11 يناير، 2026، والساعة الآن 5:02 مساءً بتوقيت نواكشوط
الرئيسية بلوق الصفحة 11

مركز مبدأ : يفتتح موسمه الثقافي بندوة كبرى حول مشروع الشيخ بن بيه بمحاضرة للعلامة ولد امباله

نظم المركز الموريتاني للبحوث و الدراسات الانسانية مبدأ ندوة علمية كبرى حول المشروع الفكري و التجديدي للشيخ العلامة عبد الله بن بيه .

فيما يلي صور الندوة

التقرير الكامل للندوة الثانية من المشروع الفكري للعلامة الشيخ بن بيه

رئيس المركز ، رئيس الجلسة ، المحاضر ، المقرر ، الترتيب من اليمين

المركز الموريتاني للبحوث والدراسات الإنسانية (مبدأ) .

الندوة الثانية : المشروع الفكري والتجديدي للعلامة عبد الله بن بيه  من خلال كتاب : مشاهد من المقاصد

نظم المركز الموريتاني للبحوث والدراسات الإنسانية (مبدأ)ندوة فكرية تحت عنوان :المشروع الفكري والتجديدي للعلامة عبد الله بن بيه من خلال كتابه الموسوم بـ ” مشاهد من المقاصد”.

واستهلت الندوة بكلمة لرئيس المركز الدكتور محمد سيد أحمد فال الوداني (بوياتي) استعرض فيها السياق العام الذي تتنزل فيه الندوة الذي يتخذ من المشروع الفكري والتجديدي للعلامة بن بيه موضوعا باعتبارها امتدادا لسلسة من الندوات خصصها ويخصصها المركز لهذا المشروع.

وأعلن رئيس المركز عن امتداد هذا المشروع ليشمل آفاقا مغاربية وإقليمية وعربية.

بدوره رئيس الجلسة الدكتور ددود ولد عبدالله عرج في بداية افتتاح الجلسة على التعريف بالعلامة المؤلف والسمات العامة التي ميزت فكره ليقدم بعد ذلك المحاضر العلامة محمد المختار ولد امباله من خلال ورقة تعريفية مختصرة ركزت على جوانب مهمة في مسيرته العلمية والوظيفية بعد ذلك أحال رئيس الجلسة الكلام إلى المحاضر .

واستهل ولد امباله محاضرته بمقدمة ركزت على مجموعة من المقومات الفكرية جعلت من العلامة ولد بيه العالم المجتهد والصوفي النقي واللغوي المتمكن الذي يحسن قراءة النصوص ويستطيع معالجة قضايا العصر شاطبي العصر دون منازع وداعية للسلام في عالمنا المعاصر من خلال رؤيته الوسطية التي تعلى قيم التسامح وتسعى للتمكين للدين الإسلامي في الأرض.

بعد ذلك تتبع ولد امباله المشاهد كما وردت في فصول الكتاب ففي المشهد الأول عرج المحاضر كما المؤلف على تعريف المقاصد مستعرضا تعريف المقاصد عند الأصوليين ليخلص إلى تعريف مختار قدمه بن بيه في كتابه للمقاصد. وفي المشهد الثاني تناول المحاضر مسيرة العمل والتعامل مع المقاصد من خلال فهم السلف لدعوة القرآن و كشف مقاصد الشريعة واستشفاف حكمها وتجلَي ذلك في فهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مستعرضا نماذج للصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم.

وفي المشهد الثالث تطرق المحاضر للمصلحة بين العقل والنقل من خلال التساؤل هل المصلحة التي تبنى عليها الأحكام عقلية أم شرعية متحدثا عن دوران الشريعة بين معقولية المعنى والتعبد والتجاذب بين الكلي والجزئي لينتقل إلى أصناف المقاصد في المشهد الرابع وفيه بين ولد امباله المقاصد العامة التي ترجع إليها الشريعة والمقاصد الخاصة والمقاصد الجزئية والمقاصد الكبرى وذكر معيار الانتماء إلى المقصد الضروري وتذبذب الانتماء في بعض الأحيان لبعض القضايا بين الضروري و الحاجي.

وفي المشهد الخامس تناول ولد امباله استنباط المقاصد واستخراجها ومعناه الكيفية التي يتوصل بها إلى الحكم بأن مقصد الشارع من أمر أو نهي أو أي خطاب فيه أو فعل المعصوم أو تقريره متوقفا مع مسألة “بدعة الترك” .

وفي المشهد السادس تناول ولد امباله الاستنجاد بالمقاصد واستثمارها والضوابط الخمسة المراعاة في التعامل مع المقاصد ومجالات الاستنجاد بالمقاصد.

وتوقف ولد امباله مع بعض القضايا الفكرية المعاصرة التي تطرح في عالمنا اليوم كإشكالية الديمقراطية والشورى التي عالجها العلامة بن بيه بحكمة مقدما رأيه الذي يحفظ للدين هيبته دون أن يتسبب في إثارة غير المسلمين في عالم الغرب. وتجلى ذلك عندما قدم رأيه الناقد للديمقراطية من خلال آراء الغربيين أنفسهم.

وتميزت الندوة بمداخلتين قيمتين للأستاذ أبو بكر ولد أحمد و الإمام شغالي ولد المصطفى. حيث وصف ولد أحمد المشروع الفكري للعلامة بن بيه بأنه ينطلق من الداخل ويستثمر المفاهيم الإسلامية مطالبا بضرورة الاضطلاع على هذا المشروع ونشره في المنابر الاجتماعية بغية الاستفادة منه.

أما الإمام شغالي ولد المصطفى فقد وصف سعة اضطلاع العلامة ولد بيه على علوم المتقدمين وآراء الغربيين بأنه ” خرق للعادة “مطالبا بضرورة طبع المحاضرة باعتبارها كنزا إضافيا ينضاف إلى الكتاب.

وفي الختام شكر رئيس الجلسة المحاضر والحضور من علماء ومفكرين وباحثين معلنا اختتام الندوة.

اردوغان “المرشد” و”بن كيران” السياسي: الإخوان من السلفية الحركية إلى ضرورات التجديد

الشيخ الحسن البمباري

يبدو أن سنوات الطرد والجلد التي يمر بها الإخوان المسلمون من المحيط إلى الخليج و صلت أخيرا إلى تركيا التي مثل فيها رجب طيب  أردغان – مالئ الدنيا وشاغل الناس بالديمقراطية التي  صنعها والتحول الاجتماعي والاقتصادي الذي أوجده بعد زمن من العَلمنة الأتاتوركية – رجل كل العصور ، بديمقراطية أشاد بها الغرب ومولها ماديا ومعنويا وباتت أنموذجا على الإسلام السياسي ، مجنبا بذلك تركيا أزمة اجتماعية وسياسية كبيرة ، إلا أن الربيع العربي وما أعقبه من تحولات سياسية و اجتماعية في المنطقة اثر بشكل مباشر على سياسات أردغان مما جعله يتجه إلى اتخاذ مواقف من اتجاهات الربيع العربي ، خاصة بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة و الضغط الكبير الذي بات يشكله تواجد قيادات الإخوان في تركيا  التي تعقد مجموعة من التحالفات المعقدة تمتد بين روسيا و أمريكا و صولا إلى إيران و الخليج – الذي يتخبط حاليا في أزمة مقاطعة غيرت موازين للعبة في الشرق الوسط و حولت مسار التحالفات – ، خاصة بعد إعلان شبه توافق بين إسرائيل و العرب المقاطعون ضد اليد الضاربة للإخوان و قطر قناة الجزيرة ، بل حتى العمل المشترك للقضاء على آخر شرعية للإخوان على الإطلاق و هي حركة المقاومة الإسلامية (حماس ) ، و التي لو لم تعين إسماعيل هنية في رئاسة مكتبها السياسي خلفا لخالد مشعل لكانت سابقة على خروج النهضة التونسية  الكامل من ما سمي مدرسة قطب الإسلامية (الإسلام الحركي “السلفية الحركية “).

من أبرز ما يمكن الوقوف عليه في خيارات الإخوان  الإسلاميين الأتراك جنسية و ملجأ ، (خاصة بعد توجه المهادنة و التجديد الذي تبناه الإخوان المغرب العربي ) فإما أن تستمر موجة تغيير الجلد على شاكلة النهضة و حماس ، أو إعادة مرحلة التجديد من خلال نظرية ” دعاة لا قضاة ” الصادرة عن المرشد الثاني للإخوان حسن إسماعيل الهضيبي في وقت اسودت فيه الخطوب بالحركة الإسلامية الأكثر توسعا منذ ستينيات القرن الماضي ، فيما يبد خيار الشتات و الذي يفرض النأي بالنفس عن المنهج القطبي (نسبة إلى سيد قطب ) السلفية الحركية التي لا ترى مانعا من استخدام القوة للوصول إلى السلطة هو الأكثر تفضيلا بين قيادات و أتباع الحركة الأوسع انتشارا و التي لها قبول لا باس به في بعض الدول الأوروبية المركزية في صناعة القرار العالمي ، و يحظى هذا التوجه بقبول من بعض الدول التي رفضت قطع علاقاتها مع الجماعة بالرغم محاولات العديد من الأنظمة التأثير و السعي إلى استئصالها نهائيا .

قد يكون من العدل القول أن سمعة أردغان -كنسخة محدثة من الحركة الإخوانية- الآن باتت تتخطى ما حققه حسن البنا و سيد قطب ، بل حتى باتت تركيا قريبة جدا من وضع “معسكرات الشيوخ ” بالنسبة للإخوان و الفضل يعود في ذلك إلى تجربة أردغان و قدرته كسياسي إسلاموي لا يمارس الفتوى كما يقول هو بنفسه.

و إن كانت محاولة الانقلاب التي واجهها و ما جسدته من قوة يملكها الإخوان الأتراك في الشارع ، خاصة مع تجاوزه كل التحديات السياسية التي دخل فيها ( الانتخابات البرلمانية ، و تحويل نظام الحكم باتجاه الرئاسي ، إضافة إلى موقفه من الأزمة الخليجية  ،

النزاع مع جماعة فتح الله غولون  الناشطة من قلب الغرب (ودلالة ذالك واضحة)) مع ذلك على أردغان رجل الإسلام السياسي القوي أن يدرك أن الشعب الذي أوقف الدبابات على جسر البوسفور لن يقبل تحول الرئيس إلى مرشد و مركزية لجامعته “الإخوان المسلمون” وهو يعني  أن أردغان السياسي المحنك و مهندس للنجاح الكامل للتجربة الإسلامية في تركيا أن يتجنب ما يسميه فوكوياما “الأنظمة الوقفية”  أي التخلي عن  خلق وسائل الاستمرار للمشروع الإخواني الذي يظهر نفسه الآن كابر حارس له إلى جانب قطر مقارنة مع سياسة النأي بالنفس المتبعة من بن كيران و الغنوشي و حتى مشعل.

قد يكون من عدم الحكمة لفهم حركة عربية المنشأ ،لاتحليلها من خارج سياقها خاصة مع وجود تجربة قوية في المغرب يقودها الداهية السياسي بن كيران الذي أحاط مشروعه  بمجموعة من الرجال يتحركون في تناسق تام ، تجسد من خلال خلافة العثماني لبن كيران في رئاسة الوزراء دون أي خلخلة في الحزب الذي تسيد المشهد السياسي  مغربيا ، و لكن الواقع الآن يقول إن الأنموذج التركي أصبح هو مركز  التجربة السياسية للإخوان المسلمين، ليس لنجاحه فقط بل إن أردغان أصبح واجهة إسلامية عالمية و تركيا مركزا لجميع المشردين من الإخوان ، ثقافيا و سياسيا و حتى اقتصاديا .

 من العدل القول إن الإخوان المسلمين من بين الجماعات الإسلامية الأكثر نشاطا آنيا و تنظيما على مختلف المستويات ، من حيث الانتشار و القدرة على الحشد في أقدم معاقلها (مصر)بالرغم من التضييق الأمني و السياسي و اعتقال أي شخص يظهر ميولا إسلامية أو مؤيدة للإسلام السياسي بشكل عام ، هذا مع استمرار الإخوان في فضاء المغرب العربي في نهجهم العقلاني سواء بصعودهم البارز في موريتانيا أو استمرارهم في الحكم بالمغرب ، مع أن شكل النهضة قبل 2014 تغير كثيرا مع أنها ظلت في فلك الإخوان المسلين و هو ما يجعل تيار الإخوان قادرا على هيكلة نفسه على عدة مستويات و إعادة ترتيب ياقته سواء بإخراج قياداته من السجون بتقديم الكثير من التنازلات السياسية ، و إن كان موقف الإمارات و السعودية المعادي لكل ما هو إسلام سياسي قد يؤجل هذا الحل، فان الصمود لبعض الوقت  مطلوب من الإخوان كي يستطيعوا إعادة ترتيب صفوفهم و نقل أنفسهم إما بالتجديد على طريقة النهضة و حماس أو مراجعة المشروع و العودة إلى نظرية الدعاة ، في إعلان عن التخلي عن المشروع السياسي إلى حين و إن الإخوان في تركيا و المغرب و ماليزيا استثناء من الخيار الأخير.

