التناكر المزمن وحجاب المعاصرة .. قراءة في الأعمال الفكرية الجديدة للكاتب والباحث د. البكاي ولد عبد المالك

المواضيع الواردة في أقسام "قال الباحثون" و"قابل للنقاش" لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المركز وإنما تمثّل كتّابها فقط.
 

صدرت أخيرا للأستاذ الجامعي والباحث الكبير في مجال الفكر، ثم المترجم البارز د. البكاي ولد عبد المالك، خمسة أعمال جديدة انضافت إلى أربعة أعمال صدرت له خلال السنوات الماضية، مما يعني حصيلة بلغت تسعة أعمال ما بين مؤلف مختص وترجمة بكر. ولأنني اطلعت على هذه الأعمال الفلسفية والفكرية والاجتماعية المتنوعة، التي تتعانق فيها الترجمة والأعمال النقدية والدراسة فقد استفزتني للتعليق عليها، وذلك لأربعة أسباب:

أولا: وضوح رؤية المؤلف المبثوثة في ثنايا عمله ترجمة وتأليفا.

ولا تكون الرؤية واضحة عادة إلا عندما يصل الكاتب أو الباحث إلى درجة كافية من الإحاطة بالحقل المعرفي الذي يتحرك فيه. ولا شك لدى في أن من اطلع على هذه الأعمال سيصل إلى نفس الاستنتاج فالكاتب اتسم بالإحاطة الكافية بحقل الدراسات الفكرية والفلسفية الذي عمل فيه.

ثانيا: سلاسة أسلوب الباحث، واسترساله، وقدرته على التعبير عن الأفكار الفلسفية ذات العمق بطريقة واضحة، بعيدا عن التعقيد والالتفاف التعبيري على تلك الأفكار الصعبة، فقد كان الأسلوب واضحا، دقيقا في التعبير عن الأفكار والمفاهيم، محققا للإبلاغ المطلوب، دون ابتذال ولا تهويم.

ثالثا: جدية وجهة العمل الذي اهتم به الكاتب، فقد اهتم بمجال لم يسبقه إليه باحث موريتاني – حسب علمي- حيث اتجه إلى إنجاز أعمال ذات طابع فلسفي لا غبار عليه، توطنت محاور الفلسفة الحديثة عبر تاريخها، واستدرجت أقلام مؤرخيها، واندرجت دائما في عمق المسارات الفلسفية العالمية الكبرى، وشكلت الشاغل الأساسي للكتاب والباحثين الجادين في الفكر الإنساني.

رابعا: أن هذه الأعمال، منوعة تنوعا يوحي بأن لدى باحثنا اهتماما واسعا ومنوعا بأطياف فكرية متعددة، ومناح مختلفة، تتراوح ما بين الفكر الغربي في عمقه الفلسفي المختص جدا، وحقل المدونات والبحوث المحلية ذات الطابع الثقافي والاجتماعي والسياسي في مجالنا الجغرافي الغرب صحراوي.

كما أن ترجمات هذه الأعمال خاصة تظهر لأول مرة باللغة العربية رغم شيوعها العالمي وتداولها المحلي باللغة الفرنسية، بالنسبة لبعض النصوص التي ترجمها الكاتب. ورغم أنني هنا لن أزيد على تعليقات موجزة على بعض المنشورات كأمثلة على غيرها، تطلع القارئ على طبيعة الأعمال، إلى أن يتسنى لي الوقت لمناقشتها باستفاضة، لاستيضاح بعض جوانبها؛ فأنا أراهن على أن أي باحث أكاديمي، أو كاتب مهتم بالفكر في بلادنا سيصل إلى استنتاج مشابه لما وصلت إليه، عند اطلاعه على أعمال الباحث الجاد د. البكاي ولد عبد المالك، إذا لم يحل بينه وبين ذلك ما يدعوه البعض بـ “جحاب المعاصرة”، أو ما أدعوه أنا تجوزا: “التناكر المزمن” بين المتعاصرين في أيامنا هذه.

وإنه لتناكر ملفت للانتباه، مما يستدعي منا إعادة النظر في هذا السلوك الذي لا تخطئه عين أحد مهما كان رمدها، حيث يسود صمت متبادل بين منتجي الثقافة والفكر خاصة في وسطنا الأكاديمي والثقافي، فلا ترى باحثا يذكر عمل باحث آخر بخير حتى يرفعه، ولا بشر حتى يخفضه، فكل ما هنالك هو إنكار متبادل، يندى له الجبين. كأنك إذ تقرأ لأحدنا تقرأ نصا خارج أي سياق.

