علي حرب: رحلتي إلى الجزائر!

المواضيع الواردة في أقسام "قال الباحثون" و"قابل للنقاش" لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المركز وإنما تمثّل كتّابها فقط.
 

هذه رحلتي الخامسة إلى الجزائر. في المرّات السابقة اقتصرت الزيارة على غربها. فتعرّفتُ إلى العاصمة، وتجوّلتُ في وهران، ثم ذهبتُ إلى مستغانم، والى تلمسان في أقصى الغرب، كما كانت لي زيارة لمدينة سعيدة على تخوم الصحراء. بالطبع كانت الغاية من الزيارة ثقافية: المشاركة في ندوات ولقاءات فكرية. هذه المرة كانت الزيارة لشرق الجزائر، وكان المقصد، بالتحديد، مدينة قسنطينة التي هي الآن موضع احتفاء ومسرح احتفال، كونها اختيرت عاصمةً للثقافة العربية لعام 2015. ورشة فكرية من الأنشطة والملتقيات والندوات في مختلف مجالات الثقافة الأدبية والفنية أو الفلسفية والعلمية، يؤمل أن لا تقتصر على مجتمع النخبة، بحيث تكون لها أصداؤها بين الناس، وأثرها في مجتمع المدينة، وفي المجتمع الجزائري عموماً.

قسنطينة مدينة لا نظير لها
آن للنخب الثقافية، التي تفبرك مجتمعات تتحدث عنها لا صلة لها بالواقع الحي، بتحدياته وتحولاته، أن تعمل على كسر عزلتها، وتخرج من بروجها المتعالية، لكي تتفاعل مع المجتمع الواسع والأوسع. فلا نهوض ولا إصلاح ولا إنماء في أي بلد، ما لم يجرِ انفتاح الحقول والدوائر، بعضها على بعض، لتبادلها الخبرات وتداولها في ما هو شأن عمومي يخصّ جميع المواطنين، كلٌّ في حقل اختصاصه وميدان عمله.
في قسنطينة شاركتُ، في الملتقى الذي عقدته الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية، حول دور التواصل الثقافي في تجديد الفكر العربي المعاصر، وكان محور مداخلتي، في ما يتعدّى ثنائية العرب والغرب. في الملتقى مشتغلون بالفلسفة وعلوم الإنسان، جزائريون هم الأكثرية، وعرب من غير بلد، كلهم أكاديميون وكتّاب، ولكلٍّ انتاجه وأعماله. بعد انتهاء أعمال الملتقى، كانت لديّ مهام أخرى، تخصّني وحدي، في مدن أربع. ذهبت أولاً الى قالما برفقة الدكتور عبد الحليم بلواهم، وكان لي فيها لقاءان مع الطلبة والأساتذة في مدرج الجامعة، قدّمني فيهما بلواهم، رئيس قسم الفلسفة في كلية العلوم الإنسانية. ولا أنسى الشاعر محمد خشه الذي افتتح اللقاء الاول بكلمة جميلة عني، مما جعلني أعلّق بالقول أجمل الشعر هو أكذبه. ثم ذهبت الى مدينة سطيف برفقة الدكتور عبد الرزاق بلعقروز، وكان لي فيها أيضا لقاءان في مدرج الجامعة مع الأساتذة والطلبة. ثم كانت لي زيارة لمدينة بجاية، حيث كانت المهمة هي المشاركة في الملتقى الفكري الذي عقد في جامعتها، حول أزمة العلوم الإنسانية. وكان عنوان مداخلتي “رهان الفيلسوف اليوم”. وكان عليَّ الذهاب الى مدينة بسكرة التي تقع هي الأخرى على أبواب الصحراء، لذا وجدتني أقول، بعد كل ما تكبّدته من العناء قبل الوصول: لا بد من بسكرة ولو طال السفر. كانت المهمة إلقاء محاضرة في المنتدى الثقافي، حيث قدّمني الاستاذ أحمد دلباني. وكان المحور في كل هذه الأنشطة ما أنشغل به وأشتغل عليه من القضايا والمسائل التي تتعلق بمهنتي وحرفتي، أو بهويتي ومهمتي.
بعد هذه التنقلات عدت إلى عاصمة الثقافة قسنطينة، مردداً قول الشاعر: ما الحب إلا للحبيب الأول. وفيها أنهيت زيارتي بالمشاركة في الملتقى الدولي الذي عقدته جامعة قسنطينة حول دور العلوم الإنسانية والاجتماعية في تصور مجتمع عربي مستقبلي. وكان عنوان مداخلتي “أوهام الفلاسفة حول المجتمع”.
بعد ذلك كله كان عليَّ أن أعود إلى العاصمة، لكي ألتقي بالدكتور عبد العزيز يوسف، رئيس قسم الفلسفة في جامعة الجزائر2، ولم يكن لي أن أغادر، من دون أن أجري لقاء في كلية العلوم الانسانية، تناولت خلاصة مداخلاتي حول مشكلات الحقيقة والهوية والحرية والإنسان.
* * *

على الرغم من كل هذه الأنشطة، ما أعددتُ سوى ورقة واحدة مكتوبة، مسبقاً، هي مداخلتي الأولى في ملتقى قسنطينة. ما تلا ذلك، أكان لقاء أم محاضرة، كان مرتجلاً أو أعددتُ له بصورة سريعة، بكتابة خطاطة تتضمن الأفكار الرئيسية التي في وسعي أن أتحدث بها إلى الحضور.
من عادتي، في المدن التي أزورها للمرة الأولى، مخاطبة الحضور، في الملتقيات الفكرية، بقولي: أنتم تعرفون علي حرب “الشخص المفهومي”، عبر نصوصه. الذي ترونه الآن أمامكم يتحدث إليكم، هو علي حرب الآخر، أي الشخصي الحيّ. ولا تفاجأوا إذا وجدتم فرقاً بين الاثنين. فما يكتبه المرء بهدوء وروية، وبعد إنعام النظر، يختلف عما يقوله شفاهة في ندوة أو من على شاشة، حيث عليه أن لا يقرأ نصاً أو ورقة مكتوبة، بل التحدث بصورة مباشرة، حيّة، بأن يوجز ما كتبه أو أعدّه ويحسن عرضه. وقد يوفَّق الواحد، كما قد يخفق. هناك من يتقنون الكتابة ولا يتقنون الحديث. وبالعكس.
* * *