باحث في المركز الموريتاني للبحوث و الدراسات الإنسانية (مبدأ)

تنظيم دورة حول أساسيات الإرشاد الاجتماعي

نظم المركز الموريتاني للبحوث و الدراسات الانسانية (مبدأ) دورة تكونية لصالح مجموعة من الشباب حول “أساسيات الارشاد الاجتماعي ” الدورة التي يحتضنها مقر المركز  تستمر لمدة يومي (25 و 26 من الشهر الجاري .

وقد أطر الدورة الاستاذ محمد سالم أحمد  (رئيس مصلحة حماية وحقوق الطفل بوزارة الشؤون الاجتماعية و الطفولة و الأسرة و مستشار في العمل الاجتماعي  ) و قد استفاد المشاركون من الدورة في يومها الاول من العديد من الانشطة و المفاهيم  المتعلقة بالارشاد الاجتماعي .

الدورة و التي اعتمدت لها اللغتين العربية و الفرنسية ، و استفاد منها قرابة العشرين شاب ، سيسلم في نهايتها افادات التكوين للمشاركين ، من طرف مبدأ .

يذكر ان هذه الدورة هي النشاط التدريبي الثاني على التوالي في الاسابيع الماضية الذي نظمه المركز الموريتاني للبحوث و الدراسات الانسانية (مبدأ) في اطار النصف الثاني من موسمه الثقافي في حين يصنف النشاط الرابع للمركز في النصف الثاني للموسم في حين تتواصل انشطة النصف الثاني بدورات و ندوات كبرى في القريب العاجل .

صور الدورة

أدلجة الإسلام ليست هي الحل

د. السيد ولد اباه

في فترة المد الإخواني في مصر في الخمسينيات والستينيات، كان كبير علماء الأزهر أوانها «الشيخ محمد أبو زهرة» يحرص على أن يكرر أمام طلبته أن القول بأن الإسلام دين وسياسة أمر لا أصل له في الدين، كما أخبرنا تلميذه المفكر اللبناني «رضوان السيد»، بل إن الأزهريين القلائل الذين انضموا لجماعة «الإخوان» مثل محمد الغزالي وأحمد حسن الباقوري.. انتهوا إلى الانسحاب من التنظيم والنقمة عليه.

الغريب هنا أن الجماعة التي عادة ما تتوهم احتكار الشرعية الدينية ظلت منذ نشأتها معزولة في الساحة العلمية والفكرية الإسلامية، فلم تنتج منذ نشأتها قبل ما يقرب من تسعين سنة عالماً متميزاً في الشريعة ولا مفكراً بارزاً. في هذا السياق، لا يزال من المهم الكشف عن ملابسات تشكل الخطاب الإخواني الذي كان نكوصاً جلياً عن التوجهين الأساسيين اللذين عرفتهما الساحة الإسلامية في بدايات القرن العشرين: التوجه الإصلاحي الاجتهادي (الأفغاني وعبده..) والتوجه الفلسفي التنويري (محمد إقبال..)، بينما كان في قطيعة مع التقليد التراثي نتيجة لتلوينه الأيديولوجي الحركي الاحتجاجي.

لابد من الإشارة هنا إلى أن أهم مفكرين إسلاميين عاصرا الموجة الإخوانية، وهما عباس محمود العقاد ومالك بن نبي، رفضا بشدة المشروع الإخواني واعتبراه ضحلا فقيراً وخطراً على المجتمعات المسلمة.

فالعقاد صاحب العبقريات الرائعة والأعمال الرصينة في الدفاع عن العقيدة الإسلامية وإبراز جوانب الدين العقلانية، اشتهر بموقفه المناوئ لـ«الإخوان» واتهامه للجماعة بالنزوع الماسوني والميل للعنف والتطرف، بينما تحمّس «بن نبي» لـ«الإخوان» قبل أن يتعرّف على الجماعة وفكرها خلال إقامته في مصر، فانتهى إلى نفس الخط الرافض لفكرها ومشروعها السياسي.

وفي مقابل عقلانية العقاد ونزعته الإنسانية والنموذج النهضوي الحضاري الذي بلوره «بن نبي»، ذهب الخطاب الإخواني في اتجاهين أساسيين هما النظر إلى الحداثة بصفتها غزواً ثقافياً غربياً ومؤامرة يهودية ماسونية (محمد قطب..)، والنظر إلى الإسلام بصفته ديانة سياسية شاملة تشكل الدولة محورها (عبد القادر عودة..).

ومع أن مقولة ازدواجية الدين والسياسة في الإسلام تبدو بديهية للكثيرين، فإنها في الحقيقة بدعة غير مسبوقة في التراث الإسلامي، وهي نتاج مسار أدلجة الإسلام بالبناء على حقيقتين يتم توظيفهما خطأ في الخطاب الإخواني. أما الحقيقة الأولى فهي ما أجمع عليه تقريباً علماء الإسلام وفقهاؤه من وجوب نصب الإمامة لتدبير شؤون الجماعة واتقاء الفتنة، والحقيقة الثانية هي ما لأحكام الدين في الإسلام من طابع جماعي، بحيث لا يمكن حصر شرائع الإسلام في التدين الفردي.

إن هذين المبدأين لا يعنيان ما ذهب إليه بعض المستشرقين المناوئين للإسلام من الطابع القانوني السياسي للإسلام الذي يمنعه من التأقلم مع قيم الذاتية والديمقراطية والتعددية، وهي الفكرة ذاتها التي تتبناها المدرسة الإخوانية من منطلقاتها الخاصة.

ما لم يدركه دعاة الإسلام السياسي هو أن وجوب إقامة سلطة عامة تدير شأن المجتمع لا يعني الطابع الديني للدولة، بل إن فقهاء الإسلام ومتكلميه درجوا على القول بأن مسائل الإمامة تدبيرية سلطانية لا شأن لها بالدِّين، وإن من واجب الدولة رعاية الدين وحراسته لا تجسيده. كما أن الطابع الجماعي للدين لا يعني أن له طابعاً سياسياً، بل إن ما يحول دون علمانية الدولة في المجتمعات المسلمة بالمفهوم الغربي التقليدي هو هذه السمة الجماعية التي تحوّل الدين إلى عماد المجتمع الأهلي وتخرجه من تجاذبات السياسة وقبضتها، في حين أن مفهوم «الدولة الإسلامية» يؤول في نهاية المطاق إلى تحويل الدين إلى أيديولوجيا للدولة الشمولية، بما يعني أقصى درجات العلمنة وأخطرها.

قد يقول البعض إن تيار الإسلام السياسي طور خطابه واستراتيجياته السياسية وأصبح يتبنى المنظور الديمقراطي التعددي، ويفصل بين الدعوة والسياسة، بيد أن السؤال المطروح لا يتعلق بمجرد التكيف مع آليات التمثيل والتنظيم التي بلورتها الديمقراطية الحديثة في إدارة المجتمعات المنظمة، فهي في جانبها الميكانيكي مجرد أدوات إجرائية عملية، وإنما السؤال الحقيقي يتعلق بالقراءة الأيديولوجية السياسية للإسلام التي لا تخلو من خطر استخدام الورقة الدينية في الصراع السياسي للهيمنة على المجتمع (ليس من الصحيح أن الهيمنة ذات بعد واحد يتعلق بالسلطة السياسية أو العسكرية).

إن المأزق الذي يواجه ما يسمى حالياً بالإسلام «الديمقراطي» (العبارة ترجع للغنوشي) هو أن أحزاب الإسلام السياسي المنخرطة في الصراع السياسي التعددي تجد نفسها مرغمة على قبول كسر احتكار الشرعية الدينية في بلدان يشكل الإسلام فيها محور المرجعية الدستورية والمجتمعية وسقف الإجماع الوطني، بيد أنها حين تقبل هذا التنازل يصبح من العصي عليها تبرير خصوصيتها الفكرية والسياسية، فلا يبقى لها إلا نموذج الجمعية «الطائفية» المغلقة الذي لا يتناسب مع منطق الحزب السياسي بمفهومه الحديث ولا معنى له في السياق الديمقراطي، بل هو خطر على الاستقرار السياسي والسلم الأهلي.

أبعاد ظاهرة هجرة الكفاءات (موريتانيا نموذجا)

مقدمة

 

طبق فهم معين يحد العلم بأنه ذو ثلاثة أهداف هي الفهم والتحكم والتنبؤ، ويدخل وعي هذا التعريف في صفة علم الاجتماع كجهد علمي، وضمن هذا السياق تقسم الدراسات الاجتماعية إلى ثلاثة أنواع: هي الدراسات الاستطلاعية والدراسات الوصفية والدراسات الاستكشافية، وضمن الصنف الثاني تتنزل هذه الدارسة حول ظاهرة هجرة الكفاءات الموريتانية من حيث العوامل والنتائج.

وقد تم تقسيم هذه الدراسة إلى ثلاثة فصول، تضمن كل فصل منها عدة محاور.

ففي الفصل الأول تم تناول الإطار المنهجي لهذا البحث، وتم التعرض لتحديد المشكلة التي يعالجها وأهميتها ومبررات اختيارها، كما تم تناول الصعوبات التي واجهته، وتم عرض الإشكالية التي يدور حولها هذا البحث بما تتضمنه من تساؤلات فرعية وتم كذا عرض الفرضيات كذا التي ينطلق منها البحث بالإضافة إلى عرض المنهج وتحديد المفاهيم.

أما الفصل الثاني فقد تضمن ثلاثة محاور خصص الأول منهما لتناول هجرة الكفاءات كظاهرة اجتماعية بشكل عام في سياق التركيز عليها محليا، وخصص الثاني منهما لتناول أبعاد الظاهرة سكانيا واقتصاديا ومجتمعيا، في حين تم في المحور الأخير من هذا الفصل التعرض للعلاقة بين هجرة الكفاءات وعملية التنمية.

أما الفصل الثالث والأخير من هذه الدراسة فقد خصص للدراسة الميدانية في هذا البحث، وشمل ثلاثة محاور خصص الأول منها لعرض نتائج الدراسة الميدانية، وخصص الثاني والثالث منها لتناول نتائج الدراسة النهائية فيما يخص أسباب وتبعات هجرة الكفاءات الموريتانية.

 

  1. الإطار المنهجي للبحث:

 

أولا:مشكلة البحث

تَدخلُ في اهتمام علم الاجتماع كحقل معرفي ذي فروع تخصصية مختلفة،قضايا عديدةٌ،تغطي شتى النواحي المجتمعية،في سياق الدراسة العلمية للمجتمعات،حيث بقدر ما يجمع (الكلُّ المجتمعي)[1]،بوصفه الفكرة المركزية التي ينطلق منها التعامل السوسيولوجي مع الواقع المجتمعي،بقدر ما تجمع هذه الفكرة المركزية،مختلف التوجهات الفرعية،داخل علم الاجتماع،بقدر ما تؤدي دورَها التفصيلاتُ،و المجالات المتعددة،ذاتُ الحضور كموضوعات جزئية في علم الاجتماع،في توزّع هذا الحقل المعرفي،على فروع تخصصية متعددة.

ضمن هذا التوجه،فإن الظواهر السكانية،تمثل مجال فرع واسع و محوري،من فروع علم الاجتماع العام،هو علم اجتماع السكان،و محورية هذا الفرع التخصصي،تتضح بشكل خاص،عبر الرجوع إلى فكرة (الكل المجتمعي)،حيث أن البُعد السكاني يأخذ دورا هو أوّلٌ،في التحديد،بالنظر إلى بنية هذا الكل،بمعنى أن (حجم المجتمع) مثّل دائما نقطة انطلاق في تأطير التوجهات النظرية في دراسة المجتمعات،دراسة علمية،سيما بالعودة إلى مقولة (اجتماع البشر)،التي تعتبر من بين المقولات التي تأسس عليها علم الاجتماع،فحجم المجتمع يمثل شرطا من شروط تحققّ المجتمع،بالمعنى العلمي السوسيولوجي،و تاليًا “تختلف الأنساق الاجتماعية،و تتعدد باختلاف المجتمعات و تعدّدها في الزمان و المكان و الأهداف”.[2]

و في نفس السياق،تقع ظاهرة الهجرة كظاهرة سوسيوـ سكانية ضمن أهم الظواهر السكانية داخل المجتمعات،باعتبارها تؤدي دورا بارزا في تغيّر هذه المجتمعات،إنْ على مستوى الحجم،أو على مستوى الخصائص،حيث تمثل الهجرة عاملا من عوامل التغيّر المجتمعي،في ما يخص بُعدها الجماعي ـ وهو الذي يجعلها مجتمعية لا فردية ـ وتعني الهجرة في تعريفها السوسيولوجي البسيط:انتقال مجموعة أفراد من مكان إلى مكان آخر؛و الاختلافُ في محددات و خصائص و اتجاهات هذا الانتقال،هو العامل في تصنيف الهجرة إلى أنواع مختلفة:(هجرة نازحة،هجرة وافدة،هجرة داخلية،هجرة خارجية،هجرة كفاءات….)،هذا العمق و التعدد في المستويات،داخل ظاهرة الهجرة،أدّى إلى تبلور الاهتمام السوسيولوجي بها،في شكل فرع تخصصي مستقل،يُعرف ب:(سوسيولوجيا الهجرات)،أو (علم اجتماع الهجرات)،و هو من الفروع الحديثة في علم الاجتماع،إذ هو في طور التشكل و التراكم،كتراث سوسيولوجي مستقل في حيّز اهتماماته العلمية،و يسعى إلى تغطية كافة الجوانب المرتبطة،بظاهرة الهجرة،و الإحاطة بشتى أشكال الهجرة،و عواملها،و نتائجها،قصدَ التأسيس لأطر نظرية في تحليل و دراسة و تفسير الهجرة،سوسيولوجياً،و رغم حداثة هذا الفرع كإطار علمي مستقل،فقد عرف توجهين رئيسيين،و ذلك وفق نموذج ثنائي،لوصف اتجاهات الهجرة كظاهرة عالمية،حيث نجد أن علم اجتماع الهجرة يقارب الظاهرة في بعدين هما:الغياب و الحضور،و تبعا لذلك،يُصَنّف إلى توجهين رئيسيين،هما:

1 ـ سوسيولوجيا الهجرة الوافدة.