تقرأ نصا لا زمنيا معزولا، لأنه منعدم التواصل مع محيطه، ومع ما كتب حوله أو قبله من نصوص، فيقدم إليك نفسه في النهاية نصا أصم، لم يحاور غيره من النصوص، ولم يحاوره غيره، ولم يستحضر الآخر في ثناياه.. ليصب في النهاية -وفي أحسن الأحوال- ضمن نهر التجاهل الجاري، والتناكر المرضي المتبادل. ولا أحد يجهل النتيجة النهائية لذلك، ألا وهي ترك الباحث المخطئ يعمه في ضلالته يمينا وشمالا إذ لا أحد ينبهه إلى ما قدم من ضلالات، وإلقاء الباحث الجاد في حيرة من أمره: إذ لا أحد سيقول له أين أخطأ ولا أين أصاب؟

لكن حين يرحل الباحث الخام -بطبيعة عدم إسكان فكره في حيزه المحيط به- فحدث ولا حرج عن سيل الآراء السخية المصبوغة بألوان الحداد الغامقة، وهي آراء لا يمكن إلا أن تكون من جنس التنويه المفرط والتقريظ المشط. وهكذا تضيع حقيقة إنتاج الباحثين والمبدعين متنازعة بين حياة ثقافية مسكوت عنها كلية، وموت بيولوجي ممدوح، يطبعه الضجيج، لكنه ضجيج في “الوقت الضائع”، وحسب أغلب الظن أنه سيستفز الراحل من مثواه فيصرخ في وجوه من أنكروه حيا وأشادوا به ميتا.

إن الساحة الثقافية والفكرية –حسب ما أرى- لن تتعافى من ع عقمها، ما لم تخرج على بدعة التناكر المتبادل، لأن الفكر لا يحيا إلا في فضاء مفتوح من الحوار والتفاعل البناء، والفعل ورد الفعل. بالطبع لا قاعدة إلا وفيها استثناء، ولعل بعض الأعمال الأكاديمية، التي استدعتها الضرورة الدراسية للباحثين قد شكلت استثناء في هذه القاعدة حيث أنجزت دراسات عن كتاب ومثقفين موريتانيين من طرف طلاب دراسات عليا كان البحث عن موضوع ما، هو داعيها الأساس، إضافة بالطبع لميل الأستاذ المشرف.

لكن بالنسبة للكتابة الاختيارية عن الأعمال التي ينجزها كتاب وباحثون موريتانيون سواء كانت جادة أو غير جادة، فحدث ولا حرج عن التجاهل الدائم والصمت المطبق. أما الحوار حولها، وتقديمها، وتقويمها، فهو من المستحيلات العشر، إذا كانت ثمة مستحيلات عشر في الكتابة.. لماذا؟

سؤال وأي سؤال! كسرا لهذا الصمت المريب فإنني سأقدم للقارئ والباحث الموريتاني، وبإيجاز بعض الأعمال التي اعتبرها حدثا في مكتبتنا الوطنية، وذلك لأنها من صنف غير معهود ألا وهو الكتابة والترجمة في الفكر والفلسفة، فحسب اطلاعي –مع سهولة الحصر لضيق المجال- لم أعثر على عمل بحثي اختياري مشابه للعمل الذي بين يدي، سواء فيما يتعلق بالترجمة أو بالدراسة الفكرية المعمقة لأفكار فلاسفة كبار من أمثال: اسبينوزا، ونيتشه، وليبنيتز، وميشل فوكو، وهوبز.. وغيرهم.

وإن مثل هذه الأعمال لسداد لثغرة ملاحظة لدى باحثينا، الذين لاشك في قدرة بعضهم على إنجاز أعمال نظيرة، لكن إرادتهم منصرفة عن هذا المنحى، انصرافا لايعدله إلا انصرافها عن القراءة لبعضهم أيا ما أبدعوا، وأيا ما ترجموا، وأيا ما بحثوا.

