مبدأ” بالتعاون مع منتدى الاواصر ندوة علمية تحت عنوان سيادة القانون ودورها في السلم الاهلي .

 

 

 

وقال رئيس مركز مبدأ د محمد سيد أحمد فال الوداني إن المشكلة التي تواجهها موريتانيا ذات ابعاد عدة  منها السياسي و التربوي و العمراني ،

 

حيث تعيش المدينة المركزية نواكشوط عدة قرون مختلفة بسبب الظروف الاقتصادية و التمدد الافقي للمدينة ، كما ان وضعية التعليم تحتاج الى  مراجعة حقيقية من اجل خلق السلم الاهلي حقيقي و ثابت .

 

فيما قال رئيس منتدى الاواصر عبيد ولد اميجن ان مهمة هذا المنتدى هو الحفاظ على الوحدة الموريتانية و وضع مختلف القضايا العالقة للنقاش و التي من بينها قضايا لحراطين او العبيد و العبيد السابقين ، وقال عبيد أن الشراكة مع مركز مبدأ تتيح لمنتدى الاواصر تقديم العديد من الانشطة خاصة بسبب الفرص التي يوفرها مركز مبدأ بسبب خبرته الكبيرة في هذه المجالات .

 

يذكر أن الندوة حضرها العشرات من السياسين و المثقفين و المهتمين بالمجال بشكل عام ، و من بين الحاضرين :

 

صالح حننة ، ولد بوحبين ،المعلومة بنت الميداح ، السنية سيدي هيبة ، و يرهم من الناشطين في مختلف المجالات .

جوانب من ندوة الحركة الحقوقية في موريتانيا (مبدأ)

رئيس المركز محمد سيد أحمد فال الوداني (بوياتي)
المحاضر د محمد بدي أبنو رئيس الجلسة بلال ورزك المحاضر ابراهيم بلال على اليسار
الاعلامي و الناشط أحمد ولد الوديعة
المحاضر الشيخ سعد بوه كامرا و المحاضرة سعداني خيطور
دكتور الحسن اعمر بلول و الوزير ابوبكر أحمد و الوزير ولد ارزيزيم و السفيفرة منينة

هل التكنولوجيا المالية عالم جديد للقطاع المالي؟

كريستين لاجارد “مديرة البنك الدولي ”

من الهواتف الذكية إلى الحوسبة السحابية، تواصل التكنولوجيا إحداث تغييرات سريعة في كل جوانب المجتمع تقريبا، بما فيها الاتصالات والأعمال والحكومة. ولا يُستثنى العالم المالي من هذا التغيير.

ومن ثم فالعالم المالي يقف في منعطف حرج. صحيح أن انتشار العمل بالتكنولوجيات الجديدة مثل النظم القائمة على “سلاسل مجموعات البيانات” blockchain ينطوي على كثير من المزايا المحتملة، ولكنه ينشئ مخاطر جديدة في نفس الوقت، ومنها ما يهدد الاستقرار المالي. ويفرض هذا بدوره تحديات أمام أجهزة التنظيم المالي، وهو الموضوع الذي تناولته في القمة العالمية للحكومات لعام 2017 في دبي.

فعلى سبيل المثال، نحتاج إلى تحديد الوضع القانوني للعملة الافتراضية، أو الرمز الرقمي. ونحتاج إلى مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب بتحديد أفضل السبل لاستيفاء مبدأ “اعرف عميلك” في تحويلات العملة الافتراضية. وللتكنولوجيا المالية انعكاسات أيضا على الاقتصاد الكلي وينبغي أن نحسن فهمنا لها ونحن بصدد وضع السياسات التي تساعد أعضاء الصندوق على خوض غمار هذه البيئة سريعة التغير.

 

تزايد الاستثمارات

التكنولوجيا المالية، أو fintech كما تختصَر بالإنجليزية – مصطلح يشمل منتجات النظم المالية البديلة ومطوريها ومشغليها – تفرض تحديات أمام نماذج العمل التقليدية وتواصل نموها السريع. فطبقا لأحد التقديرات الأخيرة، زادت استثمارات التكنولوجيا المالية بمقدار أربعة أضعاف من 2010 إلى 2015 حتى أصبحت 19 مليار دولار سنويا.