2 ـ سوسيولوجيا الهجرة النازحة.[3]

إذ يركز الأول على دراسة ظاهرة الهجرة في سياق ارتباطها بالمجتمع المهاجَر إليه،من حيث العلاقةُ بين المهاجرين الوافدين و المجتمع المضيف،بما تطرحه تلك العلاقة من إشكالات،تخص التأثر و التأثير ما بين الوافدين كطرف،و المجتمع الأصلي كطرف ثانٍ،و انعكاسات حضور المهاجرين عليهم هم أنفسهم،كما على المجتمع المضيف،بِذا فإن توجها خاصا داخل علم اجتماع الهجرات،يهتم بدراسة ظاهرة الهجرة،في سياق (بيئة) معيّنة،هي المجتمع المضيف للمهاجرين،ضمن التركيز على حيّز مكاني معيّن،و يُعرف هذا التوجه باسم (سوسيولوجيا الهجرة الوافدة).

أما التوجه الثاني في علم اجتماع الهجرات،فإنه يُعْنى بدراسة ظاهرة الهجرة،من زاوية ارتباطها بالمجتمع المهاجَر منه،في سياق التركيز على ما تُحدثه الهجرة من تغييرات و تأثيرات،على المجتمع الأصلي، قد تشمل مختلف المستويات،من اجتماعي،وثقافي،واقتصادي،وسكاني،و يسعى هذا التوجه داخل علم اجتماع الهجرات إلى تفسير ظاهرة الهجرة،في علاقتها بالمجتمع المهاجَر منه،كما يسعى إلى رصد أبعاد العلاقة بين المهاجرين،من جهة،و مجتمعاتهم الأصلية من جهة ثانية،و بذا فإن توجها خاصا،في علم اجتماع الهجرات،يركز على ظاهرة الهجرة،من حيث (الغياب)،و يحصر اهتمامه في مستوى دراسة تأثير الهجرة في المجتمعات المهاجَر منها،و يعرف هذا التوجه باسم (سوسيولوجيا الهجرة النازحة).

و ضمن هذا التوجه الأخير،يتنزل موضوع هجرة الكفاءات،من حيث هو موضوع سوسيولوجي،يُؤخذ في الاعتبارات العلمية،كظاهرة مجتمعية تؤدي دورها في التأثير بدرجات أكبر على المجتمعات المهاجَر منها،حيث يمتد هذا التأثير في اتساعه،ليشمل قطاعات عدة،و مستويات متباينة،داخل تلك المجتمعات،و بهذا المعنى فإن ظاهرة هجرة الكفاءات،تأخذ أهميتها الفائقة،لا من حيث كونُها موضوعا سوسيولوجيا في الصميم وحسب،بل كذلك تأخذ هذه الأهميةَ،من حيث كونُها ظاهرة (آنية)و على مستوى عالمي،و هذه (الراهنية) هي ما يتيح للظاهرة الأولويةَ كموضوع من مواضيع البحث العلمي الجاد،داخل الاهتمام السوسيولوجي تحديدا.

ذلك أن التأثير المتصاعد لظاهرة هجرة الكفاءات مجتمعيا، يأخذ صيغتَه الأكثر حضورا و إثارة للبحث العلمي في الظاهرة،ضمن حيّز معين،هو المجتمعات النامية،و في مستوى أكثر تحديدا يأخذ هذا التأثير هذه الصيغةَ في المجتمعات العربية،حيث تفيد التقارير و الأرقام،أن عدد الكفاءات العربية المهاجرة،قد تضاعف خلال العقد (1990 ـ 2000) بالمقارنة مع العقد السابق عليه (1980 ـ 1990) ،كما وصل عدد الكفاءات العربية المولدِ و المقيمة في دول منظمة التعاون الاقتصادي للتنمية (OECD)[4]،أكثر من مليون كفاءة،أي ما يمثل حوالي 10% من مجموع الكفاءات المماثلة في الدول العربية،و ترتفع هذه النسبة،لتبلغ حوالي 20% في ما يخص دول المغرب العربي،كذلك فإن عدد الكفاءات المهاجرة،من البلدان العربية،وصل ما بين 3 إلى 9 أضعاف،خلال العقد (1990 ـ 2000)،بالنسبة إلى بلدان كاليمن و جيبوتي و السودان،و بشكل أخص بالنسبة إلى موريتانيا [5].

و يفيد هذا بأن هجرة الكفاءات تمثل ظاهرة (آنية)،و موضوعا بحثيا،يفرض نفسه،بالنسبة إلى المجتمع الموريتاني خاصةً،و بالنظر إلى عاملين رئيسيين،أولُهما اتساعُ هذه الظاهرة و تسارعُها في الفترة الأخيرة،وثانيُهما تأثيرُها على المجتمع الموريتاني في نواحٍ عدّة،و مستويات مختلفة،وباعتبار هذين العاملين،تتحددُ ظاهرةُ هجرة الكفاءات،كموضوع ذي أولوية أكيدة،في ما يتعلق بالمجتمع الموريتاني.

و ضمن هذا السياق بالتحديد، يتعيّنُ موضوعُ هذا البحث و هو:هجرة الكفاءات الموريتانية..العوامل و النتائج،مثلما يتعيّنُ مستوى التناول في هذا البحث لهذه الظاهرة،حيث يُعْنى التناول البحثي هنا بهجرة الكفاءات الموريتانية،في بعدين هما: الأسباب و النتائج،و ذلك ـ بداهةً ـ في سياق الحصر التعريفي لهذه الظاهرة في حضورها المجتمعي.

وتقع الإشكالية في صميم المنهج السوسيولوجي البحثي،من حيثُ أن تحديدها هو خطوة أساسية تأخذ صيغة الشرط المنهجي،عند الشروع في البحث و الدراسة،إذ عليها يقوم هيكل البحث كليةً،بمستوييه النظري و الإجرائي.

مثلما أنها تقوم مقام نقطة المركز،في أيّ بحث سوسيولوجي،حيث تحضر في جميع أجزاء البحث،و تحكُم مساره،من حيثُ التحليل،و النقاش،و الاستنتاج.

و إذْ ذاك تُمكن صياغة إشكالية هذا البحث على نحو ما يلي:

ـ ما هي العوامل خلف هجرة الكفاءات الموريتانية،و ما هي التبعات الناتجة عن هذه الظاهرة؟

و تتجزّأ عن هذه الإشكالية،تساؤلات فرعية أخرى:

ـ ما نوع العوامل الرئيسية المسؤولة عن ظاهرة هجرة الكفاءات الموريتانية؟

ـ ما نوع النتائج الرئيسية التي تصدر عن هذه الظاهرة؟

و هذا ما يُوصلنا إلى الفرضيات التي تنتهجها هذه الدراسة،و هي كالذي يلي:

ـ تقف وراء هجرة الكفاءات الموريتانية عوامل مزدوجة،تشمل ما هو ذاتي يخص الفرد،و تتضمن ما هو موضوعي يشمل الجماعة.

ـ تتمثل الأسباب الرئيسية لهجرة الكفاءات الموريتانية،في العوامل الاقتصادية بالدرجة الأولى.

ـ تحفّزُ هجرةَ الكفاءات الموريتانية،عوامل مزدوجة،من ضمنها عوامل الجذب في البلدان المهاجَر إليها،و عوامل الطرد في البلد الأصل.

ـ تتنوع نتائج هجرة الكفاءات على المجتمع الموريتاني،فهي سلبية في بعضها،و إيجابية في بعضها الآخر.

ـ من أكثر المستويات في المجتمع الموريتاني تأثرا بظاهرة هجرة الكفاءات الموريتانية،المجالات الإقتصادية.

و طبقَ هذه الفرضيات،تمّت صياغة استمارة الاستبيان التي تضمنتها الدراسة الميدانية في هذا البحث،و احتوت أسئلة لقياس مدى صحّة هذه الفرضيات.

ثانيا: المنهج:

ضرورةُ المنهج كخطوة إجرائية في البحث السوسيولوجي،تأخذ دعامتها الأساسية من كون البحث الاجتماعي،بحثا علميا،تحكمه ضوابط (العلمية) من حيث الوضوحُ،و(المعقولية)،و الدقّة في التناول،فتَمثُّلُ علم الاجتماع كجهد معرفي لهذه الضوابط،هو ما يؤسِّسُ تلك الضرورة في تحديد المنهج،و هو ما يُوصِل إلى استحضار هذه الخطوة الإجرائية في هذا البحث،إذْ يتضمن هذا البحث إطارين  ضمن توجه تكاملي،هما الإطار النظري،و الإطار الميداني.

ففي الأول تُحضُرُ المفاهيم كأدوات تحليلية،قصدَ الإحاطة بكامل أبعاد الموضوع،كما و تَحضُرُ العلاقة بين هذه المفاهيم كاستنطاق تحليلي للظاهرة ضمن محدِّدَيْ التناول للظاهرة،و في ذات الإطار كذا يقصِدُ البحث إلى حصر هجرة الكفاءات،في الأول بما هي ظاهرة بالمعنى السوسيولوجي،و بما هي حاضرةٌ على عدّة مستويات،منها ما هو اقتصادي،و ما هو اجتماعي،و ما هو سكاني،ثم يقصِد إلى حصر العلاقة المباشرة بين هجرة الكفاءات و عملية التنمية داخل المجتمع.

أما الإطارُ الثاني،فيشمل التتبّعَ الميداني للظاهرة، وذلك وِفقَ اعتماد تقنية في البحث الميداني السوسيولوجي،تُصنّفُ في المنهج البحثي الكمّي،هي تقنية الإستبيان المغلق،الموجه نحو عيّنة خاصة،قصد قياس مدى صحّة الفرضيات التي يتبنّاها هذا البحث.

و إذا كان الإطار الأول يظهر أساسا في الفصل الثاني من هذا البحث،فإن الإطار الثاني يظهر في الفصل الثالث، في حين أن التوجه التكاملي ما بينهما يتجلى من خلال الربط ما بين مستويات الوصف و التحليل و التفسير،و الربط بين البيانات الميدانية،و النماذج التفسيرية النظرية،بتوظيف العلاقة بين الإثنين في استخلاص النتائج النهائية  لهذا البحث.

و بذا يتجلى أن هذا البحث يعتمد الصيغة المتبنّاة في البحث الاجتماعي،و التي تجمع بين الناحيتين،النظرية و الميدانية،حيث يعتمد هذا  البحث كلا من الوصف و التحليل و التفسير،وفق الإستقصاء الميداني،و ذلك بوضع المعطيات ضمن سياقها داخل البحث،و تفسيرها بالنظر إلى الفرضيات التي يقوم عليها هذا البحث،و هو ما يضمن الإلتزام بالتوجه التكاملي الذي تقوم عليه البحوث الاجتماعية،ذات الضبطية العلمية المطلوبة.

و في نفس السياق،سياقِ القول في المنهج،تجدر الإشارة إلى الجزء الآخر من البحث،و الذي يتمثل في هذا الفصل منه،و هو الجزء المصُنّف طبقَ التوجه السائد،كمرحلة ضرورية في البحث السوسيولوجي،أيِّ بحث سوسيولوجي،و تنعكس هذه الرؤية متكاملةَ،في اعتبار “أن البحث العلمي يتألف من أربع وحدات أساسية تعطي مجتمعة حقلا من التفسير و الفهم لواقع الظاهرة تحت البحث،و الوحدات الأربع هي: المقدمة النظرية،المنهج،المعلومات،التحليل و النقاش”.[6]

وقد اعتمدنا في هذه الدراسة المنهج الوصفي في السوسيولوجيا، وهو منهج “من أكثر مناهج البحث الاجتماعي ملاءمة للواقع الاجتماعي وخصائصه، وهو الخطوة الأولى نحو الفهم الصحيح لهذا الواقع، إذ من خلاله نتمكن من الإحاطة بكل أبعاد هذا الواقع محددة على خريطة تصف وتصور بكل دقة ظواهره وسماته.