في هذه الزيارة التي استغرقت أكثر من ثلاثة أسابيع، أتيح لي أن أتعرّف إلى غير حاضرة من حواضر الجزائر، هذا البلد الذي يعدّ بمثابة قارة من حيث اتساعه الهائل، ومن حيث تنوعه وغناه الطبيعي والجغرافي أو البشري والمجتمعي. وإذا كانت الجزائر هي عاصمة البلد، فإن كل مدينة تشكّل عاصمة في ولايتها ومنطقتها، شرقاً وغرباً، أو شمالاً وجنوباً. كل مدينة لها طابعها ونكهتها، ولها مزاياها وشخصيتها. وكل مدينة لها عراقتها وعمقها التاريخي. كل مدينة تنفرد بمناظرها الطبيعية الآسرة ومعالمها الاثرية الرائعة. فغالما مشهورة بمدرجها الروماني الذي لا يزال يحتفظ بهيئته الأولى، لكنها مشهورة أيضا وخصوصاً بنوافيرها الطبيعية، حيث المياه تغلي وتفور من باطن الأرض، لتغذي الحمّامات المنشأة قربها. أما سطيف فقد جذبتني فيها سهولها ومروجها وغاباتها، الأمر الذي جعلني أتحسر على لبنان الاخضر، الذي يعمل أهل الجشع والتكالب والفساد على تصحيره بجزّ مساحاته الخضراء. اما بجاية التي تقع على شاطئ البحر، والتي بُنيت على كتف جبل شاهق، فتشكل موقعاً سياحياً قلّ نظيره إذا أُحسن استغلاله. في ما يخص بسكرة المشهورة بتمورها، هي مدينة لها عمقها التراثي كما تشهد زاوية آل عثمان بمدرستها ومسجدها ومكتبتها الجامعة للمصنّفات من كل علم وفن. وهي إلى ذلك كانت محل جذب للأدباء والكتاب إبان الإستعمار الفرنسي.
هذا شأن المدن الجزائرية الأخرى، لكل واحدة أعلامها ورموزها الذين ولدوا فيها أو مرّوا بها، أو احتموا بين أهلها، قديماً وحديثاً، من القديس أغسطينوس إلى الفيلسوف جاك دريدا، ومن الفيلسوف ابن باجة إلى العلاّمة ابن خلدون، ومن الروائي سرفنتس إلى ألبر كامو. ومن الأمير عبد القادر إلى ابن باديس.
بالطبع، لا مدينة تشبه الأخرى، تماماً كما لا فرد يشبه سواه، ولو تشابهت الأسماء. هذا دليل ساطع، لا يُلتفَت إليه أحياناً، على غنى الهوية. صحيح أن الاسم (الجزائر)، هو واحد كما في كل بلد. ولكن بالواحد تجتمع الأشياء وبه تتفرق كما قال ابن عربي. تلك هي لعبة الفرق والجمع، أو معادلة التعدد والوحدة: مَن يتقنها يحسن إدارة علاقته مع الآخر، فرداً أو مجموعة، على سبيل الصداقة والمؤانسة، أو الشراكة والمبادلة. ومَن لا يتقنها يخلق مشكلة لنفسه ويخرّب علاقته مع شركائه أو نظرائه.
لكنْ لقسنطينة شأن آخر. فهذه المدينة تنفرد عن سواها، وخصوصاً من حيث موقعها وتضاريسها، إذ هي بُنيت منذ القدم على كتلتين صخريتين شاهقتين، تفصل بينهما أودية سحيقة. من هنا اشتهرت بجسورها المعلّقة، القديمة والحديثة، الحجرية والاسمنتية، الثابتة أو المتحركة، وكان آخر هذه الجسور قد أُعلي بناؤه، في العام الفائت، ليكون الأطول والأعلى بينها. لذا باتت من أبرز المعالم الأثرية والعمرانية في المدينة. في الحديث مع الجزائريين كنت أتساءل عن السبب الذي جعل قسنطينة تبنى منذ القدم في هذا الموقع وعلى هذا العلوّ الشاهق والخطر. بالطبع يحضر العامل الأمني. فهو الذي دفع أباطرة الصين إلى بناء سورها العظيم. لعلّ السبب نفسه هو الذي وقف وراء بناء قسنطينة على شاكلة البروج المشيّدة. ولكن مع اختراع الطائرات والصواريخ، ما عاد ينفع سور أو برج. الأنفع اليوم هو اتقان لغة المداولة.
* * *

في متحف قسنطينة كانت تنتظر المشاركين في الملتقى الفكري أستاذة التاريخ الدكتورة دحو التي قدمت، طوال ساعة، شرحاً غنياً ووافياً، عن تاريخ المدينة (وتاريخ الجزائر عامة): معالمها الأثرية، طبقاتها الحضارية، ما أقيم فيها أو استولى عليها من الدول والممالك، منذ القدم حتى العصور الحديثة.
لست من هواة المتاحف، لأنني أوثر عليها التجول بين أحضان الطبيعة والاستمتاع بمناظرها الخلاّبة ومعجزاتها الفذة التي يحار العقل أمام تفسيرها. لكني دهشتُ، وأنا أستعرض، في أجنحة المعرض، الآثار التي تركها بشرٌ عاشوا قبل آلاف السنين، على ضوء التفسيرات التي كانت تقدمها السيدة دحو حول نمط حياتهم ومستوى عيشهم: ألبستهم وأزياؤهم، أدواتهم وأسلحتهم، مطابخهم وحمّاماتهم، فضلاً عن خرافاتهم وعقائدهم.
من الأشياء التي استوقفتني، تمثال لامرأة من الزمن الغابر تحمل مرآتها. لما استفسرتُ من السيدة دحو عما إذا كانت المرآة قد اختُرعت في ذلك الزمن السحيق، أجابت وهل عندك شكٌّ في ذلك؟! فقلتُ لها أنتِ الأعلم والأصدق لكونك ابنة حواء، مضيفاً ربما وُجدت المرآة مع المرأة. ثمة آصرة لغوية وصلة دلالية بين المرأة والمرآة، وإن اختلف المصدر بين المروءة والرؤية.
* * *