وقد جاء ابتكار التكنولوجيا المالية في صور وأشكال متعددة من إقراض النظراء إلى التداول عالي التواتر إلى البيانات الضخمة وعلم الإنسان الآلي -الروبوت-، وقصص النجاح عديدة في هذا السياق. فهناك الصيرفة باستخدام الهاتف النقال في كينيا والصين التي أدخلت الملايين ممن كانوا دون حسابات مصرفية تحت مظلة النظام المالي الرئيس. وهناك تحويل العملات الافتراضية الذي أتاح للناس في البلدان النامية تحويل الأموال عبر الحدود بسرعة كبيرة وتكلفة منخفضة.

كل ذلك يدعو إلى التفكير بصورة أكثر ابتكارا. فكيف بالضبط ستؤدي هذه التكنولوجيات إلى تغيير العالم المالي؟ وهل ستحدث تحولا كاملا فيه؟ وهل ستختفي المصارف لتحل محلها النظم القائمة على سلاسل مجموعات البيانات التي تسهل المعاملات بين النظراء؟ وهل سيؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تقليل الحاجة إلى المهنيين المدربين؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل تستطيع الآلات الذكية تقديم مشورة مالية أفضل للمستثمرين؟

الحقيقة هي أننا لا نعلم الإجابة حتى الآن. فهناك استثمارات كبيرة توجه إلى التكنولوجيا المالية، ولكن معظم تطبيقاتها في العالم الواقعي لا تزال في طور الاختبار.

 

التحديات التنظيمية

قد بدأ بالفعل ظهور تحديات تنظيمية. فعلى سبيل المثال، يمكن استخدام العملات المشفرة مثل عملة “بيتكوين” bitcoin الرقمية في إجراء تحويلات مجهولة المصدر عبر الحدود ما يزيد من مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وهناك خطر آخر – على المدى المتوسط – وهو الأثر المحتمل على الاستقرار المالي من جراء دخول أنواع جديدة من مقدمي الخدمات المالية إلى السوق.

والأسئلة كثيرة. فهل ينبغي أن نطبق نوعا من التنظيم على اللوغاريتمات التي تقوم عليها التكنولوجيات الجديدة؟ أم ينبغي لنا – على الأقل في الوقت الراهن – أن نضغط على زر الوقف المؤقت للعمل التنظيمي لكي نعطي التكنولوجيات الجديدة بعض الوقت حتى تتطور ونسمح لقوى الابتكار أن تسهم في تخفيض المخاطر وتعظيم المنافع؟

إن بعض البلدان يعتمد منهجا ابتكاريا بعيد النظر في المجال التنظيمي – عن طريق إنشاء “مختبرات التكنولوجيا المالية” fintech sandboxes، على غرار “المختبر التنظيمي” Regulatory Laboratory في أبو ظبي و”مختبر رقابة التكنولوجيا المالية”Fintech Supervisory Sandbox في هونج كونج.

وتهدف هذه المبادرات إلى تشجيع الابتكار عن طريق السماح بتطوير التكنولوجيات الجديدة واختبارها في بيئة خاضعة للرقابة الدقيقة. وهنا في الصندوق، نتابع من كثب تطورات التكنولوجيا المالية. وفي العام الماضي، نشرنا دراسة عن العملات الافتراضية، مع التركيز على انعكاساتها التنظيمية والمالية والنقدية. وقمنا منذ ذلك الحين بتوسيع نطاق تركيزنا ليشمل تطبيقات “سلاسل مجموعات البيانات” blockchain بشكل أعم. كذلك أنشأنا أخيرا المجموعة الاستشارية رفيعة المستوى لرواد التكنولوجيا المالية لمساعدتنا على فهم التطورات الجارية في هذا المجال.

كل هذا، في رأيي، ينشئ “عالما جديدا شجاعا” للقطاع المالي. ولعل هذا العالم يرسم في نظر البعض صورة مخيفة للمستقبل كما وصفه ألدوس هكسلي في روايته الشهيرة.

ولكن بوسعنا أن نتذكر أيضا كيف استحضر شكسبير صورة هذا العالم الجديد الشجاع في مسرحيته العاصفة، حين قال على لسان إحدى شخصياته: ” يا للروعة، كم من الصالحين في هذا العالم! ما أروع البشرية! ويا له من عالم جديد شجاع”.