ولذلك فإن المنهج الوصفي يعتمد على خطوات هي:

1ـ اختيار الوحدة الاجتماعية الأولية والأساس في الموضوع المدروس

2ـ اكتشاف الطريقة الملائمة للقياس الكمي لمختلف عناصر مكونات وحدة الدراسة

3ـ فحص العوامل المختلفة المؤثرة في تنظيم الظاهرة المدروسة في وظائفها، وعلى هذا فإن البحوث الوصفية تتم على مرحلتين، مرحلة الاستكشاف والصياغة، ومرحلة التشخيص والوصف المتعمق، وهما مرحلتان مرتبطتان ببعضهما”.*

 

ثالثا: تحديد المفاهيم 

1ـ الهجرة: يُحيل مفهوم الهجرة،بشكل عام،إلى حركة انتقال فرد أو مجموعة أفراد،من مكان إلى مكان آخر،بغرض الإقامة الدائمة،أو غير الدائمة،بيد أنه من ناحية الاستخدام السوسيولوجي للمصطلح،يمكن القول بأن مصطلح الهجرة،يشير إلى ظاهرة سوسيوـ سكّانية، بالتركيز على الانتقال الجماعي حصرًا،و تتضمّن هذه الظاهرة مستويات متعددّة،وفق المحدّدات الزمنية و المكانية،و وفق اتجاهات و خصائص هذا الإنتقال.

و يميّز بعض الباحثين الاجتماعيين،بين مفهومي: (الهجرة) و هي دخول الناس إلى بلد آخر للإستقرار فيه،و (المهاجرة) و هي عملية انتقال الناس و ارتحالهم من موطنهم للإستقرار في بلد آخر.[7]

2ـ هجرة الكفاءات:  يُقصد بهجرة الكفاءات عملية انتقال أفراد ذوي خبرة في مجال تخصصهم،من بلدهم الأصلي إلى بلد آخر،كما يُحدد البعض مفهوم هجرة الكفاءات بأنه:انتقال الأفراد عاليّي التأهيل (عادة خريجى التعليم العالى وما فوقه) من بلد ما لبلد آخر بغرض العمل والإقامة الدائمة.[8]

و تُعرّف اليونسكو هجرة الكفاءات،بأنها نوع شاذ من أنواع التبادل العلمي بين البلدان،يتسم بالتدفق في اتجاه واحد (الدول المتقدمة)،أي أنه نقل عكسي للمعرفة.و تجدر الملاحظة هنا أن ثمة استخدامات كثيرة لوصف هذه الظاهرة،مثل:(نزيف العقول)،(جلب الأدمغة)،و غيرها،بيد أن المصطلح الأقرب إلى (العلمية)،هو مصطلح (هجرة الكفاءات)،لذلك التزمنا به في هذه الدراسة.

 

رابعا: أسباب اختيار الموضوع

يأتي اختيار موضوع هذا البحث كنتيجة لدوافع موضوعية بالكامل،تتصل بأهمية الظاهرة و راهنيتها اللتين تجعلان منها،موضوعا يفرض نفسه على البحث العلمي السوسيولوجي،ما يعني أن الحافز الموضوعي هو ما يقف وراء اختيار  هذا الموضوع بالتحديد،في هذا البحث،فأهمية الموضوع تظهر من خلال ارتباطه الوثيق بالواقع من حيث التأثير عليه،و التأثر به،كما أن راهنية الموضوع تتضح من خلال حجم الظاهرة الذي يتأكد عن طريق المعطيات و المؤشرات الكمّية،في التقارير و الإحصاءات ذات الصلة بظاهرة هجرة الكفاءات إقليميا.

و من الممكن إيجاز التبرير الموضوعي لاختيار ظاهرة هجرة الكفاءات الموريتانية،موضوعًا لهذا البحث،في النقاط التالية:

1 ـ ضرورةُ التناول البحثي للظاهرة في الواقع المحلي،ضمن التتبّع السوسيولوجي لأسباب و نتائج هذه الظاهرة،سيما بالنظر إلى مساحة الأولوية التي تحظى بها الظاهرةُ نفسُها و على مستوى عالمي،في ما يخص التناول البحثي لها بمستوى علمي،يلتزم تقصّي الواقع و التفسير النظري،كمتلازمين لا بد منهما عند بحث الظاهرة،و بصيغة تناول جدّية،تبتعد عن التناول العام في الإعلام،الذي يقف عند مستوى الوصف للظاهرة،و تقترب من مقتضيات الميدان العلمي الأكاديمي،قصدًا إلى التحليل و التفسير العلمي للظاهرة،ببعديها (العوامل و النتائج)،و يؤكد هذا الاتصالَ الوثيق القائم ما بين موضوع هذه الدراسة و الواقع المجتمعي المحلي.

2 ـ رغم تسارع وتيرة هجرة الكفاءات محليا،و رغم الصفة التصاعدية التي تسم واقعها في موريتانيا،تًندُرُ جدًّا،المحاولات الحقّة تجاه البحث العلمي الأكاديمي في هذه الظاهرة،سيما في ما يخص دوافعها و نتائجها،على المجتمع الموريتاني،و يعني ذلك أن هذه الدراسة تقصدُ إلى اكتساب صفة الأسبقية،في اختيار الموضوع ،كما في تناوله سوسيولوجيا.

3 ـ يُسهم التتبّع البحثي لظاهرة هجرة الكفاءات،ضمن السياق السوسيولوجي في توصيف الواقع،و هو ما يحُثّ نحو نوع من (الفاعلية) تجاه هذا الواقع،إذْ ضمن فهم معيّن،يُعرّف العلم بأنه ذو ثلاثة أهداف (الفهم،التنبؤ،التحكم)،و إذ يدرس هذا البحث ظاهرة هجرة الكفاءات الموريتانية في بُعدين (العوامل و النتائج)،فإنه في مدى معين،يقصِدُ إلى فهم هذه الظاهرة في شكل ثنائية (السبب و النتيجة)،وثُمّ يقصِدُ إلى فرز معطيات تفيد في التحكم بالظاهرة.

و بِذَا تتحدد في التبرير الموضوعي لهذا البحث،أهميةُ الظاهرة التي يَدرسُ،مثلما تتحدد فيه صيغة الأهداف التي يقصدُ إليها.

خامسا: الصعوبات

بالنظر إلى موضوع هذا البحث و طريقة تناوله، فقد وقفت صعوبات عدّة،في سبيله،و مرد هذه الصعوبات في الأساس،هو الأسبقية التي يحقّقها هذا البحث،في ما يخص الموضوع بالتحديد،كما في ما يخص صيغة تناوله،و تتمثل هذه الصعوبات أساسا،في ما يلي:

ـ ندرة البيانات محليا في ما يخص الهجرة،بشكل عام،و في ما يخص هجرة الكفاءات بشكل خاص،و تتمثل تلك الندرة أكثر ما تتمثل في انعدام أية تقارير صادرة محليا،من جهة رسمية أو غير رسمية،حول ظاهرة هجرة الكفاءات،سيما في الفترة الأخيرة،و ذلك رغم التسارع الذي تعرفه منذ سنوات حركة الهجرة من موريتانيا،بشكل عام،و حركة هجرة الكفاءات بشكل خاص،هذه الندرة مثلت صعوبة في الحصول على معلومات إحصائية،كما تتمثل هذه الندرة ثانيا في انعدام الأبحاث السوسيولوجية،حول هذه الظاهرة،محليا،و إذ مثلت هذه الندرة نقصا في الأرقام و البيانات الإحصائية،فقد حاولنا في هذا البحث تعويض ذلك النقص من خلال الدراسة الميدانية التي تضمنها البحث.

ـ يمثل الحدّ الزمني المخصص للدراسة،تحدّيا إضافيا في ما يخص إنجاز هذا البحث،خصوصا بالنظر إلى عدم توافر دراسات سابقة عن نفس الموضوع،و يتمثل التحدّي في الجمع بين الإنجاز في المدى الزمني المحدد للدراسة،و عدم الوقوع في الارتجالية،أو الخروج عن الضوابط العلمية و الأكاديمية المطلوبة،و هو ما حاولنا قدر الممكن تحقيقه في هذا البحث.

ـ على مستوى آخر يبرز تحدٍّ جديد،ذلك أن المرجعية النظرية في الدراسة السوسيولوجية للهجرة دراسةَ مستقلة،في حقل خاص هو علم اجتماع الهجرات،لم تتبلور حتى الآن بشكل متكامل و شامل،ما يعني محدودية حتى الآن في النماذج التفسيرية في السوسيولوجيا،لظاهرة الهجرة بشكل عام،و هجرة الكفاءات بشكل خاص.

إن الصعوبات السابقة،و إذ تأخذ صيغتها كصعوبات،فإنها تأخذ أيضا صيغة التحدّي،و هو ما يتجلى في قصد هذا البحث إلى تعويض بعض النقص في البيانات و الدراسات حول ظاهرة هجرة الكفاءات الموريتانية من حيث العواملُ و النتائج،و قصده إلى أن يكون مرجعا في هذا الميدان البحثي.

و يتبيّن الوعيُ بهذا القصد، في ما يلي من فصول هذا البحث و أجزاءه،سواء ما ارتبط منها بالمستوى النظري،أو ما اتصل منها بالمستوى الإجرائي،أو ما ارتبط بمستوى التكامل بين الإثنين الذي تنحوه الدراسة في ما يخص الوصف و التحليل،و التمثيل الكمّي،و التفسير.

حيث يظهر المستوى الأول في الفصل الثاني الذي يلي من هذا البحث،و يظهر المستوى الثاني في الدراسة الميدانية داخل الفصل الثالث،كما يظهر المستوى الثالث،في نهاية هذه الدراسة،من حيث الجمع بين نتائج الدراسة الميدانية و ما تتضمنه من بيانات كمّية،و التفسير العلمي بالاستناد إلى نموذج نظري معيّن.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني: ملامح هجرة الكفاءات

 

أولا: هجرة الكفاءات كظاهرة اجتماعية

إن المعنى الذي يحيل إليه مفهوم (ظاهرة) سوسيولوجيًا،و على الرغم من الاختلاف الظاهر في تناوله بين علماء الاجتماع،يتأكد أكثر ما يتأكد من خلال عنصرين ينبغي توافرهما في أية ظاهرة مجتمعية،هما عنصر الإنتشار و عنصر التكرار،و ينطبق المفهوم بهذا المعنى على هجرة الكفاءات،و على مستوى عالمي،إذ من الملاحظ منذ عقود أن هجرة كفاءات البلدان النامية،أي دول الجنوب،تتزايد بوتيرة سريعة،تجاه البلدان المتقدمة،أي دول الشمال،و أن حجم هذه الظاهرة يشهد تزايدا في الكمّ و النوع.،                                                                            و تشير الأبحاث و التقارير،إلى أن هجرة الكفاءات كنوع من أنواع الهجرة بشكل عام هي ظاهرة عالمية،من بين أبرز محفزاتها،تأثير العولمة،سيما في جانبيه الإقتصادي،و الإجتماعي، كما يرى البعض أن حركة الكفاءات المهاجرة من بلدان الجنوب باتجاه بلدان الشمال،تتداخل في الدفع بها عوامل داخلية،و خارجية،فلا يقف التأثير عند الوضع الاقتصادي و التعليمي المتردي،في البلدان المهاجَر منها،بل يشمل عملية التحفيز التي تَنْشَطُ فيها المؤسسات الأكاديمية في دول الشمال،لدفع الكفاءات إلى الهجرة،و يردّ الباحثون عملية التحفيز هذه،إلى عاملين رئيسيين،و يتمثل الأول في انخفاض نسب الولادة و بالتالي انخفاض نسبة الشباب في دول الغرب التي تُعرف بأنها تعاني في مجتمعاتها من (شيخوخة سكّانية)،و حيث أن الشباب يمثلون النسبة الأكبر من أي قوة ناشطة،فقد عملت دول الغرب على استجلابهم إليها،لسد النقص في القوة الناشطة هناك،كما يتمثل العامل الثاني،في تقلص عدد المتخصصين في الفروع العلمية و التقنية،في البلدان المصَنِّعة،و هذا ما دفع ببلدان الشمال،إلى تعديل قوانين الهجرة،للسماح بدخول أكبر عدد من الكفاءات العلمية،القادمة من بلدان الجنوب،و من أمثلة ذلك ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية عام 2008،من تطوير لقانون الهجرة،من أجل السماح لأعداد أكبر من غير الأمريكيين،و المتخصصين في العلوم و الهندسة،بالعيش و العمل هناك.  [9]