أعترف بأنني شعرتُ، بعدما خرجتُ من المتحف، على غير ما دخلتُ إليه، لقد أفقتُ من غيبوبتي الحديثة، لأن ما رأيته وأدركته كشف لي عما هو غائر أو مطمور من طبقات وعيي وعناصر هويتي. بهذا المعنى، المتحف هو ذاكرة للبشرية، أكان في قسنطينة أم في أثينا، في القاهرة أم في روما. بذلك ازداد اقتناعي بهويتي المركّبة والملتبسة والمفتوحة على أبعادها الزمانية والمكانية. فما الواحد منا سوى ما يتراكم في عقله من أطوار، أو يتداخل من أبعاد، أو يلتبس من وجوه، أو ينتقش من صور ومشاهد. هذا ما يفسر لنا كيف أن العاقل منا تفاجئه نفسه ومن حيث لا يحتسب، أو كيف نفاجأ اليوم برؤساء وزعماء دول تقف وراء تصرفاتهم ذاكرة مديدة منسوجة من أطياف وصور نيرون والحجاج أو هولاكو وهتلر…
ما خلصتُ إليه وأنا أرى إلى نفسي، من خلال أطواري الأولى، أننا، نحن أهل الحداثة والمدنية، لسنا أرقى من الأسلاف الأُول، إلا من حيث اختراع الأدوات والوسائط والأسلحة. على المستوى الخلقي، ما نشهده من همجية معاصرة تجعل الواحد يخجل من كونه انساناً، بقدر ما يكتشف أن الإنسان البدائي، بل الحيوان، هو أقل منا وحشية وشراسة. الدرس هو أن نتواضع وأن نقتنع بأننا أدنى شأنا، بكثير، من حيث علاقتنا بالقيم والفضائل.
عند نهاية هذه الجولة في المتحف، وقد فزنا خلالها بحصيلة معرفية وافية عن المخزون الرمزي والغنى الحضاري لمدينة قسنطينة، وجدتُني أشكر السيدة دحو وأحيّيها قائلاً: يا لها من حاضرة قسنطينة. إنها مدينة لا نظير لها.
* * *

بعد الخروج من المتحف كانت لنا جولة في قسنطينة أتيح لنا خلالها التعرف إلى خريطة المدينة بأحيائها وساحاتها، بالانتقال من ناحية إلى أخرى، سواء باجتياز الجسور المعلّقة، بين ضفة وضفة، أو بالسير في الطرق اللولبية، بأنفاقها المحفورة في الصخر، وذلك من الأسفل إلى الأعلى، وصولاً إلى القمة، حيث صرح معماري شبيه بقوس النصر في باريس، إذ هو بُني أيام الفرنسيين، ولا يزال الجزائريون يلفظون اسمه بالفرنسية مونومان (Monument). من ساحة هذا المعلم، في وسع المراقب أن يرى إلى قسنطينة من كل الجهات. الأروع من ذلك هو أن في وسعه، وهو ينظر، ليلاً، من الأعلى، أن يرى إلى الجسور التي تتلألأ أنوارها، كيف تتقاطع أو كيف يعلو بعضها فوق بعض، في مشهدٍ بديع لا نظير له في أيّ مكان آخر. هنا وجدتُني أردّد وصفي لقسنطينة. يا لها من مدينة، لا نظير لها.
* * *

عندما أكون في الجزائر، اكون في عهدة الدكتور عمر بوساحة، فهو أول مَن يستقبلني، وآخر مَن يودّعني. وأنا أسير بحسب البرنامج الذي يعدّه لي. هكذا في كل مرة، ومنذ أول زيارة لي للجزائر في شباط 2008، للمشاركة في الندوة التي عُقدت في المكتبة الوطنية. وكانت، يومئذٍ، في عهدة الروائي الدكتور أمين الزاوي.
في قسنطينة كنت في عهدة الدكتور محمد الجديدي، أستاذ الفلسفة في جامعة قسنطينة، وللجديدي محاولات فلسفية قيّمة، ترجمة وتأليفاً. وكانت له مداخلتان: الأولى محاضرته في الجلسة الافتتاحية، درس الترجمة. والأخرى في ملتقى بجاية حول موضوع بات تحدياً يطرح نفسه على الفلاسفة: العلاقة بين الاتيكا والبيوتيكا، بين الخُلُقيات وعلم الجينات.
أقمتُ في قسنطينة الجديدة عشرة أيام في فندق الخيّام، الذي شعرتُ أن وفد الملتقى ووفوداً أخرى، أتت لتحتفي بعاصمة الثقافة، هم أول نزلاء هذا الفندق الذي لا يزال كل شيء فيه بورقته وعلى بكارته: الغرف والمطعم، البهو والكافتيريا، مما يجعل متعة الإقامة فيه مضاعفة. ولكن كان ينقص الفندق شيء واحد هو العامل الذي ينقل حقائب النزلاء إلى غرفهم عبر العربة المخصصة لذلك. ففي الجزائر “الاشتراكية” كل واحد يحمل حقائبه بنفسه. ولا شك أن هذه القاعدة سوف تتغير، لأنها لا تأتلف مع ثقافة السياحة وعصر العولمة.
مع الجديدي ورشيد دحدوح والشريف طاطاو والمولدي عز الدين (الأستاذ في جامعة صفاقس)، عدنا من بجاية، عبر مدينة جيجل بشاطئها الساحر، إلى عاصمة الثقافة. ومنها ذهبنا إلى بسكرة حيث نشأ الجديدي وتعلّم، لألقي محاضرتي في المنتدى الثقافي. ولكي ألتقي بأصدقاء كنت أعرفهم من خلال كتاباتهم الفلسفية، التي هي شرارات فكرية نيتشوية تستلهم فلاسفة ما بعد الحداثة: أقصد الأستاذ أحمد دلباني وشرف الدين شكري.
بصحبة الجديدي وزملاء آخرين كانت لنا، عصر كل يوم، جولة في قسنطينة، لكي نتعرف إلى ما لم نعرف من معالم المدينة ووجوهها وخفاياها.
سأتوقف عند ثلاثة معالم: الأول ضريح بن باديس، وقد فوجئت عندما قرأت “مقبرة” بن باديس. إذ وجدتُ أن هذه الكلمة لا تليق بمقام الرجل. المهم أن بن باديس، الفقيه العلاّمة، كان من أعلام النهوض والتنوير، لذا نراه يتحدث عن “الفكر الحر”، كما قرأنا كلاماً له مسجلاً على جدار الضريح، على النقيض مما يدعو إليه أو يدّعيه الإسلاميون المعاصرون. أما المعلم الآخر فضريح أحد الملوك القدامى، ما سينيسا، الذي أقيم على إحدى تلال قسنطينة، وهو على شكل هندسي مربّع، وله شبيه أضخم منه، مبني بشكل دائري، رأيناه على طريق بسكرة لأحد ملوك الدولة النوميدية، التي سيطرت في أزمنة ما قبل الميلاد، وكلا الضريحين يذكّر بأهرامات مصر. من هنا كان تساؤلي، هل بناء القبور بهذه الطريقة كان شائعاً في ذلك الزمن السحيق تعبيراً عن عقائدهم ونظرتهم الماورائية إلى جسدهم والى مصائرهم في ما بعد الموت؟ وهل كان هناك تواصل بين الفراعنة في مصر، وبين الذين حكموا الجزائر في ذلك العصر، من حيث تبادل العقائد والخبرات الهندسية؟ أما المعلم الثالث فهو المدينة الجامعية رقم 3 من المدن الثلاث في جامعة قسنطينة، ويسمّونها الأقطاب. القطب الثالث، المخصّص للعلوم والتكنولوجيا، لم يفتح بعد. لكنه الأحدث، بل هو فائق الحداثة، ولم أجد له شبيهاً في كل المدن الجامعية في الجزائر، مما جعلني أقول: هذه المدينة الجامعية في قسنطينة لا نظير لها. باختصار، بفضل الجديدي أمكنني أن أزور غير معلم أثري رائع أو مشهد طبيعي ساحر أو انجاز عمراني خارق. لم أكن أتخيّل أن أقضي ثماني ساعات في رحلة العودة من بسكرة إلى قسنطينة. لكن روعة المشاهدة تمحو المتاعب والمشاق. لذا قلت مَن لا يرافق الجديدي لا يفوز بمتعة الزيارة. بل أجدني أقول وسط ما لقيتُ منه ومن أسرته من الحفاوة ومشاعر الود، بأن معرفتي بالجديدي، صديقاً عزيزاً وكاتباً فيلسوفاً، هي من أجمل مصادفات حياتي.
* * *