د. علي الوردي .. طبيعة المدنية

 

كان المفكرون الطوبائيون، ولا يزالون، يمدحون التعاون والتآخي واتفاق الكلمة. وامتلأت مواعظهم بذلك امتلاءا عجيباً. وهم قد اجمعوا على هذا الرأي بحيث لم يشذ فيه منهم أحد إلا في النادر.

ونحن لا ننكر صحة هذا الرأي الذي يقولون به. فاتفاق الكلمة قوة للجماعة بلا ريب. ولكننا مع ذلك لا نستطيع أن ننكر ما للاتفاق من اضرار بالمجتمع البشري في الوقت ذاته.

ان المجتمع البشري لا يستطيع ان يعيش بالاتفاق وحده. فلا بد ان يكون فيه شيء من التنازع أيضاً لكي يتحرك الى الامام.

والقدماء حين ركزوا انتباههم على الاتفاق وحده، انما نظروا الى الحقيقة من وجهة واحدة وأهملوا الوجه الآخر. فهم بعبارة أخرى: قد أدركوا نصف الحقيقة. اما النصف الاخر منها فبقى مكتوما لا يجرأ أحد على بحثه.

ان الاتفاق يبعث التماسك في المجتمع، ولكنه يبعث فيه الجمود أيضاً. فاتحاد الافراد يخلق منهم قوة لا يستهان بها تجاه الجماعات الاخرى. وهو في عين الوقت يجعلهم عاجزين عن التطور أو التكيف للظروف المستجدة.

وقد أثبتت الابحاث الاجتماعية ان المجتمعات البدائية التي تؤمن بتقاليد الآباء والاجداد ايمانا قاطعا فلا تتحول عنها تبقى في ركود وهدوء ولا تستطيع ان تخطو الى الامام إلا قليلاً.

وقد نجد في هذه المجتمعات الراكدة تنازعا عنيفا، هذا ولكن تنازعها قائم على اساس شخصي لا يمس التقاليد بشيء. كلهم مجمعون على التمسك بها لا يخرجون عنها قيد أنملة. وكثرا ما يكون تنازعهم ناشئا عن تنافسهم في القيام بتلك التقاليد ومحاولة كل منهم ان يتفوق على أقرانه فيها.

ان التنازع الذي يؤدي الى الحركة والتطور يجب ان يقوم على أساس مبدأي لا شخصي. فالمجتمع المتحرك هو الذي يحتوي في داخله على جبهتين متضادتين على الاقل، حيث تدعو كل جبهة الى نوع من المبادىء مخالف لما تدعو اليه الجبهة الاخرى. وبهذا تنكسر”كعكة التقاليد” على حد تعبير بيجهوت. ويأخذ المجتمع اذ ذاك بالتحرك الى الامام.

اذا رأيت تنازعا بين جبهتين متضادتين في مجتمع، فاعلم ان هاتين الجبهتين له بمثابة القدمين اللتين يمشي بهما.

ومن الجدير بالذكر ان الحركة الاجتماعية لا تخلو من مساوىء رغم محاسنها الظاهرة. فليس هنالك في الكون شيء خير كله أو شر كله. فالحركة الاجتماعية تساعد الانسان على التكيف من غير شك. ولكنها في عين الوقت تكلف المجتمع ثمنا باهضا. اذ هي مجازفة وتقدم نحو المجهول. انها تؤدي الى القلق والتدافع والاسراف في أمور كثيرة. والانسان الذي يعيش في مجتمع متحرك لا يستطيع ان يحصل على الطمأنينة وراحة البال التي يحصل عليها الانسان في المجتمع الراكد. انه يجابه في كل يوم مشكلة. ولا يكاد ينتهي منها حتى تبغته مشكلة أخرى. وهو في دأب متواصل لا يستريح إلا عند الموت. ولا يدري ماذا يجابه بعد الموت من عذاب الجحيم!

إن النفس البشرية تحترق لكي تنير باحتراقها سبيل التطور الصاحب.

ابتلى الانسان بهذه المشكلة ذات الحدين. فامامه طريقان متعاكسان، وهو لابد أن يسير في أحدهما: طريق الطمأنينة والركود، أو طريق القلق والتطور.

ومن المستحيل عليه ان يسير في الطريقين في آن واحد.