إنّ الوعي بكون هجرة الكفاءات أصبحت ظاهرة مجتمعية بالمعنى السوسيولوجي،يُوجِب الوعي،كذا بأن حضورها و تأثيرها،يأخذان صيغتيهما الأبرز،في ما يخص دول الجنوب،أي الدول النامية،و ترتبط هذه الخصوصية أوثق ارتباط بكون مجتمعات هذه الدول،هي في الغالب المجتمعاتُ المُهَاجَر منها،بمعنى أنّها المجتمعات التي تتولّى تنشئة هذه الكفاءات في الغالب،لتخسرها عند مرحلة معيّنة،و بروزُ هجرة الكفاءات كظاهرة مجتمعية في ما يخص بلدان الجنوب،يحضُر على مستوى آخر،في ما يخص بدان العالم العربي،فقد “إرتفعت نسبة المهاجرين من أصحاب التعليم العالي من مجموع المهاجرين في العالم،بما يزيد عن 50% فقط خلال الخمس سنوات الفاصلة بين 1995 ـ 2000،و ارتفع عددهم بذلك من 9,4 مليون إلى 19,7 مليون خلال نفس الفترة،هذا في حين ارتفعت أعدادهم إلى الضعف بالنسبة للمقيمين بدول أوربا(التي تستقبل القسم الأوفر من الهجرة العربية).و انتقل عددهم من 2,5 مليون إلى 4,9 مليون،خلال عشرية التسعينات”.[10]،كما يلاحظ “أن أعداد الكفاءات العربية في المهجر تفوق مثيلتها من الكفاءات الصينية أو الهندية،رغم أن سكان هذين البلدين يمثلون أضعاف سكان المنطقة العربية،و هو ما يؤشر على أهمية جاليات الكفاءات العربية في المهجر،و تبرز بلدان المغرب العربي،باعتبارها البلدان الأكثر إرسالا لهذه النوعية من العمالة إلى الدول الغربية،حيث بلغت الكفاءات المهاجرة من هذه البلدان حوالي نصف الكفاءات المولودة في البلدان العربية و المقيمة بدول منظمة التعاون الاقتصادي و التنمية.”[11]

 

و يعني هذا أن ظاهرة هجرة الكفاءات،هي ظاهرة تعني الدول العربية أكثر من غيرها،و ضمن هذه الدول تخص الظاهرة بشكل أعمق دولَ المغرب العربي،و داخل المحيط المغاربي و بالنظر إلى اعتبار الحجم الديمغرافي لموريتانيا،يصدق القول أن هجرة الكفاءات تأخذ بالفعل شكل الظاهرة في موريتانيا،سيما مع تزايدها في العقود الأخيرة،و تسارع وتيرتها،و تقع هذه الظاهرة ضمن ظاهرة الهجرة بشكل عام من موريتانيا،و على الرغم من نُدرة مصادر إحصائية دقيقة لتشخيص ظاهرة الهجرة من موريتانيا،إلا أننا نجد معلومات بحثية،تسعى إلى مقاربة الظاهرة،في حجمها السكّاني،و توزيعها،و تأثيرها،و تفيد بعض الأبحاث في هذا الصدد أن الهجرة الموريتانية،عرفت أنماطا متعددة،شملت:

 

1ـ الهجرة إلى دول غرب و وسط إفريقيا:

و يَحكُمُ هذا النمط من الهجرة،عاملُ التجارة،إذ أن أغلب المهاجرين من الموريتانيين إلى هذه الدول،هم تجّار و أصحاب مشاريع عمل اقتصادية،و يُعتبَرُ أن هذه الفئة من المهاجرين الموريتانيين،هي الأكبر من حيثُ الحجمُ الديمغرافي،حيث يُقدّر عددهم بمئات الآلاف.

ـ الهجرة إلى أوربا (فرنسا بشكل رئيسي):

 

عَرفت موريتانيا أكبر موجة هجرة إلى فرنسا،منذ بدايات الستينات إلى وسط الثمانينات،و قد كان من أبرز العوامل في موجة الهجرة هذه،كونُ الطلاب الموريتانيين الأُول أكملوا تعليمهم في فرنسا،و بعضهم بقي فيها،و كانت فرنسا في فترة الهجرة هذه تدعمُ هجرة العمال الأقل مهارة لأجل تعزيز نموّها الاقتصادي،و إعادة إعمارها،و أرسل هؤلاء المهاجرون من موريتانيا إلى فرنسا،و يُقَدّرُ عددهم بالآلاف ،تحويلات مالية،أسهمت في تمويل مدارس و برامج أهلية،و في مرحلة معينة شكلت هذه الفئة من المهاجرين المساهمَ الأول في التحويلات المالية،لكن مع تشديد إجراءات الهجرة إلى فرنسا في أواسط الثمانينات،تقلّص عدد هذه الفئة من المهاجرين الموريتانيين.

 

2ـ الهجرة نحو الشرق الأوسط:

نتيجة عوامل اقتصادية بالدرجة الأولى،فقد هاجر الكثير من الموريتانيين منذ أواخر الثمانينات،إلى منطقة الشرق الأوسط،و بشكل خاص إلى الخليج،و بشكل أخص إلى دولتي:السعودية،و الإمارات،و في ما يخص الإمارات فقد اعتمدت سياسة لسدّ النقص في اليد العاملة هناك،فتم اكتتاب العديد من الموريتانيين،لشغر وظائف في قطاعات مختلفة:كالبناء،والأمن،و النقل،و الزراعة،و الرعي،و غيرها،و يُلحظ أن نسبة كبيرة من المهاجرين الموريتانيين،إلى هناك لا زالوا يقيمون،و يسهمون عبر التحويلات المالية،في تدشين مشاريع اقتصادية صغيرة.

3ـ الهجرة القسرية (اللاجئون و المُرَحّلون):

حدثت موجة الهجرة هذه إبّان أحداث 1989 العرقية بين موريتانيا و السنغال،حيث تم ترحيل الآلاف في الاتجاهين:من موريتانيا إلى السنغال،و من السنغال إلى موريتانيا.

4ـ الهجرة السياسية و الاقتصادية إلى أوربا و أمريكا الشمالية:

بدأ ت موجة الهجرة هذه في أوائل و أواسط التسعينات،و كان الدافعَ الأول إليها تدهورُ الظروف السياسية و الاقتصادية في موريتانيا،و تُقدَّر هذه الشريحة من المهاجرين،بعشرات الآلاف على الأقل،حيث أنه في الولايا ت المتحدة وحدها،قام مكتب الإحصاء سنة 2000،بتحديد 2225 مولودًا موريتانيًا.

 

5ـ هجرة النخبة (هجرة الكفاءات):

و هي مجموعة من المهاجرين الموريتانيين،من المهندسين و العلميين و الأكاديميين و الدكاترة،و الماليين الاقتصاديين المهنيين،تتميز بصغر الحجم السكاني،بالمقارنة مع المجموعات الأخرى،لكنّها تُعتبر الأهم،بالنظر إلى تأثيرها على موريتانيا،و ذلك لاعتبارين،يتمثل الأول منهما في كون هؤلاء المهاجرين،يمثلون خبرات هائلة،و كفاءات عالية،وُظفت خارج بلدها الأصلي،و يتجسد الاعتبار الثاني في كون هذه المجموعة من المهاجرين تُمثل إمكانا تنمويا،أكثر من غيرها،و ذلك لقدرتها على الدفع بالتنمية في حالة عودتها إلى البلد الأصل (موريتانيا).[12]

 

و بِذا يتأكد أن هجرة الكفاءات الموريتانية باتت تمثل ظاهرة اجتماعية،و تأخذ مساحة كبيرة في ما يخص الهجرة من موريتانيا بشكل عام،لا من حيث كونُها الأوسع ديموغرافيًا،بل من حيثُ كونُها الأوسع في التأثير على التنمية في موريتانيا،و التأثير على المجتمع على مختلف المستويات،من اقتصادي،و اجتماعي،و أكاديمي،و غيرها.

ثانيا: أبعاد ظاهرة هجرة الكفاءات

يترتّب على القول أن هجرة الكفاءات، ظاهرة اجتماعية، القولُ أنّها ذاتُ تأثير على المجتمع،و يمتدّ هذا التأثير ليشمل مستويات متعددة،من أبرزها و أكثرها تأثرا بالظاهرة،الأبعاد الثلاثة:السكّاني،و الاقتصادي،و الاجتماعي.

ففي ما يخص البعد السكّاني،تمثل الهجرة بشكل عام،أحد المتغيرات الثلاث المسؤولة عن تركيب وحجم المجتمع (الولادات،الوفيات،الهجرة)،و هي أحيانا تأخذ شكل المتغيّر الأكثر تأثيرا على هذا التركيب و الحجم،سيما بالنظر إلى موجات الحركة السكّانية الكثيفة التي يشهدها العالم في العقود الأخيرة،كمظهر من مظاهر العولمة،إذ يقف وراء تسارع هذه الموجات،و كثافتها،و تنوّعها،العاملان التكنولوجي و الاقتصادي،بالدرجة الأولى،من حيث توسّع الأسواق العالمية،كما من حيث انتشار وسائل المواصلات الحديثة التي تربط بين مختلف مناطق العالم.

و تعمل الهجرة كظاهرة اجتماعية،على إحداث أكبر الأثر في ما يخص البنية السكّانية للمجتمعات،من حيث تركيبة و توزيع و خصائص السكان،بيد أن هذا البعد يتصل اتصالا وثيقا بغيره من الأبعاد،إذ أن التغير في التركيبة السكانية،ينتج عنه تغير على مستوى التركيبة المجتمعية في المدى البعيد،و تغير كذلك في الناحيتين الاقتصادية و الثقافية.

و داخل ظاهرة الهجرة بشكل عام،تقع ظاهرة هجرة الكفاءات،و هي تأخذ جانبا كبيرا من التأثير في ما يخص البعد السكّاني،و ذلك على المستوى العالمي،من حيث الحركة الكثيفة لكفاءات دول الجنوب باتجاه دول الشمال،و يتعمّق هذا البعد بالنسبة إلى هذه الظاهرة ظاهرةِ هجرة الكفاءات،في ما يتعلق بدول العالم العربي،و دول المغرب العربي بشكل خاص،و لئن كان الأمر يختلف قليلا بالنسبة إلى موريتانيا،إذ أن الكفاءات المهاجرة تمثل على الأغلب النسبة الأقل بين مجموع المهاجرين،إلا أن تأثيرها كمكوّن داخل الظاهرة الكلية (الهجرة بشكل عام)،يتزايد و يتسع بفعل عوامل مرتبطة بعملية التنمية،التي تلعب فيها الكفاءات الدورّ الأبرز،كما من ناحية ثانية يؤخذ في الاعتبار عند النظر إلى تأثير ظاهرة هجرة الكفاءات الموريتانية في البعد السكاني،عاملُ صغر الحجم الديمغرافي الكلّي للمجتمع الموريتاني،الذي يقل عن الأربعة ملايين.

أما في ما يخص تأثير الهجرة في البعد الاقتصادي على المجتمعات المهاجَر منها،فلا شك أنه يبرز كأكثر أبعاد تأثير هذه الظاهرة حضورا،و تلعب التحويلات المالية التي يقوم بها المهاجرون إلى بلدانهم الأصلية،الدورَ الأكبر في ذلك،حيث تسهم هذه التحويلات في تمويل المشاريع الصغرى،و البرامج التنموية،داخل البلدان الأصلية للمهاجرين،و في هذا الصدد أشارت بعض الدراسات الاقتصادية الدولية إلى أن تحويلات المهاجرين باتت تشكّل ثالثَ أكبر دخل عالمي،و أن حجم هذه التحويلات بلغ عام 2006،قرابة 276 مليار دولار،حيث فاقت مساهمتها في اقتصادات بعض الدول النامية،كافة القطاعات الاقتصادية الأخرى.

و إذا كان تأثير الهجرة اقتصاديا،يظهر في شكل تأثير إيجابي على بلدان الأصل،فإنه من جهة ثانية يرى البعض أن تأثير الهجرة اقتصاديا،و هجرة الكفاءات بشكل أخص،يؤدي أحيانا دورا سلبيا،من حيثُ أنها تؤدي إلى نقص في اليد العاملة في دول الأصل،و بالتالي تؤدي إلى تدهور اقتصادات دول المهاجرين الأصلية،و بالمقابل تعمل على تنمية اقتصادات الدول المضيفة. و يشمل التأثير الاقتصادي بجانبيه الايجابي و السلبي،قطاعات مختلفة،إذ أن الكفاءات المهاجرة،تتضمن متخصصين من مختلف الفروع العلمية،من أطباء و مهندسين،و فنّيين،و علماء اجتماع و نفس،و غيرهم.

و خلاصة القول أن التأثير الاقتصادي لظاهرة الهجرة بشكل عام،و ظاهرة هجرة الكفاءات بشكل خاص يشمل كلا من الدول الأصلية للمهاجرين،و الدول المضيفة،كما أن له جانبين جانب سلبي و آخر إيجابي،و إذا كان الجانب السلبي يتمثل في أن هؤلاء المهاجرين يعملون و ينتجون،و يوظفون كفاءاتهم في دول غيرِ دولهم الأصلية،فإن الجانب الإيجابي يتأكد من خلال التحويلات النقدية التي يرسلها هؤلاء المهاجرون إلى بلدانهم الأصلية،لكن تجدر الإشارة إلى أن التأثير الاقتصادي لهجرة الكفاءات ذو صلة وثيقة بمجالات التأثير الأخرى،و بعملية التنمية بشكل عام.