الجزائر أرضاً للفلسفة

الشغف
لمستُ في كل اللقاءات التي شاركت فيها أو أدرتُها، سواء في قالما وسطيف وبجاية أو في قسنطينة وبسكرة، ثم في الجزائر العاصمة، اهتماماً فائقاً بالشأن الفلسفي. تجلى ذلك في الحضور الكثيف، حيث كانت المدرجات أو القاعات تغصّ، في كل جلسة، بالطلبة الذين أتوا للمشاركة، يحرّكهم قلق الوجود وشغف المعرفة. وتجلى، ثانياً، في العروض الغنية التي قدِّمت في الملتقيات والجلسات بمحاورها وإشكالياتها، أو بالمناقشات الخصبة التي كانت تعقب المداخلات بأسئلتها المربكة التي تفتح الباب واسعاً، لإعادة التفكير في ما طُرح من أفكار أو قُدِّم من معالجات للمشكلات المثارة.
أذكر، أن لقائي في جامعة سطيف استغرق نحو أربع ساعات، ولم تتوقف المناقشة لأن البحث عن الحقيقة، في أي مسألة، لا ينتهي ولا يكتمل. من هنا يغادر الباحث هذه الدنيا وفي نفسه شيء مما كان يبحث عنه. ثمة جانب ثالث يتجلى فيه الاهتمام بالدرس الفلسفي، هو كثرة الأطروحات الجامعية والدراسات الفكرية التي يعدّها ويؤلفها جزائريون، ويُنشر أكثرها في دور النشر اللبنانية. وإذا كانت الجزائر قد تأخرت بسبب محنتها، في العقد الإرهابي الأسود، فإنها تحاول تدارك ما فات. فالعاقل هو الذي يحوّل المِحن والأزمات إلى حقول للدرس والتحليل، لاستخلاص الدروس والعبر، وفتح ممكنات جديدة للتفكير والتدبير، بابتكار ما هو صالح وفعّال من المعادلات السياسية والتسويات المجتمعية، أو من نماذج التنمية وصيغ للعيش.
بالطبع، هذا ما يُنتظر من الأجيال الجديدة، من الأساتذة الذين نظّموا الندوات وقدّموا العروض والمداخلات، أو من الطلاب الذين يعدّون الدراسات والأطروحات: أن تتحول الجزائر إلى أرض للفلسفة: ترجمةً وتصنيفاً، انتاجاً وابداعاً.