يخيل الى بعض المغفلين من المفكرين ان المجتمع البشري قادر على ان يكون مطمئنا مؤمنا متمسكا بالتقاليد القديمة من جهة وان يكون متطورا يسير في سبيل الحضارة النامية من الجهة الاخرى. وهذا خيال غريب لا ينبعث إلا في أذهان اصحاب البرج العاجي الذين يغفلون عن حقيقة المجتمع الذي يعيشون فيه.

يقول توينبي، المؤرخ المعروف، ان الصفة الرئيسة التي تميز المدنية عن الحياة البدائية هي الابداع. فالحياة يسودها التقليد بينما الابداع يسود حياة المدنية.

من الممكن القول بأن المدنية والقلق صنوان لا يفترقان. فالبشر كانوا قبل ظهور المدنية في نعيم مقيم. لا يقلقون ولا يسألون: “لماذا؟”. كل شيء جاهز بين أيديهم قد أعده لهم الآباء والاجداد، فهم يسيرون عليه ولسان حالهم يقول: “انا وجدنا آباءنا على أمة وانا على آثارهم مهتدون”.

ان الاساس الذي تقوم عليه المدنية _كما يقول توينبي _ هو الكدح والشقاء والمعاناة. فالمناطق التي يسهل فيها اكتساب القوت، أو يلتقط فيه التقاطا، لا تستطيع ان تنتج مدنية، اذ هي تعود الانسان على الكسل والتسليم بالقدرة والتلذذ بالاحلام.

ويأتينا توينبي بفلسفة ساخرة في هذا الصدد حيث يقول: ان الحكاية التي تذكرها التوراة حول اغراء الشيطان لآدم واخراجه من الجنة، هي في الواقع اقصوصة رمزية تشير الى ظهور المدنية وخروج الانسان من طور الحياة البدائية الى طور المدنية.

يعتقد الشهرستاني ان الانسان يجب عليه ان يخضع للاوامر الربانية التي يأتي بها الانبياء والاولياء خضوعا تاما، فلا يسأل عن العلة فيها ولا يشك في حكمتها، فالجنة التي سكنها آدم من قبل، ولا تزال تسكنها الملائكة اليوم، هي موئل الطمأنينة واليقين، حيث يعيش أهلوها فيها “طاهرين سامعين مطيعين”.

وابليس يسأل ربه قائلا: “أليس بقاء العالم على نظام الخير خيرا من امتزاجه بالشر؟. والغريب ان الملائكة سألوا ربهم مثل هذا السؤال فأجابهم الله قائلا: (إني أعلم ما لا تعلمون) فسكتوا.

وجاء في الاحاديث القدسية ان الله قال: “انا الله لا آله إلا انا خلقت الشر وقدرته فويل لمن خلقت له الشر وأجريت الشر على يديه”.

يبدو من هذا ان الله “جل شأنه” قد تعمد خلق الشر وأجراه على أيدي الناس لسبب يعلمه هو. ولعله لم يشأ ان يعلم الملائكة اياه لئلا يفسدهم به.

خلق الله آدم ثم سلط عليه ابليس قصدا وعمدا. فجعل الخير والشر متصارعين الى يوم يبعثون. فما هو السر في هذه المفارقة المقلقة؟.

حاول بعض متصوفة الاسلام ان يجيبوا على هذا السؤال فقالوا ما معناه: ان الشيء لا يمكن معرفته إلا بواسطة نقيضه، فالنور لا يدرك إلا بالظلام، والصحة لا تعرف إلا بالمرض، والوجود لا يعرف إلا بالعدم، وان امتزاج هذه النقائض هو الذي انتج في رأي المتصوفة هذا الكون… وعلى هذا فان الانسان لا يستطيع ان يدرك الله الذي هو الحق إلا اذا عورض بالباطل.

ومشكلة الشر تفسر عند المتصوفة على هذا الاساس. فالشر في نظرهم ضروري لوجود الخير. والانسان لا يدرك الخير إلا اذا كان الشر مقابلا له، كما انه لا يفهم النور إلا اذا كان وراءه ظلام.