و في ما يخص تأثير الهجرة،و هجرة الكفاءات بشكل خاص،في بعده الاجتماعي،فيجدر القول أن هذا البعد بالذات تتداخل فيه مختلف الأبعاد الأخرى،و يشملها بصيغة أو بأخرى،و قد أدت الهجرة منذ القديم و تؤدي في العصر الحالي،تأثيرا كبيرا على البنية المجتمعية و تركيبة المجتمعات،غير أن تأثير هجرة الكفاءات مجتمعيا،بوصفها ظاهرة مجتمعية،يأخذ منحى خاصا،إذ أن كفاءات أي بلد تمثل فيه النخبةَ التي تقع عليها مسؤولية مزدوجة،تجمع بين تأدية أدوارها المطلوبة داخل مجتمعاتها،و بين تنشئة الأجيال القادمة لأخذ زمام المسؤولية و المبادرة. و هجرة هذه النخبة تؤدي دورا عكسيا للدور المطلوب،مما يعني أن التأثير السلبي لهجرة الكفاءات مجتمعيا،يغلب على تأثيرها الإيجابي،و يعني هذا الأخير،أساسا،حالات مساهمة الكفاءات المهاجرة في خدمة مجتمعاتها الأصلية،سواء كان ذلك بالعودة إلى هذه البلدان و الاندماج من جديد في المجتمع للمساهمة في التنمية،أو عن طريق المساهمة عن بعد في التنمية داخل المجتمعات الأصلية،و يتجلى المظهر الأخير  أساسا،في ما يعرف بشبكات المعرفة،و التي دعّمت حضورَها و نشاطَها،شبكة الاتصالات و الانترنت،حيث يسعى بعض المهاجرين إلى المساهمة من البلد المهاجَر إليه و المُقَامِ فيه في الربط مع المؤسسات داخل المجتمع الأصلي،بقصد التدريس أو تقديم الخبرة أو إنشاء المشاريع المختلفة التي تدخل في مجال التنمية.

و يعني هذا أن هجرة الكفاءات من حيث تأثيرها مجتمعيا،تعمل على هذا التأثير إيجابا أو سلبا،من خلال علاقة المهاجرين بمجتمعاتهم الأصلية،إذ أن نوع هذه العلاقة هو الذي يحدد مدى إسهامهم مجتمعيا في هذه المجتمعات،و الدفع بها نحو التنمية الشاملة.

إن البعد المجتمعي لتأثير ظاهرة هجرة الكفاءات،يتأكد من خلال النظر إلى الكفاءات المهاجرة،بوصفها من أبرز الفاعلين المجتمعيين،داخل أي مجتمع،إذ هي نخبته التي تقع عليها قبل أي شريحة أخرى مجتمعية،مسؤوليةُ النهوض بالمجتمع،كما يؤخذ في الاعتبار عند النظر نظرة علمية إلى هذا البعد في التأثير،كونُ الكفاءات تجسد (رأس المال البشري).

ثالثا: علاقة هجرة الكفاءات بالتنمية:

يُقصد بالتنمية تلك العملية الشاملة التي تدخل فيها الجوانب الثقافية و الاجتماعية و الاقتصادية،و تهدف إلى تلبية كافة حاجات جميع أفراد المجتمع،من خلال استغلال أمثل للموارد و الإمكانات التنموية داخل المجتمع،و في معناها الأكثر حداثة ترتبط التنمية ارتباطا ضروريا بالعنصر البشري كفاعل تنموي،حيث يُستبدل في التقارير الدولية مفهوم التنمية في عموميته،بمفهوم التنمية البشرية في تأكيده على أولوية العامل البشري في العملية،كاعتبار أول.

و ضمن هذا الفهم لعملية التنمية،فإن هجرة الكفاءات ذاتُ ارتباط أكيد بها،و في السابق كانت العلاقة بين هجرة الكفاءات و عملية التنمية،تُحصر في الجانب الاقتصادي أساسا،بيد أن الوعي تزايد في الفترة الأخيرة بضرورة الأخذ في الاعتبار لكافة أبعاد عملية التنمية في ما يخص علاقتها بظاهرة هجرة الكفاءات،و من ذلك أن منظمة الصحة العالمية،أثارت المخاطر المترتبة على هجرة الكفاءات الطبّية من الدول النامية إلى الدول الصناعية،حيث قدّرت النقص في عدد العاملين في المجال الطبي،على المستوى العالمي،عام 2006 ب 4,3 مليون شخص.[13]

و تشير التقارير و الإحصاءات،إلى أن الوطن العربي يُسهم بنسبة 7% من مجموع الكفاءات المهاجرة إلى الغرب،في حين أن العرب لا يشكلون إلا نسبة 4% من سكان العالم،و يشير الرقم الذي أوردته هيئات الرصد و الإحصاء في العالم العربي،إلى أن العرب خسروا ما يعادل 10,6 مليار دولار،نتيجة هجرة الكفاءات العربية إلى أوربا و أمريكا الشمالية،و التي تقدر بحوالي 24000 طبيب،17000 مهندس،7500 فيزيائي،18200 من الأيدي العاملة الخبيرة و الفنّيين.[14]

و هو ما يعني أن هجرة الكفاءات العربية،تؤثر أكبر التأثير في عملية التنمية،و يشمل هذا التأثير مختلف المجالات التي تعمل فيها الكفاءات المهاجرة، كالطبّ و الهندسة و التقنيات وغيرها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث: الدراسة الميدانية

 

أولا: الإجراءات المنهجية للدراسة الميدانية

اعتمد هذا البحث في جانبه الإجرائي الميداني،على تقنية من تقنيات البحث الكمّي،و المتمثلة في استخدام استمارة استبيان مغلق،و نظرا لأن هذه الدراسة تقع في تصنيف الدراسة الوصفية،وتتناول موضوعا نخبويا، فقد تم اختيار عيّنة قصدية،شملت مجموعة من ذوي التعليم العالي أغلبهم أساتذة جامعيون،و ذلك قصدَ تطبيق استمارة الاستبيان عليهم،لقياس مدى صحة الفرضيات التي يناقشها هذا البحث.

و ضمن هذا الفصل،سوف نقصد إلى عرض بيانات هذه الدراسة الميدانية،و التعليق عليها في ضوء فرضيات البحث،بهدف الوصول إلى النتائج النهائية لهذا البحث،و الجدير بالذكر أن نتائج البحث السوسيولوجي،لا تأخذ صفة (اليقينية) و(الحسم)،بقدر ما تحمل نوعا من (الإضافة المعرفية)،حول موضوع معيّن،و ينطبق ذلك بالخصوص على هذه الدراسة باعتبارها دراسة وصفية.

و قد تضمنت عيّنة هذه الدراسة الميدانية،عشرين شخصا،كان من بينهم 18 ذكور،و 2 إناث،و يُرجع الانخفاض الكبير لنسبة الإناث في العيّنة،إلى عامل صار يمثل ظاهرة،و هي ندرة العنصر النسائي،في المؤسسات التعليمية العالية،كأساتذة،و ذلك ما يمثل التبرير لانخفاض نسبة تمثيل هذا العنصر في هذه العيّنة.

و قد تضمنت استمارة الاستبيان المطبّقة في هذه الدراسة الميدانية،ثمانَ أسئلة،شملت بالترتيب ما يلي:

ـ النوع

ـ بلد الإقامة

ـ حالة العمل

ـ نوع العوامل المسؤولة عن هجرة الكفاءات الموريتانية.

ـ نوع الأسباب الرئيسية لهجرة الكفاءات الموريتانية.

ـ نوع العوامل المحفّزة لهذه الظاهرة.

ـ نوع النتائج المترتبة عليها.

ـ مجالات التأثّر داخل المجتمع الموريتاني بهذه الظاهرة.

و تجدر الإشارة إلى أن السؤال الخاص ببلد الإقامة،لم تُعط بياناته ما يمكن اعتبار متغيّرا حقيقيا،حيث كانت إجابة 19 فردا من العيّنة ب (موريتانيا)،بينما أجاب فرد واحد ب (دولة خارجية)،و مردّ ذلك هو ضيق الوقت المخصص للدراسة،عن تطبيق الاستبيان بشكل إلكتروني،بما يسمح بالحصول على بيانات مهاجرين موريتانيين.

ثانيا: معطيات الدراسة الميدانية

و سوف نعرض نتائجَ الدراسة الميدانية في الجداول التالية:

 

1ـ توزّع العيّنة حسب حالة العمل:

      أعمل    لا أعمل
11 شخص (9 ذكور و 2 إناث) 9 أشخاص

( 10 ذكور)

 

 

 

2 ـ توزّع العيّنة حسب  إجابة العوامل الرئيسية المسؤولة عن هجرة الكفاءات:

 إنــــــــــــاث      ذكـــــــــــــــــور
  لا تعمل     تعمل لا يعمل يعمل
ذاتية 1 ـموضوعية ـ مزدوجة 1 ذاتية ـ موضوعية ـ مزدوجة 9 ـ ذاتية 2 ـ موضوعية 3 ـ مزدوجة 4

 

و يتضح من الجدول السابق،أن مجموع البيانات المتحصل عليها في ما يخص نوع الأسباب الرئيسية التي تقف وراء ظاهرة هجرة الكفاءات الموريتانية،هي كالتالي:

ـ ذاتية :3

ـ موضوعية: 3

ـ مزدوجة: 14

و هو ما يعني صحّة الفرضية التي تبنّاها هذا البحث،من حيث أن العوامل المسؤولة عن ظاهرة هجرة الكفاءات الموريتانية،هي عوامل مزدوجة تشمل ما هو فردي،و ما هو موضوعي. حيث أن نسبة 70 % من أفراد العيّنة سجّلوا إجابة (العوامل المزدوجة)،و يمكن القول بأن المتغير الذي أثّر على هذه الإجابة،هو متغيّر حالة العمل،حيث أن نسبة 64 % من الذين سجّلوا إجابة (العوامل المزدوجة)،هم من العاطلين عن العمل.

 

3 ـ توزّع العينة حسب إجابة الأسباب الرئيسية وراء هجرة الكفاءات الموريتانية:

ذكــــــــــــــــــــور إنـــــــــــــــــــــاث
  يعمل لا يعمل لا تعمــــــــــــــــل
ـ سياسية 1

ـ اقتصادية 6 اكاديمية 1ـ اجتماعية 1

ـ سياسية1 ـ اقتصادية 6 ـ أكاديمية 1 ـ اجتماعية 1  اقتصادية 2

 

و يتضح من الجدول السابق، صحّة الفرضية التي تبنّاها البحث،و التي تقول بأن العوامل الرئيسية وراء ظاهرة هجرة الكفاءات الموريتانية،هي عوامل اقتصادية بالضرورة،حيث أن نسبة 70% من أفراد العيّنة،سجّلوا إجابة (العوامل الاقتصادية)،و يمكن القول أن متغيّر حالة العمل هنا لم يؤدّ دورا كبيرا في اختيار أفراد العيّنة،لإجابة (العوامل الاقتصادية)،حيث أن ثمة تماثلا في العدد بالنسبة إلى الذكور العاملين و العاطلين.

 

4 ـ توزّع العيّنة حسب إجابة العوامل المحفّزة لهجرة الكفاءات الموريتانية:

ذكــــــــــــــــــــور إنـــــــــــــــــــــاث
  يعمل لا يعمل لا تعمــــــــــــــــل
ـ عوامل الجذب 1 ـ عوامل الطرد 3 ـ الإثنان معًا 5 ـ عوامل الجذب ـ عوامل الطرد 6 ـ الاثنان معًا 3  ـ عوامل الطرد 1

ـ الاثنان معًا  1

 

و يتأكد من الجدول السابق،عدمُ صحّة الفرضية التي تبنّاها هذا البحث،في ما يتعلّق،بدور كل من عوامل الجذب و عوامل الطرد،في ظاهرة هجرة الكفاءات،حيث كانت الفرضية كالتالي:

تحفّزُ هجرةَ الكفاءات الموريتانية،عوامل مزدوجة،من ضمنها عوامل الجذب في البلدان المهاجَر إليها،و عوامل الطرد في البلد الأصل.

لكنّ نتائج هذه الدراسة الميدانية،بيّنت أنّ عوامل الطرد في البلد الأصل (موريتانيا)،هي المحفّز الأول لهجرة الكفاءات الموريتانية،حيث سجّلت نسبة 50% من العيّنة إجابة عوامل الطرد،بينما سجلت نسبة 5% إجابة عوامل الجذب في البلدان المهاجّر إليها،في حين سجّلت نسبة 45% إجابة (الاثنين معًا)،و يمكن القول أن متغيّر حالة العمل أدّى دورا في الإجابات،إذ أن نسبة 60% من الذين سجلوا إجابة عوامل الطرد،هم من العاطلين عن العمل.

5 ـ توزّع العيّنة حسب إجابة النتائج المترتبة عن هجرة الكفاءات الموريتانية:

في ما يخص هذا السؤال فقد جاءت النتائج متطابقة تماما،فكان النتيجة أن النسبة كاملةّ في العيّنة 100% سجّلت إجابة أن نتائج هجرة الكفاءات الموريتانية على المجتمع الموريتاني،هي نتائج سلبية،و يفيد هذا بعدم صحة الفرضية التي تبنّاها هذا البحث في بدايته،و التي قالت بازدواجية تأثير هجرة الكفاءات،من حيث أنها تتضمن ما هو سلبي و ما هو إيجابي،حيث بيّنت الدراسة الميدانية تطابق النتيجة،من حيث تسجيل إجابة واحدة لدى كل أفراد العيّنة،هي أن النتائج سلبية.