وطن آخر
من سعادة المرء أن يكون موضع احتفاء أو تكريم، تقديراً لجهوده في مجال عمله، من جانب الوسط الثقافي، والأكاديمي بشكل خاص، حيث يستقبله رئيس الجامعة أو يشاركه الندوة مدير الكلية أو يقدّمه رئيس القسم. هذه حالي كلما أتيتُ إلى الجزائر يحرّكني الشوق للالتقاء بأصدقائي القدامى، كما يحدوني الأمل للالتقاء بأصدقاء جدد ممن أشاطرهم هموم الثقافة ومشاغل المعرفة. أشعر في الجزائر بأنني في البلد الذي أُقرأ فيه أكثر من أيّ بلد آخر. وإذا كانت الجزائر، شأنها شأن أيّ بلد عربي آخر، وطناً ثانياً لي، فهي وطن أول على المستوى الفكري. الكاتب إنما وطنه حيث تنتشر نصوصه وتُقرأ، أو حيث تشكل اعماله مادة لكتابة الأطروحات الجامعية، أو حيث أدواته المنهجية تُستثمر في كتابة الدراسات الفلسفية أو النقدية، حول كبار الأدباء والمفكرين.
في الجزائر يصدر كتاب عن أعمالك الفلسفية لأكاديميين وكتّاب، في إشراف الفيلسوف الجزائري محمد شوقي الزين. هنا لا يسعني إلا أن أذكر الدكتورة جويدة غانم التي شاركت في هذا الكتاب بمقالة عنوانها “مطارحات العقلانية النقدية في فكر علي حرب”، وكانت من أوائل الذين كتبوا أطروحة جامعية عن أعمالي. وقد التقيتُ بها في بيروت أثناء تحضيرها لأطروحة الدكتوراه، في أحد معاهدها، وهي بعنوان “المنظور النقدي لخطاب ما بعد الامبريالية”. جويدة هي الآن أستاذة في جامعة عنابة، المدينة التي أسفت لعدم زيارتها إذ لم تكن مدرجة في برنامج الزيارة. في الجزائر، فيما أنت تشارك في أحد الملتقيات، تتحدث إحدى المشاركات عن مشروعك النقدي للمثقف، كما فعلت الأستاذة سميرة مرابطين التي تعدّ أطروحة في هذا الخصوص. وفيها تأتي شاعرة وأستاذة أدب، هي السيدة لطيفة حرباوي، لكي تستمع إلى محاضرتك في مدينة بسكرة، وبعد انتهاء المحاضرة تتعرف إليك حاملةً هديةً ديوانها الجميل: “لا شمس على مقاسي”.
هل أنا أبالغ؟ ربما. إذ في الجزائر يقرأك الواحد ويعترف بما يقتبسه أو يفيده، على عكس ما يجري في لبنان، وفي بعض بلدان المشرق، حيث القاعدة ليست الاعتراف، بل السطو على الأعمال والتفنن في إخفاء أعمال السرقة. فالواحد (أو الواحدة) يضع كتابك أمامه يأخذ منه ما شاء له من المقولات والصيغ والعبارات، ثم يستشهد بغيرك أو يهاجمك. فتحية إلى الجزائر من العقل والقلب.

الرئيس يقرأ
في العام 2004 أتى الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة إلى بيروت، ليشارك في المؤتمر الذي عقدته “مؤسسة الفكر العربي،” بدعوة من رئيسها الأمير خالد الفيصل، بالطبع في حضور رؤساء لبنان الثلاثة وجمع من الشخصيات السياسية والثقافية. وكانت للرئيس بوتفليقة كلمة تحدث فيها كسياسي معني بالشأن الثقافي، الأمر الذي حملني على أن أقدّم له عبر السيدة خليدة التومي، وزيرة الثقافة الجزائرية يومئذٍ، نسخة من كتابي “العالم ومأزقه”، بالطبع مع كلمة الإهداء التي تليق بمقام الرئيس وتعرّف بالكتاب بوصفه محاولة في الفكر التداولي.
بعد شهور يصلني، عبر الأستاذ فرحان صالح الذي يتردد كثيراً على الجزائر، مغلّفاً من رئاسة الجمهورية، يحتوي على رسالة من الرئيس بوتفليقة تقع في ثلاث صفحات، وفيها يعلّق على الكتاب ويبدي رأيه بالأزمة العالمية، ثم يشكرني على أن أهديتُ إليه كتابي، متمنياً لي أن أواصل جهودي الفكرية، موقّعاً رسالته بتواضع لا يُعهد عن الرؤساء: أخوكم عبد العزيز بوتفليقة. إنها كانت التفاتة كريمة من جانب الرئيس الجزائري، إذ من النادر، في العالم العربي، وربما في العالم، أن يُهدى رئيس كتاباً يقرأه أو يعلّق عليه. وهي تشهد بأن الرئيس الجزائري أولى الشأن الفكري ما يستحقه من الاهتمام.

الانجاز
تشهد الجزائر انجازات لا يمكن المراقب أن يتغاضى عنها أو لا ينوّه بها، إلا إذا كان ذا بصيرة حولاء. يتبدى ذلك في غير مظهر عمراني، من الجسور والأنفاق والسدود، إلى الأوتوسترادات التي تغطي الجزائر طولاً وعرضاً، بالمئات أو بالآلاف من الكيلومترات، من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها.

المدن الجامعية
أتوقف عند المدن الجامعية، التي تبنى، في العاصمة، وبخاصة في عواصم الولايات، وهي مدن حديثة، أقيمت خارج المدن القديمة، على أراض فسيحة لكي تشكل عالماً قائماً بذاته، بأبنيتها وتجهيزاتها، بفضاءاتها ومساحاتها الشاسعة، من بيوت الطلبة إلى قاعات الدرس، ومن المخابر العلمية إلى المدرجات الواسعة، ومن مقر الرئيس أو العمداء إلى المباني التي تضمّ الكليات والأقسام والشعب. لا أبالغ إذ أشهد أن المدينة الواحدة تكاد تعادل منطقة الحمراء في رأس بيروت. هذا ما شاهدته من قبل في مستغانم وتلمسان ووهران، ثم في غالما وسطيف وبجاية، وخصوصاً في قسنطينة.