وقد ذهب ابن خلدون الى ما يقارب هذا الرأي الصوفي في مسألة الشر. فهو يقول: “قد لا يتم وجود الخير الكثير إلا بوجود شر يسير من أجل المواد فلا يفوت الخير بذلك على ما ينطوي عليه من الشر اليسير وهذا معنى وقوع الظلم في الخليقة فتفهم… “.

والواقع ان هذا الرأي “الصوفي _ الخلدوني” يشبه الى حد بعيد نظرية هيگل المعروفة. ولعلنا لا نغالي اذا قلنا ان المتصوفة في الاسلام سبقوا هيگل في هذا بعدة قرون.

ومن المؤسف ان نرى المفكرين الطوبائيين لم يعنوا بهذا الرأي ولم يلتفتوا اليه. فهم قد حاروا في مشكلة الشر في العالم وتجادلوا حولها طويلا ولكنهم لم يصلوا فيها الى نتيجة مرضية. ومعظم حلولهم التي جاءوا بها لا تخلوا من تعسف أو رقاعة.

وعلة عجزهم في تفهم هذه المشكلة أو في حلها، هي انهم يجرون في تفكيرهم حسب منطق ارسطو طاليس القديم. وهذا المنطق يؤمن بقانون “عدم التناقض”. فالشيء عندهم هو هو. أي انه قائم بذاته ومنفصل عن غيره.

وبواسطة هذا التناقض والتفاعل بين الاشياء يتطور الكون وينمو، ويظهر منه كل يوم شيء جديد.

عيب الطوبائيين انهم لا يؤمنون بالحركة والتطور. فالحركة في نظرهم أمر طارىء، والسكون هو الاصل في الكون. ولهذا فهم لا يستطيعون أن يفهموا سر الكون أو سر الحياة أو سر المدنية. ويظلون يتجادلون بلا جدوى!

يعتقد السذج من المفكرين بان من الممكن تجزئة المدنية. أي انهم يظنون بانهم قادرون على تنقية المدنية من شقائها وقلقها مع الاحتفاظ بابداعها وتجديدها. وهذا رأي لا يستسيغه المنطق الحديث. فالمدنية كل لا يتجزأ. فان هي جاءت الى مجتمع جلبت معها محاسنها ومساوئها معا. ان من المستحيل الفصل بين حسنات المدنية وسيئاتها. والانسان مضطر حين يدخل باب المدنية ان يترك وراءه تلك الطمأنينة النفسية التي كانت تكتنفه في أيام مضت.

والفكر البشري حين يتحرر ويخرج على التقاليد لا يستطيع ان يحتفظ بطابع اليقين على أية صورة. انه حين يشك في أمر واحد من أمور حياته لا يستطيع ان يقف في شكه عند هذا الحد. فالشك كالمرض المعدي لا يكاد يبدأ في ناحية حتى يعم جميع النواحي. والانسان اذ يكسر تقليد واحدا لابد أن يأتيه يوم يكسر فيه جميع التقاليد. وهو بذلك قد استفاد من جهة وتضرر من جهات أخرى.

ومن هنا جاء قول القائل: “من تمنطق فقد تزندق”.

تتعرض التوراة الى شرح السبب الذي أدى الى طرد أبينا آدم من الجنة فتقول: ان آدم عاش في الجنة، هو وزوجته الحسناء، منعما سعيدا، لا يقلق باله غم ولا يعتوره شقاء، حتى جاء اللعين ابليس الى زوجته يغريها بأكل الشجرة المحرمة. وتصف التوراة هذه الشجرة بأنها “شجرة معرفة الخير والشر”.

حار رجال الدين في تعيين نوع هذه الشجرة المنحوسة التي طرح آدم بسببها من الجنة. فمنهم من قال: انها شجرة التفاح. ومنهم من قال: انها القمح. ومنهم من قال غير ذلك. والذي نلاحظه انها لم تكن تفاحا ولا قمحا، ولا بطيخا! انها بالاحرى شجرة رمزية تدعو آكلها الى الشك والتساؤل وتحرضه على البحث في مسالة الخير والشر والتمييز بينهما. وبعبارة أخرى: انها تشير الى مفهوم العصيان والتحلل والجرأة على الحرام. فلقد أمر الله آدم ان لا يقرب من الشجرة، كما يقول القرآن، ولكن آدم عصى أمر ربه فأكل منها. والمشكلة اذن تنحصر في عصيان الامر الرباني لا غير.