 

6 ـ توزع العيّنة،حسب إجابة مجالات التأثر:

ذكــــــــــــــــــــور إنـــــــــــــــــــــاث
  يعمل لا يعمل لا تعمــــــــــــــــل
ـ إقتصادية 7 ـ اجتماعية 2 إقتصادية 7 ـ اجتماعية 2 ـ إقتصادية 2

 

و يستخلص من الجدول السابق صحة الفرضية التي تبنّاها هذا البحث، و التي ترى بأن مجالات التأثر بنتائج ظاهرة هجرة الكفاءات الموريتانية،هي اقتصادية بالدرجة الأولى،حيث سجلت نسبة 80 % من العيّنة إجابة (اقتصادية)،بينما سجلت نسبة 20 % إجابة (اجتماعية).

 

ثالثا:نتائج الدراسة الميدانية

من أبرز ما يُعنى به البحث الاجتماعي،الكشفُ عن العلاقة بين النظرية و الواقع،و ربط العلاقة كذا بين المعطيات و البيانات كمستوى،و التحليل و التفسير،كمستوى ثانٍ،و إذ ذاك،سنقصدُ في هذا المحور من البحث إلى تبيان العلاقة بين البيانات المتحصل عليها من الدراسة الميدانية،و بعض النماذج التفسيرية لهجرة الكفاءات في علم اجتماع الهجرات.

فطبقا لنظرية عوامل الطرد و الجذب،و التي تصنف أسباب الهجرة الدولية إلى مجموعتين اثنتين فقط هما ـ عوامل الطرد ـ وعوامل الجذب ـ حيث أن عوامل الطرد البسيطة ـ هي الفقر ، والاضطهاد ، والعزلة الاجتماعية ، كما أن عوامل الطرد الصعبة ـ هي المجاعات والحرب والكوارث البيئية ويمكن أن تكون عوامل الطرد عوامل بنائية مثل النمو السكاني السريع وأثره على عمليات التنافس في الغذاء والموارد الأخرى ، كما أن الحرب عادة تنشب بسبب مجموعة عوامل من التوترات العرقية ، ويحتمل أن يكون الفقر أكبر عامل وحيد يقف خلف تدفق تيارات الهجرة الحالية وفي المستقبل وغالباً ما كانت مناقشة الكوارث البيئية سببا يشيع في المستقبل ويقف خلف تيارات الهجرات الكبرى.

طبقا لهذه النظرية،يمكن تفسير البيانات المتحصل عليها من الدراسة الميدانية،حيث أن عوامل الطرد من البلد الأصلي،تقف كمحفّز رئيسي لظاهرة هجرة الكفاءات الموريتانية.

وحسب النتائج التي أظهرتها الدراسة الميدانية المتضمنة في هذا البحث،فإن نتائج هجرة الكفاءات الموريتانية،هي نتائج سلبية على المجتمع الموريتاني،و هو ما يعني أن هجرة الكفاءات الموريتانية،تمثل عائقا تنمويا،و إذ يتوصل هذا البحث في النتائج النهائية إلى هذا المعطى البحثي (سلبية نتائج هجرة الكفاءات الموريتانية على المجتمع الموريتاني)،يجدر بذوي القرار العمل على الحدّ من هذه الظاهرة مستقبلا،و العمل كذلك على جذب الكفاءات الموريتانية المهاجرة من أجل العودة إلى موريتانيا،و من ناحية ثانية تقع المسؤولية أيضا في جزء منها على الكفاءات المقيمة في البلد و التي تشكل نخبة المجتمع.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الخاتمة

 

تمثل ظاهرة الهجرة بشكل عام إحدى أهم الظواهر السكانية ذات التأثير المباشر على المجتمعات، وضمن نفس  الظاهرة تمثل هجرة الكفاءات نمطا من أكثر أنماط الهجرة حضورا وتأثيرا على المجتمعات في الوقت الحاضر، وضمن هذا السياق تناول هذا البحث ظاهرة هجرة الكفاءات الموريتانية من حيث العوامل والنتائج في إطار ثلاثة فصول.

وبعد التطرق للجانب النظري داخل هذا البحث من حيث المفاهيم والعلاقة فيما بينها تم الانتقال في الفصل الأخير إلى الدراسة الميدانية التي شملت استقصاء ميدانيا حول موضوع البحث (هجرة الكفاءات الموريتانية.. العوامل والنتائج)، وفي نهاية هذا الفصل الأخير من الدراسة تم الربط بين البيانات المتحصل عليها بواسطة استبيان الدراسة الميدانية والنماذج التفسيرية في علم اجتماع الهجرات.

ومن أهم ما يستنتج من هذه الدراسة أن ظاهرة هجرة الكفاءات باتت تأخذ مساحة تأثير واسعة، وعلى مستويات عدة وبمظهر عالمي، كما أنها تأخذ صيغة تأثير ضمن حيز أكثر خصوصية فيما يخص المجتمع الموريتاني، ويمتد تأثير هذه الظاهرة ليشمل عدة مستويات داخل المجتمع.

ومن أبرز ما يستخلص من النتائج النهائية لهذه الدراسة أن العوامل التي تقف وراء هجرة الكفاءات الموريتانية تتمثل بشكل رئيسي في عوامل الطرد داخل البلد الأصلي (موريتانيا)، ومن ناحية ثانية تظهر في العوامل المسؤولة عن هذه الظاهرة ازدواجية تشمل كلا من الدوافع الذاتية والموضوعية.

وعلى مستوى آخر يستنتج أن تبعات ظاهرة هجرة الكفاءات الموريتانية على المجتمع الموريتاني تنحو منحى سلبيا وتمثل بذلك عائقا تنمويا أكثر مما تمثل إمكانا تنمويا،كما أن هذه التبعات تتركز بشكل رئيسي في المستوى الاقتصادي.

وخلاصة ما يظهر من النتائج النهائية لهذا البحث هو ضرورة الوعي بالتسارع والانتشار الذين تشهدهما هذه الظاهرة سيما في العقود الأخيرة، وضرورة العمل على التقليص من التبعات السلبية لها على المجتمع الموريتاني في الأمدين القريب والبعيد.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قائمة المراجع

1ـ هجرة العقول و آثارها على التنمية ـ منشور بموقع ملتقى المهندسين العرب          :www. arab-eng.org،2011.

2ـ المجلة العربية لعلم الاجتماع (إضافات)، 2010، 2011.

3ـ بحث بعنوان:سوسيولوجيا الهجرة،منشور في موقع مجلة العلوم الاجتماعية: www. swmsa.net  ، 2009.

4ـ دراسة بعنوان:نظرة عامة على الموريتانيين في الخارج : إبراهيم با ـ ترجمة:عبد القادر ولد الصيام.و هي منشورة في موقع المشهد الموريتاني 2008.

5ـ التقرير الإقليمي لهجرة العمل العربية ـ هجرة الكفاءات العربية،نزيف أم فرص؟ ـ 2008.

6ـ علي الطالقاني:ملف تخصصي:هجرة الكفاءات ظاهرة عالمية ـ المركز الوثائقي و المعلوماتي ـ مؤسسة النبأ للثقافة و الإعلام: www.annabaa.org 2008.

7ـ نبيل مرزوق:هجرة الكفاءات و أثرها على التنمية الاقتصادية ـ جمعية العلوم الاقتصادية السورية، 2008.

8ـ عبد الله إبراهيم : علم الاجتماع (السوسيولوجيا) ـ المركز الثقافي العربي ـ الطبعة الثانية 2006.

9ـ  أنتوني غِدِنْز : علم الاجتماع ـ ترجمة: فايز الصُيّاغ ـ المنظمة العربية للترجمة ـ الطبعة الأولى :بيروت 2005.

10ـ معن خليل عمر،و آخرون:المدخل إلى علم الاجتماع ـ الطبعة العربية الثانية:الإصدار الثاني، دار الشروق،2004.

 

 

 

الفهرس

العنوان الصفحة
إهداء
حق الشكر
مقدمة 01
الإطار المنهجي للبحث 02
مشكلة البحث 02
المنهج 06
تحديد المفاهيم 08
أسباب اختيار  الموضوع 09
الصعوبات 10
الفصل الثاني: ملامح هجرة الكفاءات 12
هجرة الكفاءات كظاهرة اجتماعية 12
أبعاد ظاهرة هجرة الكفاءات 16
علاقة هجرة الكفاءات بالتنمية 18
الفصل الثالث: الدراسة الميدانية 20
الإجراءات المنهجية للدراسة الميدانية 20
معطيات الدراسة الميدانية 21
نتائج الدراسة الميدانية 24
الخاتمة 26
قائمة المراجع 28
الفهرس 29
ملحق استمارة استبيان الدراسة الميدانية 30

ملحق استمارة استبيان الدراسة الميدانية

 

الموضوع: هجرة الكفاءات الموريتانية…العوامل و النتائج.

1 ـ النوع:  ذكر       أنثى

2 ـ بلد الإقامة:  موريتانيا       دولة خارجية 

3 ـ حالة العمل:  أعمل      لا أعمل

4 ـ هل ترون أن عوامل هجرة الكفاءات الموريتانية، هي:

ـ ذاتية (تخص الفرد)                     موضوعية (تشمل الجماعة)        مزدوجة  

5ـ هل ترون أن الأسباب الرئيسية لهجرة الكفاءات الموريتانية، هي:  

ـ إقتصادية             أكاديمية          اجتماعية                 سياسية                     

6ـ في رأيكم، أيهما يحفز هجرة الكفاءات الموريتانية:

ـ عوامل الجذب في البلدان المهاجَر إليها            عوامل الطرد في البلد الأصل         الاثنان معًا  

7 ـ هل ترون أن نتائج هجرة الكفاءات الموريتانية، على المجتمع الموريتاني:

ـ إيجابية                                 سلبية  

8 ـ يُرجى ترتيب المستويات التالية، تَبَعَ أولويتها، في التأثر بظاهرة هجرة الكفاءات الموريتانية، من وجهة نظركم، و ذلك بتدوين الأرقام في الخانات:

ـ إقتصادية    ـ           ـ سكانية                       ـ اجتماعية    

 

ـ عبد الله إبراهيم : علم الاجتماع (السوسيولوجيا) ـ المركز الثقافي العربي ـ الطبعة الثانية ـ 2006 ـ ص:(59)[1]

ـ معن خليل عمر،و آخرون:المدخل إلى علم الاجتماع ـ الطبعة العربية الثانية:الإصدار الثاني،2004 ـ دار الشروق.[2]

3 ـ بحث بعنوان:سوسيولوجيا الهجرة،منشور في موقع مجلة العلوم الاجتماعية: www. swmsa.net بتاريخ:27 ـ مارس ـ 2009

 4ـ  هي منظمة دولية مكوّنة من مجموعة من الدول التي توصف بالمتقدمة،و بأنها تقبل مبادئ الديمقراطية التمثيلية،و اقتصاد السوق الحرّ،و تشمل بلدانا أوروبية و غير أوروبية.المصدر (ويكيبيديا العربية).

 ـ المجلة العربية لعلم الاجتماع (إضافات) ـ العدد الحادي عش ـ صيف 2010 ـ ص (7) ، ص (211) .[5]

 ـ المجلة العربية لعلم الاجتماع (إضافات) ـ العدد العاشر ـ ربيع 2010 ـ ص (118). [6]

 بحث بعنوان مناهج البحث في علم الاجتماع ـ موقع منتدى آفاق السوسيولوجيا والانتربولوجيا ـ بتاريخ:25/فبراير/2008*

 ـ أنتوني غِدِنْز : علم الاجتماع ـ ترجمة: فايز الصُيّاغ ـ المنظمة العربية للترجمة ـ الطبعة الأولى :بيروت ـ أكتوبر 2005 ـ ص:(332)[7]

8 ـ علي الطالقاني :ملف تخصصي:هجرة الكفاءات ظاهرة عالمية ـ المركز الوثائقي و المعلوماتي ـ مؤسسة النبأ للثقافة و الإعلام :  منشور بتاريخ:27 فبراير 2008.www.annabaa.org

 ـ علي الطالقاني :هجرة الكفاءات (مرجع مذكور)[9]

 ـ التقرير الإقليمي لهجرة العمل العربية ـ هجرة الكفاءات العربية،نزيف أم فرص؟ ـ 2008.[10]

 ـ المجلة العربية لعلم الاجتماع (إضافات) ـ العدد الحادي عشر ـ صيف 2011 ـ ص (210).[11]

 ـ دراسة بعنوان:نظرة عامة على الموريتانيين في الخارج : إبراهيم با ـ ترجمة:عبد القادر ولد الصيام.و هي منشورة في موقع المشهد الموريتاني.[12]

 ـ نبيل مرزوق:هجرة الكفاءات و أثرها على التنمية الاقتصادية ـ جمعية العلوم الاقتصادية السورية.[13]

[14]  ـ هجرة العقول و آثارها على التنمية ـ منشور بموقع ملتقى المهندسين العرب :www. arab-eng.org

“أقليات” وسكان أصليون

د. عزمي بشارة

في حمّى النزاعات التي عمّت العراق بعد الاحتلال الأميركي وانهيار الدولة، إيذاناً بتفريغ التناقضات شحناتها عبر الصراع الطائفي، وتداخلِ هذا الصراع مع مقاومة الاحتلال، جرت عملية تصفيةٍ للوجود المسيحي التاريخي في العراق. وبدت هذه في استفحالها وكأنها ممنهجة. فلم يسلم المسيحيون العراقيون من طائفيي أي طرفٍ، عربياً كان أم كردياً. وفي ظلمة أزقة الصراعات الأهلية، وعتمة شعابها، يسهل التعرّض للفئات المستضعفة: المدنيون الذين لا يحملون السلاح من الأطراف كافة، والأقليات التي لم تنتظم في مليشيات.