المكسب
بالإضافة إلى الإنجاز، هناك المكسب الذي يتمتع به الطالب الجامعي. إذ هو ينتقل إلى الجامعة مجاناً، عبر الحافلة، إذا كان بيته لا يبعد أكثر من خمسين كيلومتراً. وإلا في وسعه الإقامة في بيت الطلبة، وفي وسعه أيضا أن يتناول الغداء بما لا يكفي لشراء علبة كبريت. هذا المكسب لا نظير له، لأي طالب عربي، باستثناء دول الخليج، التي هي أصلاً استثناء من حيث قلة سكانها وثرواتها الهائلة. لهذا كنتُ منذ زيارتي السابقة، أشارك في إحدى الندوات، بمدينة مستغانم، خاطبت الطلبة بقولي: لا عذر لكم بعد الآن، فالعدّة موجودة والشروط متوافرة، ولستم بحاجة إلى استئجار زورق الموت للذهاب إلى أوروبا الغارقة في أزماتها. في إمكانكم العمل هنا، بالاستفادة من الخبرات التي يقدّمها الصينيون والبرازيليون في النهضة العمرانية.
كلما أتيت الى الجزائر أكتشف، أكثر فأكثر، أنها تملك ثروات هائلة، هناك الساحل الممتد من الغرب إلى الشرق بشطآنه الجميلة، كما أتيح لي مشاهدتها، من قبل، في مستغانم ووهران، وكما رأيتها بأمّ العين في بجاية، وفي مدينة جيجل بشكل خاص. وهناك المنطقة الخضراء بسهولها الفسيحة ومروجها الأخّاذة. وهناك المناطق الجبلية العالية بقممها وغاباتها. ولا أنسى الصحراء بنفطها ومناجمها ونخيلها وواحاتها… لكل منطقة من هذه المناطق جمالها وسحرها وغناها. من هنا أرى أن الجزائر بكنوزها ومواردها تكفي من الحاجات لأضعاف سكانها، إذا ما استثمرت هذه الموارد بتشغيل العقول وإطلاق الطاقات الحية. هذا محتاج إلى اعتماد استراتيجيا جديدة في النهوض والإصلاح والإنماء، تتغير معها الأوضاع من غير وجه:
– أولاً: لجهة تحول المجتمع في الجزائر إلى مجتمع منتج وفعال، غني وقوي، بحيث يفكر الجزائري في الإفادة من الخبرات التي يقدّمها الصينيون وسواهم من الذين يبنون المدن الجامعية والفنادق والأوتوسترادات والجسور أو السدود. صحيح لا أحد يستغني، اليوم، عن الآخر، أو يكفي نفسه بنفسه، ولكن ذلك لا يعفي الجزائريين من حمل المسؤولية، بحيث يكون لهم القسط الأكبر في الورشة القائمة الآن.
– ثانياً: تطوير العمل الإداري المتعلق بالحياة اليومية للمواطن. فأنا ما أتيت مرةً إلى الجزائر إلا وتأخرت الطائرة ساعة أو حتى ساعات. المنتظر أن تتحول الدولة إلى مؤسسة فعالة، بقدر ما تنجح في محاربة آفة هدر الجهد والوقت والمال، باستخدام الأحدث والأسرع من الأساليب والوسائل في إدارتها للشأن العام، وخصوصاً أن العالم يدخل اليوم في الزمن المتسارع للحداثة الفائقة التي تتطلب الإنتقال من الثقافة الإيديولوجية والنظام البيروقراطي العمودي إلى الثقافة الديموقراطية، الأفقية والتبادلية.
– ثالثاً: لجهة أعمال التنمية، بحيث تخترع الجزائر نموذجها في هذا الخصوص، لكي تحسن استثمار مواردها الهائلة، وعلى نحوٍ يؤدي إلى تحسين مستوى العيش للجميع، وذلك بابتكار الجديد، البناء والفعال، من المفاهيم والصيغ أو القيم والقواعد.
– ثمة جانب آخر أصبح اليوم محطاً للنظر، هو أن تكون الجزائر، مستقبلاً، مستعدة، ليس فقط لاستثمار الموارد، بل لخلقها، وخصوصاً أن الكثيرين من فلاسفة الاقتصاد والتنمية يقولون لنا بأننا تجاوزنا الثورة الصناعية الأولى لعصر البخار، كما تجاوزنا الثورة الصناعية الثانية لعصر الكهرباء، لأننا أصبحنا على أبواب ثورة ثالثة، قد نستغني فيها عن النفط ومشتقاته، بقدر ما نشتغل بخلق شبكات للطاقة تعمل على تدويرها وإعادة استخدامها.

الإصلاح والثورة
أعتقد أن الجزائر أخذت تكسر منطق المنظومة الإيديولوجية الثورية والحديدية التي تشتغل بالقولبة والتدجين والتطويع. ويؤمل أن تخرج من هذه الحقبة، نحو منطق العلاقات الأفقية المفتوحة، حيث المجتمع هو شبكة تأثيراته المتبادلة وعلاقاته المتحولة باستمرار.
هذا ما تبيّن لي. تسير الجزائر في طريق الإصلاح وحسناً تفعل، لأن الثورة ليست مطلوبة لذاتها. وإنما تحصل في حال الاحباط واليأس من الإصلاح. حتى في المجال السياسي ثمة هامش للحرية في الجزائر، كما يتبين من النقد اللاذع والساخر الذي توجهه الصحافة لسياسة الحكومة ولتصرفات الوزراء. هذا الهامش لم يكن متاحاً في الدول التي انفجرت فيها الثورات العربية، حيث النظام الأمني كان يحصي على الناس الأنفاس، كما كانت الحال في سوريا وتونس وليبيا.
ليس من الحكمة أن ينخرط الواحد في استخدام العنف الثوري لتغيير النظام في بلده، إذا كان ذلك قد يدخله في المجهول، ولا سيما في هذا العصر، حيث نعرف متى تبدأ جولات العنف، ولكن لا نعرف متى تنتهي، إذ عند ذلك يأتي جميع اللاعبين الكبار من الخارج لكي يلعبوا على أرضه، ويحولوها إلى ساحة صراع أو إلى ورقة للمفاوضة أو إلى كعكة لتقاسم الغنيمة.
فلا نكرّرنّ التجارب الفاشلة التي اطاح أصحابها المكاسب، بسبب التهويمات الطوباوية والتشبيحات الإيديولوجية، من جانب المنظّرين، قوميين أو يساريين أو إسلاميين. لهذا يؤمل أن تستمر الجزائر في أعمال الإصلاح والتحديث، بصورة متدرجة، خطوة خطوة، أو قفزة قفزة. فلا ننتظرنّ المعجزة من زعيم أوحد أو بطل منقذ أو داعية مشعوذ. هذه العملة قد تهاوت ودفعت الشعوب أثمانها الباهظة مساوئ ومفاسد وكوارث.