لقد جاءت المدنية للانسان بخير عظيم ولكنها جاءت له أيضا بشر أعظم منه، فهي قد أطلقت الفكر من حبسه فأخذ يجوب الفضاء ويستفهم عن كل شيء وهي مع ذلك قد سارت بالفكر في طريق القلق والالتياث والعصيان. انها قد أطعمت البشر من شجرة معرفة الخير والشر، على حد تعبير التوراة. وهي بذلك قد أذاقتهم من ويلات الخير والشر قسطا كبيرا.

لقد كان البشر قبل المدنية لا يفكرون وكانوا أيضا لا يقلقون، وقد يصح ان نقول: أن التفكير والقلق صنوان لا يفترقان.

قال ابو الطيب المتنبي في احدى قصائده الخالدة:

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله

وأخو الجهالة بالشقـاوة ينعم

ان “البلاهة” العامة تجلب للناس الطمأنينة والسعادة _كما قلنا. وقالوا قديما: “السعيد هو الذي لا يملك لنفسه قميصا” وهم يقصدون بذلك: ان السعيد هو الذي لا يملك قميصا ولا يريد ان يكون له قميصا.

اما ذلك الذي يريد القميص ولا يملكه فهو بؤرة الشقاء بلا شك، ومن هنا جاءت مشكلة المدنية الكبرى. فالمدنية معناها التكالب والتزاحم واستغلال الناس بعضهم لبعض. فظهر من بين الناس اذن طبقة مترفة تملك عدة قمصان: بينما يبقى كثير من الناس لا قمصان لهم. والناس قلقون عند ذاك اذا جاعوا واذا شبعوا. قيل: ان المتمدن اذا جاع سرق واذا شبع فسق. وهو في كلتا الحالتين شقي لا يقف شقاؤه عند حد. انه يركض وراء هدف، فاذا وصل اليه نسيه وابتكر له هدفا آخر يركض وراءه. فهو يركض ويركض الى غير نهاية _كمن يركض وراء سراب. انه يجدد ويبدع في كل يوم ولكن الجديد يصبح عنده قديما في اليوم التالي.

اما البدائيون الذين يعيشون على الفطرة فهم اذا شبعوا حمدوا ربهم واذا جاعوا حمدوا ربهم كذلك. ومزيتهم انهم يشبعون جميعا ويجوعون جميعا. فليس بينهم متخوم ومحروم فالتنافس ممنوع عندهم إلا فيما يجلب منفعة للجميع. اما التكالب الفردي فهم يعدونه عيبا لا يجوز لانسان ان يتصف به.

الهويات الصلبة والهويات المتنقلة

د. السييد اباه

في كتابه الصادر مؤخرا بعنوان «الطريق إلى مكان محدد»، يُبين المفكر البريطاني «دفيد غودهارت» أن الموجة الشعبوية العارمة التي تعرفها حالياً المجتمعات الغربية (من أبرز مؤشراتها البريكسيت ونتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية) هي تعبير عن تحول سياسي نوعي تشهده الديمقراطيات الغربية التي انتقلت من قسمة اليمين واليسار إلى قسمة جديدة تتصل بالهوية.

 

القسمة الجديدة هي بين «من لا ينتمون إلى أي مكان» anywhere ومن «ينتمون إلى مكان ما» somewhere. الفئة الأولى تتشكل من الأفراد الذين استفادوا من حركيّة العولمة الاقتصادية ومن الثورة التقنية الجديدة، فلم يعودوا يتشبثون بانتماءات عضوية جذرية، هوياتهم متحركة وأوطانهم متنقلة يشعرون بأن العالم كله وطنهم، أما الفئة الثانية فتتكون من أفراد متجذرين في أرضيات ثابتة وانتماءات موروثة يَرَوْن في العولمة وما يرتبط بها من الهجرات الجديدة تهديداً لأصالتهم وهويتهم وليس ظواهر طبيعية تاريخية.

 

 

 

 

وبالنسبة لغودهارد، يتعلق الأمر باستقطاب ثقافي في جوهره في ما وراء تلوناته السياسية: أولئك الذين لا انتماء لهم يتبنون قيم التميز الفردي والتعبير عن الذات والتفوق والنجاح، في حين يتبنى المنتمون القيم الأمنية والعائلية واحترام المعايير الجماعية والمشتركة.