فقد كثير من المسيحيين العرب (وغير العرب) من السكان الأصليين للمشرق العربي الشعور بالأمن والأمان، فثمّة من يدفعهم إلى الشعور بالغربة في مدن وقرى وجبال ووديان سوريا الطبيعية والهلال الخصيب التي عاش أسلافهم فيها منذ ما قبل الإسلام، هذا عدا مصر واليمن والجزيرة العربية عموماً. وقد عدّدت كتب السيرة النبوية وكتب التاريخ وأخبار الرجال أسماء قبائلهم وعشائرهم، من نجران إلى غسّان وديار بكر؛ وفي وادي النيل من الحبشة حتى الإسكندرية، منذ ما قبل الإسلام مروراً بأيام الفتح الإسلامي.

وكون هؤلاء عموماً من السكان الأصليين لا يعني أن المسلمين وافدون طارئون، إذ أسلم قسم كبير من السكان الأصليين أنفسهم، كما أن من وفد فاتحاً ما لبث أن اختلط بسكان البلاد، وأصبح أصيلاً بمرور السنين. كما دخل الحواضر الشامية والمصرية من بعده مماليك ترك وكرد وألبان، وقفقازيون من إثنياتٍ مختلفة. امتزجوا وأسهموا جميعا في تشكّل حضارةٍ جديدةٍ، هي الحضارة العربية الإسلامية. وبقيت بعض الأطراف معزولةً لم تنصهر في مزيج المدينة العربية، وحافظت على هوياتٍ ولغاتٍ أخرى. ولكن الجسم الحضاري الرئيسي في بلادنا هو نتاج هذا المزيج، إنه عرب هذه الأيام.

ومن وسائل إشعار المسيحيين بالغربة في بلادهم التأكيد المستمر على أنهم أقلية، مع أن الكثرة الكاثرة منهم جزءٌ من الأغلبية العربية. إنهم أقليةٌ لأنهم ولدوا لأُسَرٍ تعتنق ديانة مختلفة، مثلما ولد المسلمون في عائلات كهذه، من دون أن يختاروا دينهم أو مذهبهم، ومن دون أن يتنكّروا له. ولو كان المسيحيون أقلية، فبوصفهم سكاناً أصليين من المفترض أن يُمنحوا امتيازاتٍ ثقافيةً جماعيةً تعوّضهم عن التحول إلى أقلية. وما دام الحال مختلفاً في بلادنا، فلنتحدث إذاً عن الحقوق على الأقل. لا علاقة للعدد، قلةً أو كثرةً، بمسألة الحقوق. ولا يفترض أن تتدرّج المواطنة الحديثة رتباً ومراتب، بموجب حجم الجماعات التي ينتمي إليها المواطن على مستويات أخرى غير المواطنة، من العائلة والحارة والمهنة وحتى الطائفة والقومية. فالمواطنة لا تعيّر الناس بقليل العدد، ولا تفضلهم بكثيره. (الاستعارة من قصيدة السموأل بن عادياء ومطلعها “إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه/ فكل رداءٍ يرتديه جميل”).

والسكان الأصليون الذين فقدوا الهيمنة الثقافية الحضارية، يحافَظ عليهم مواطنينَ أفراداً لناحية الحقوق، وجماعةً بوصفهم جزءاً من تاريخ البلاد نشداناً للحفاظ على تنوع المجتمع وغناه. فهذا التنوع أصيل. والدخيل ليس التنوع، بل التجانس المجرد المفروض بالقسر والإملاء من جهة، والإقصاء والدفع إلى الهجرة من جهة أخرى. إنه الدخيل حقاً. مع أن التنوع المعطى هذا، لم يكن بالضرورة دليل تسامحٍ سائد، أو تعدّدية مقوننة بمعناها الذي نفهمه في عصرنا. فقد ساد الاضطهاد الديني في مراحل كثيرة، كما ساد التساهل والتعايش في فترات أخرى. المساواة في الحقوق للأفراد والضامنة لتنوع الجماعات مسألةٌ حديثة، تماماً مثل الديكتاتورية والديمقراطية، والحرية السياسية والأنظمة الشمولية وغيرها.

وللتمسّك بما تسمى “الأقليات” أسباب أخرى أقلّ مبدئية، مثل الاستفادة من نزعتها الغالبة للاستثمار في التعليم والمهن الحرة، والمبادرة في الاقتصاد، وذلك لأسبابٍ تاريخيةٍ متعدّدة، لا يتسع المجال هنا للخوض فيها. وهذا الدأب يعود بالخير على المجتمعات غالباً، مع أنه عاد وبالاً على الأقليات نفسها في مراحل مختلفة، لا مجال للتوقف عندها، والتأمل فيها في عجالة. ولا ينطبق ذلك على الأقليات كلها (بل على تلك التي حرمت فتراتٍ طويلةً من العمل في الدولة والجيش، كما حرِمت من ملكية الأرض)؛ ولكن يمكننا القول إن البلدان العربية خسرت تنوعاً مثرياً، وقدرات كفاءاتٍ بشريةٍ لا تعوض بفقدان بعض الحواضر أقلياتٍ دينيةً ومللاً فاعلة ونشطة، والأهم أنها بفقدانها التنوع راحت تفقد ذاتها.

 

وأخيراً، وفي سياق الحديث عن الأقليات المسلمة وغير المسلمة في أوروبا، وحالة عدم الاستقرار، دارت مناقشة لوضع المسيحيين العرب من باب المقارنة. ولا شك أن أمام أوروبا الديمقراطية الليبرالية طريقاً طويلاً للتوصل إلى صيغةٍ لاستيعاب هذه الهجرات، وتجاوز التمييز والإسلاموفوبيا. وقد قطعت طريقاً طويلاً حتى الآن، قياساً بما كان عليه الوضع قبل عقود، سيما وأن عدد اللاجئين والمهاجرين ازداد بشكل ملموس. والمهاجرون اللاجئون، هذه المرة، من أبناء الأكثرية غالباً، فأكثرية الشعب السوري تعاني من حرب الإبادة والتهجير التي يشنها النظام على هذا الشعب.

 

لكن مناقشة وضع المسيحيين العرب من هذه الزاوية تجنّ على الحاضر، وافتراءٌ على التاريخ. ليس المسيحيون العرب مهاجرين في أوطانهم، إنهم سكان أصليون. وإذا كانت أوروبا تطلب من المهاجر أو اللاجئ أن يحترم مسالك العيش في مجتمعه الجديد وثقافته، وأن يحاول الاندماج فيه، من دون أن يتخلى عن ديانته وعباداته، فذلك لأنه وافد إلى هذا البلد، “اختار” القدوم إليه، من زاوية نظرهم. وعليه، بالتالي، أن يقبل بأسس العيش المشترك ومنها تعلم اللغة. ولا يسلم ذلك من النقاش والطعون، فثمّة تيار واسع يؤكد على التعدّدية الثقافية في المجتمع الديمقراطي، ويحث على احتفاظ المهاجرين بثقافاتهم، وتيار آخر يؤكد على الاندماج. ولكن، لن تجد قوى أوروبية جدية وازنة تعترض على حرية المعتقد والعبادة للمسلمين. وعلى كل حال، فإن حقوق المسلمين في أوروبا أفضل بدرجاتٍ من حقوق المسلمين والمسيحيين في بلدانهم الأصلية.

 

المسيحيون العرب أكثر اندماجاً في المجتمع العربي من المسلمين في أوروبا، مع أنهم ليسوا مهاجرين، وهذا غير مطلوب منهم، بوصفهم سكاناً أصليين. لقد نمت في هذه الأصقاع، وتطورت عبر القرون ثقافةٌ عربيةٌ مشتركةٌ تجمع الناس. وأصبحت بعض عناصر هذه الثقافة معطياتٍ لا قسر فيها. ولكن، ثمّة قوى سياسية واجتماعية لا تألو جهداً لتقويضها، ليس فقط بالتأكيد على الفرق الذي لا تحتمله نفوسهم، فينغّص عليهم عيشهم، كما يبدو، وإنما أيضاً بالتحريض على الآخرين من هذا المنطلق، عبر خلط الفوارق الدينية والمذهبية بالمواقف السياسية، وجعل الفرق تنابذاً وتخاصماً يحيل العيش المشترك جحيماً. إنهم المتعصبون من الطوائف كلها.

 

بعض الدول العربية والإسلامية لا يكفل حرية العبادات حتى اليوم، على الرغم من الصراخ بشأن حرية العبادة في مناطق أخرى من العالم، ولا يُمنح المواطن مساواة في الحقوق. ولكن هذه الدول لا تطلب من الأجانب المقيمين بيننا تعلم لغتنا العربية، وتمحض الأجنبي، ولا سيما الغربي، على ديانته المختلفة، احتراماً وتقديراً لا يحلم بهما ابن الوطن، بغض النظر عن ديانته. ثمّة مركبات نقص مخيفة فاعلة هنا.

 

وما زالت الهوية الطائفية والعشائرية وأصول والدِ المواطن ووالدته ونسَبِهما تلعب دوراً في تحديد مكانته في المجتمع، بغض النظر عن كفاءاته وقدراته الذاتية وتحصيله وإسهامه في بناء بلده.

 

ولا بد أن تكون هذه القضايا على جدول أعمال القوى الديمقراطية العربية، ومن أهم مطالبها، وفي مقدمتها المساواة في الحقوق واحترام الفوارق في ظل المشتركات. وتنتظرهم مهمات شاقة على مستوى تثقيف النخب والناس عموماً. وتكفي نظرة خاطفة إلى الأفكار المسبقة السائدة على مستوى بسطاء الناس، واستغلال النخب السياسية لها لندرك حجم التحدي.

 

ولا يفترض أن يكون الرد على التحريض العنصري والإقصاء الطائفي بالتأكيد على إنجازات المسيحيين، أو غيرهم، في الحضارة الإسلامية أو في بناء الأوطان، فهذا موقفٌ تبريريٌّ دفاعيٌّ يتوسّل حسن المعاملة، ويتعامل مع الحقوق كأنها مكرمة أو مكافأة على الإنجازات وحسن السيرة والسلوك. حسناً إذاً، ماذا يكون، في هذه الحالة، مصير حقوق مواطنة من ليس قائداً وطنياً، ولا صاحب إنجاز علمي أو أدبي؟ ليست حقوق المواطنة مشروطةً بالنجاحات، ولا يفترض أن تقوم على سجل إنجازات. الحقوق مشروطة بالمواطنة وحدها. وليس على المواطن أن يثبت لأحد شيئاً، بل أن يحترم مواطنته وسيادة القانون. يصح هذا لأي دولةٍ حديثةٍ، يكون فيها الناس مواطنين وليس رعايا.

 

وإن من يدّعي أنه يناضل ضد الديكتاتورية، ويحرّض على المواطنين المختلفين عنه في المعتقد بتعميماتٍ فظة، يفقد أي شرعيةٍ مشتقة من كونه ضحية الاستبداد، فهو بذاته مستبد، ولا يرغب الديمقراطيون بالتأكيد أن يجازفوا باستبدال استبدادٍ بآخر.

 

ليس في حقوق المواطنة أكثرية وأقلية، فالحقوق لا تخضع لمثل هذا التقسيم. أما من يحسب حقوق المواطنة بناءً على الانتماء الديني أو العشائري أو الجهوي، ويصنّف المواقف السياسية بموجبه أيضاً، لا علاقة له بالديمقراطية، سواء أكان حاكماً أم معارضاً، سجيناً أم سجّاناً.

 

من ناحية أخرى، القيادات التي تنصّب نفسَها على الهويات والطوائف والأقليات، وتراهن على الاستبداد أو الاستعمار، وتثقف جمهورها أن يراهن عليهما حمايةً له من بطش أغلبية تشك بمدى إخلاصها للتعايش وولائها لفكرة المساواة بين البشر، إنما تخلق حلقةً مفرغةً، إذ تثير الشكوك وتذكي نار الأحقاد، وتسهّل التحريض الطائفي المقيت ضدها، فثمة علاقة وثيقة لا يجوز تجاهلها بين مظلومية الأقلية ومظلومية الأكثرية.

العلمانية والدولة المدنية العربية

أ.د . السيد ولد أباه
الآراء الوردة في المقلات تعبر عن آراء و توجهات كتابها و لا تعس ضرورة رأي المركز