مقتل القضايا
وقد ضربت بلدي مثالاً. فهو كان الملجأ والملاذ والمنبر، للهارب من جور حكومته أو من فقر مجتمعه. مع ذلك كان جيلنا، بسبب العمى الإيديولوجي والتشبيح الثوري، لا يرى المكاسب، فانخرطنا في مشاريع التغيير والتحرير، بعقلية مثالية، طوباوية، نخبوية، بقدر ما قدّسنا القضايا والعناوين حول المقاومة والوحدة والإشتراكية والعدالة. وكانت النتيجة أن انفجرت الحرب الأهلية عام 1975، وهي لم تنته فصولها بعد، بدليل أن لبنان قُبض عليه من جانب الأحزاب السياسية والمنظمات العسكرية المدعومة أو المُسّيرة من جانب الأنظمة العربية أو الإقليمية، مما منع لبنان من أن يعود إلى وضعه الطبيعي، كبلد آمن، مستقر، مزدهر.
الأدهى من ذلك أن الأحوال عادت إلى الوراء، في ما يخص المشكلة الطائفية. فبينما كان هناك من قبل، نوعٌ من التعايش السلمي بين عقلية الطائفة وفكرة المواطنة، في انتظار أن تعلو الثانية على الأولى، تحولت الطائفية إلى مشروع خلاص ونظام حماية لأتباعها في كل طائفة، ولا سيما بعد انفجار الحروب الأهلية في بلدان المشرق العربي بين أصحاب المذاهب الإسلامية.
بذلك تحولت التركيبة المجتمعية، بتعدد مكوّناتها وأطيافها، إلى مصدر للصراع الدائم، مما جعل لبنان يتردد، منذ أربعة عقود بين الحرب والسلم، بين هدنة أو فتنة تطول أو تقصر، وخصوصاً أن ساسته وزعماءه أخفقوا في إدارة الشأن الوطني، إذ لم يعملوا بوصفهم مسؤولين عن بلد أو وطن، بل تصرفوا كأمراء لطوائفهم يتنازعون على الحصص والمكاسب، أو كوكلاء لمرجعياتهم الخارجية العربية أو الإقليمية. هذا في حين أن التعدد هو مصدر غنى وقوة، فيما لو تمت إدراته بعقل تداولي مركّب يُحسن أصحابه عمل الجمع والتأليف، للقوى والعناصر والوسائل، بقدر ما يعملون بمفردات الإعتراف والشراكة في المصير وبحس المسؤولية الوطنية، بحيث لا يكون همّ الحاكم منصبّاً على بقائه في السلطة أو على استغلالها لجمع الثروة، بل العمل على تحسين شروط العيش للكافة، وخصوصاً لمَن هم الأقل حظاً في الثروة والسلطة والمعرفة، فيما هم يشاركون على قدم المساواة، مع الجميع، في أعمال الإنتاج والبناء والإنماء. وتلك هي إشكالية العدالة. ما يصدق في لبنان يصدق في الجزائر وفي كل البلدان ذات التركيب المتعدد. فتقديس القضايا وطرح الشعارات الكبيرة على حساب المطالب المعيشية للناس، والعودة عن منطق الدولة والمواطنة والمصلحة العمومية، للإشتغال بلغة الطائفة أو القبيلة أو الإثنية أو الطغمة أو الجهة، مآله تدمير مكتسبات الحداثة وخنق آمال المجتمعات العربية في صنع حياتها وبناء مستفبلها، بصورة سوية، مدنية، ديموقراطية، نامية، متطورة.

قضايا مصيرية
هنا أثير اعتراض، من جانب الدكتور رشيد دحدوح، مدخلهُ القضية الفلسطينة التي لا يزال يعتبرها قضية العرب الأولى. وكانت لي مداخلة معه من نقطتين: الأولى أن القضية الفلسطينية لم تعد كما كانت عليه، في بدايتها عند إنطلاق المقاومة الفلسطينية في نهاية عقد الستينات من القرن المنصرم. لقد تراجعت هذه القضية في سلّم الأولويات القومية على وقع الحروب الأهلية العربية التي تعمل، بدعم من قوى إقليمية ودولية، على تفكيك وتدمير غير بلد عربي، لإعادة رسم خريطته السياسية والسكانية، بتهجير ملايين الناس من ديارهم، وكما يجري في سوريا والعراق بشكل خاص. هذا واقع جديد لا يمكن القفز فوقه: كنا نريد تحرير فلسطين، فإذا بنا أمام نكبات وكوارث واحتلالات جديدة أكثر فداحة وضرراً. ولا شيء بعد الحدث الكبير يعود كما كان عليه. لذا لا مهرب من قراءة الوقائع والتطورات التي تغيّرت معها المعطيات، لإعادة صوغ الرؤى ورسم الاستراتيجيات.
هكذا يدخل المشرق العربي في طور جديد لا توجد فيه قضية مركزية واحدة لبلد دون سواه. ثمة قضايا عديدة هي كلها مركزية ومهمة، وخصوصاً أن مَن كان يعدّهم الفلسطينيون والعرب، بحكم الأخوّة في الدين، داعمين لتحرير فلسطين، قد أسفروا عن مشروعهم العدواني: التوسع في العالم العربي على شكل غزو واحتلال أو تدخل وتخريب. بهذا المعنى نحن ننتقل من القضية المركزية الفلسطينية الواحدة الى القضايا العربية المصيرية المتعددة، وكلها تشهد على أن العالم العربي مستهدف من طرف كل اللاعبين على مسرحه، أكانوا من الأقرباء والحلفاء أم الأصدقاء والأعداء.
أما النقطة الثانية فأساسها الفرق بيني وبين الدكتور رشيد دحدوح. فهو كجزائري لا يزال ينظر الى الثورة الفلسطينية من بُعد. أما أنا فقد عايشت القضية، وخصوصاً أنني كنت من أشد المتحمسين لها بالموقف والكلمة. مَن يختبر الشيء ليس كمَن لا يختبره، تماماً كما أنه لا شيء يعود كما كان عليه بعد التجارب المريرة.
هذا ما حصل بعد دخول منظمة التحرير الفلسطينية الى لبنان، حيث أقام ياسر عرفات دويلته، كما اعترف في ما بعد، على حساب أمن لبنان ومصالحه ووحدته، كبلد مستقل وآمن، الأمر الذي مزّقه شر تمزق وحوّله الى ساحة سائبة ومفتوحة لكل متدخل أو مشعوذ.
المهم هنا أن العمل إنطلاقاً من لبنان قد فجّر الحرب الأهلية، ولم يفد القضية الفلسطينية التي انشغل أهلها بالصراعات على الساحة اللبنانية، سواء بين المنظمات الفلسطينية نفسها، أو بينها وبين الأحزاب اللبنانية المعارضة لوجودها على أرض لبنان، أو بينها وبين الأنظمة العربية التي أرادت ممارسة الوصاية عليها وتطويعها. من المفارقات أن منظمة التحرير الفلسطينية خرجت من بيروت على يد إسرائيل عام 1982، لتخرج بعد أعوام من طرابلس على يد النظام السوري.
الدرس الذي استخلصه من قراءتي للتجربة، أن شقيقك قد يتسلط عليك ويتحكم بك، إذا ما فوّضت له أمرك، وكما هو سائد حتى الآن في العالم العربي، حيث العلاقات، سواء بين الدول أو بين الأحزاب أو بين الطوائف، لا تحكمها قواعد الديموقراطية والمصلحة المشتركة، بل منطق الصراع والقوة أو مشاعر الخوف وعدم الثقة. هذه هي الحال السائدة بين الفلسطينيين. فهم على توالي مصائبهم لا يرحمون بعضهم بعضاً، كما شهدت النزاعات الدموية بين “فتح” و”حماس” على أرض فلسطين، وكما تشهد الإشتباكات المسلحة التي تنفجر بين الفترة والأخرى، بين المنظمات، لكي تعبث بأمن المخيمات في لبنان وتروّع ساكنيها، إما بسبب الصراع على النفوذ وإما تنفيذاً لأجندات خارجية.
ثمة درسٌ ثانٍ يستفاد من التجربة، هو أن القضية الفلسطينية لا تخدمها الأنظمة والدول التي تدّعي دعمها من غير اقتناع، أو التي ترفع شعار المقاومة كذريعة لاكتساب المشروعية، أو كغطاء للتشبث بالسلطة وغنائمها. مَن يخدم القضية هم أهلها في الدرجة الأولى. لذا هي لا تفلح ولا تتقدم إلا على أرض فلسطين، حيث يكون العمل المقاوم هو الأكثر جدوى وفاعلية، والأكثر إحراجاً وفضحاً لمنطق إسرائيل الإستيطاني والعدواني. هذا ما تثبته الإنتفاضات التي تبتكر كل مرة أشكالاً جديدة من المقاومة، بموجاتها المتلاحقة، المفاجئة وغير المتوقعة .
إنطلاقاً من ذلك، أدعم القضية الفلسطينية على أرضها، كما أدعم الثورة السورية أو اليمنية على أرضها، وكذلك الأمر في كل قضية أعتبرها محقة ومشروعة وانسانية. في المقابل، لا أدعو الى قيام ثورة في البلد الذي لا يثور أهله، لأنهم أولى بهذه المهمة.
الدرس الآخر المستخلص هنا أن لبنان، هذا البلد الصغير، ذا التركيب الطائفي المتعدد، قد مزّقته الصراعات العربية والتدخلات الخارجية والقضايا الفرعية التي تخص هذه الطائفة أو تلك الجماعة. لا يعني ذلك أن لبنان يتخلى عن ميزته كمساحة لحرية التفكير والتعبير، وإنما يعني أن لا يتحول الى منطلق للأنشطة السياسية والعسكرية، دعماً لقضايا وأنظمة ينوء بحملها. لقد أتخمنا قضايا خاسرة ومغامرات كارثية تتم لحساب الأشقاء والأعداء، ولكن على حساب لبنان. فهل يتعظ اللبنانيون ويتعلمون أم فات الأوان، وأصبح الإنخراط في الحروب العربية والإقليمية والدولية هو الاولى؟ هكذا يفكر بعض اللبنانيين الذين يعتقدون أن الفوز في حروب الخارج يترجم مكاسب في الداخل. لكن مثل هذه القاعدة لا تعني إلا تفكيك لبنان مقدمةً لإلغاء دوره وتجريده من ميزته، إن لم يكن زواله، مما يعود وبالاً وخسراناً على الجميع.