المجموعة الأولى لم تعد تؤمن بالدولة القومية بل ترى فيها عائقاً أمام التطور والنمو ولذا يتطلع أفرادها إلى شراكات متعددة الجنسيات وإلى بناءات إقليمية أوسع من هذه الدولة (مثل الاتحاد الأوروبي)، أما المجموعة الثانية فلا تزال ترى في الدولة القومية التعبير الضروري عن الهوية الوطنية والحاضن الأوحد لمعايير ووشائج التضامن الاجتماعي والديمقراطية التشاركية.

 

وإذا كان من الجلي أن أحزاب اليمين المتطرف قد استفادت من هذا الصراع في السنوات الأخيرة، إلا أن الظاهرة في حقيقتها تتجاوز هذا الاصطفاف الأيديولوجي، فثمة شعبوية يسارية لا تختلف من حيث القاعدة الانتخابية عن تنظيمات أقصى اليمين، كما هو واضح من ديناميكية «حركة بوديموس» في إسبانيا و«حركة فرنسا الأبية» في فرنسا و«سيرزيا» في اليونان.

 

وإذا كانت هذه التنظيمات والأحزاب لم تتحول بعد إلى قوى سياسية راسخة، فإنها أصبحت من محددات المشهد السياسي وقد قلبت جذرياً ثوابته التقليدية من خلال «الانتفاضات الانتخابية» (حسب عبارة وزير خارجية فرنسا السابق هوبرت فيدرين) التي عرفتها عدد من كبريات الديمقراطيات الغربية في الفترة الأخيرة.

 

وعلى الرغم من الاختلاف الواسع بين السياق الغربي وسياقنا العربي الإسلامي من حيث رصيد التجربة السياسية وطبيعتها، فإن ثنائية غودهارت قابلة لأن تفسر جانباً أساسياً من جوانب التحول السياسي التي عرفتها المنطقة في السنوات الأخيرة، مع إضافة تحويرات جزئية على هذه الأطروحة.

 

ما نلاحظه في السياق العربي هو الانفصام بين النخب المتعلمة المندمجة التي استفادت من مسار التنمية الانتقائي المحدود الذي عرفته البلدان ذات الثقل الديمغرافي عن طريق سياسات الانفتاح الاقتصادي والشراكة الدولية والخصخصة الواسعة، والقطاعات العريضة التي لم تتمكن من الاستفادة من هذه الحركية بل دفعت قاسياً ثمن عجز السلطات العمومية وإخفاقها في تحمل الوظائف الرعوية والإدماجية التي قامت عليها شرعية الدولة الحديثة التي سعت إلى قيادة عملية التنمية والتحديث وحاولت إعادة قولبة المجتمع والهيمنة عليه.

 

الفئة الأولى تنزع إلى استقرار الدولة وقوتها وتتبنى قيم الانفتاح والشراكة الخارجية، والفئة الثانية هي التي انساق جناح عريض منها للتنظيمات الراديكالية الدينية والقبلية والإثنية، بحثاً عن دوائر انتماء بديلة عن الدولة، وهنا الفرق الجوهري بين المجموعات المنتمية في الغرب المتشبثة بالدولة الوطنية والجماعات «المنتمية» في منطقتنا التي تعادي هذه الدولة وتحاربها.

 

الدولة في السياق العربي هي مقوم الاستقرار والتنمية وأداة الانفتاح على العالم، وإن كانت ضعيفة الهوية وهشة الانتماء نتيجة لاصطدامها الضروري بالهويات المجتمعية الصلبة، في حين أن الهويات العضوية التي تستقطبها التيارات الراديكالية، وإن كانت مثمرة انتخابياً إلا أنها عقيمة ومهددة للكيان السياسي الجماعي.

 

لقب قال لي مرة المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري: لقد أخطأ اليسار المغربي والعربي إجمالا في سنوات الاستقلال الأولى عندما توهم أن الصراع الاجتماعي المطروح هو مواجهة الدولة بصفتها الوعاء المؤسسي للهيمنة الطبقية، بينما تبين أن الدولة هي الحليف الموضوعي للقوى التقدمية، وليس المطلوب سوى إصلاحها وتحويلها إلى دولة وطنية حقيقية.