الاستعمار
من المسائل التي كانت مثاراً للنقاش، علاقة الجزائر بفرنسا. هنا كان رأيي أن علاقة سوية، تبادلية، بين الجانبين، لا تبنى بلغة الذاكرة أو بعقلية الضحية. فالضحايا إذا لم يحسنوا الاشتغال على ذاكرتهم لتحويلها بصورة إيجابية، يتحولون إلى جلاّدين أو ظالمين أو إرهابيين. كما تشهد تجارب الجماعات التي تعرضت للإضطهاد والإبادة. من هنا فالدرس المستخلص: لا لديكتاتورية الضحايا. لا لممارسة الإبتزاز والإرهاب باسم الضحايا، أو ممّن يتلبسون دور الضحية. في المقابل لا تبنى العلاقة، من جهة فرنسا، على عقدة الدولة الامبريالية التي خرجت مهزومةً من الجزائر، بحيث تتصرف كدولة متقدمة، يمكن أن يفاد من علومها ومعارفها وخبراتها. في الجواب على الذين يقولون بأن فرنسا لا تزال تحاول اللعب على الانقسامات الاتنية في الجزائر، كان ردّي أن فرنسا إذ تفعل ذلك، فإنما تلعب بالنار. فالأولى بها أن تهتم بمشكلاتها المتراكمة.
في ما يخص المكوِّن الأمازيغي، ما أراه أن الحل لا يكون بمنطق الضحية، ولا سيما أن البشر ينخرطون اليوم في واقع معولم يتيح تشكيل هويات متعددة اللغة والجنسية والإقامة. لنحسن تشخيص الواقع حتى نحسن معالجته. فلا وجود لهويات صافية أو لمجتمعات تخلو من التنوع والاختلاف والتعارض، لأن ذلك هو الأصل.
مَن يتعامل مع هويته، فرداً أو جماعة، بوصفه ذلك الثابت الذي يتماهى مع ذاته أو يتساوى مع نفسه، إنما تهمّشه المتغيرات ولا يحسن سوى إنتاج مأزقه وتخلفه. ومَن يعتقد أنه يجتمع أو يتّحد مع غيره، لأنه يشبهه تمام الشبه، لا ينتج إلا وحدة فقيرة، ملغمة، تنتظر ساعة الانفجار. إن الوحدة الناجحة والقوية، هي التي يعترف أهلها باختلافاتهم، السياسية أو الاثنية أو الدينية أو الجهوية، لكي يشتغلوا عليها ويقوموا بتحويلها، بصورة بنّاءة ومثمرة، بقدر ما يتعاملون معها بلغة الحوار والشراكة والمبادلة. والهوية الحيوية.
هويتنا ليست وراءنا، عبئاً نحمله أو إسماً يستعمرنا أو أصلاً يستعبدنا، إنما هي أمامنا، أي قدرتنا على أن نتحول، بإتقان لغة الخلق والفتح والبناء، لكي نمارس حيويتنا الوجودية ونشارك في صناعة الحضارة العالمية.

تعليقات الفيسبوك