إن المبدع وغير المبدع عندنا ينالان نفس القيمة التجاهلية، ومن ترجم أعمالا جليلة كمن لم يترجم أي شيء، ولم يسمع بالترجمة أصلا، والباحث الجاد كمن لم يبحث قط. هذا هو الواقع الذي لا يستطيع أحدنا أن يكابر بأنه غير قائم، لذا كان حلم منتجي الثقافة هو أن يكتب أحد ما عن أعمالهم أي شيء، ولو قال: “صدر اليوم للكاتب أو المترجم، أو للباحث الموريتاني، العمل السيئ الفلاني” فإن المكتوب عنه سيشعر بالسعادة لانكسار دائرة التجاهل حوله. فنتيجة لوطأة التجاهل الممض أصبح الانتقاص والثناء سيان، فالمهم أن يرجع للكاتب أي صدى بأنه أنجز شيئا ما.

إن ظاهرة الصمت المطبق عن المكتوب الثقافي، هي الظاهرة التي يمكن أن نسم بها فترتنا، للأسف، لذا أنتهز هذه الفرصة للتذكير بخطورتها، وأطالب بفتح النقاش حول آثارها المدمرة على الحركة الفكرية والبحثية في البلاد، ما دمنا نصر إصرارا متزايدا على ترسيخها ونحرص أشد الحرص على استفحالها وشيوعها بيننا.

لقارئ هذه السطور أن يتساءل: لماذا أحكم بأن أصدارات الباحث الدكتور البكاي حدث جديد على مكتبنا الوطنية؟

إنها كذلك من وجهة نظري لأنها: – من ناحية الترجمة، أضافت للمكتبة العربية عموما والموريتانية خصوصا، عددا معتبرا من الكتب الجادة في حقلها، لأنها تتسم بالمحورية فهي لفلاسفة ومفكرين عالميين، وهي إما ترجمة بكر لتلك الأعمال الفلسفية نحو اللغة العربية، لأنها تظهر لأول مرة، وإما هي دراسة لزوايا من الفكر الكوني بعين باحث موريتاني يتسم بالجدية والاجتهاد في استيفاء الدراسة متطلباتها البحثية العلمية.

وهذا إسهام موريتاني محمود وبارز في ترجمة وتقديم الفكر الغربي عبر اللغة العربية، لم أطلع على نظير له حتى الآن في أعمال باحثينا الوطنيين، رغم علمي بقدرة بعضهم عليه، لكن القدرة قابلية مساوية لعدمها ما لم تتحول إلى إنجاز عملي، وهم لم يحولوا تلك القدرة قط إلى أعمال ميدانية إلى حد الآن.

تصدق صفة الإضافة في المترجمات التي بين أيدينا على الأعمال التي اطلعت عليها جملة، كما أن للدراسات المنشورة نفس الخاصية مع فارق المجال، ولأنني لست في وارد بسط الأمور هنا، فسأذكر ثلاثة نماذج، حسب نوعيات الأعمال، النوع الأول من الأعمال هو رزمة المترجمات عن الفكر الفلسفي العالمي، وسأقدم منه نموذجا دالا.

والنوع الثاني نوع الدراسات الفكرية العالمية، وسأقدم نموذجا من رزمته، والنوع الثالث نوع المترجمات المحلية وسأقدم نموذجا من رزمته. وسأصحب كل نموذج بتعليق مجمل، على أن أذكر في النهاية بقية المنشورات بصفتها البيبليوغرافية على سبيل الإخبار.

على أن أعود للمدونة الصادرة بالتفصيل متى ما أسعفني الوقت بذلك لاحقا، فهي مدونة معتبرة، تستحق القراءة المتأنية، والتعليق المتبصر، والتوطين الفكري المناسب.

نماذج من رزم الأعمال – النموذج الأول: “مقال في ما بعد الطبيعة” ج. ف. ليبنتز، الذي صدر تحت الرقم 14 من السلسلة المعروفة بسمعتها العلمية ضمن الترجمات العربية “سلسلة النصوص الفلسفية”.

ترجمة للمرة الأولى إلى العربية. تقديم وترجمة د. البكاي ولد عبد المالك.

يعطي المترجم والمقدم إنارة موجزة حول فلسفة صاحب الكتاب المترجم قائلا: “إن فلسفة ليبنيتز هي عبارة عن حقل عرف نموا لاتجاهين فكريين متعارضين في آن واحد: تيار الحداثة.. بما تحمله هذه العبارة من إيمان عميق بقيم الثورة على التقليد، التي تتمثل أساسا في الإيمان بالعقل وفي الإرادة التأسييسية، والقطع عن القديم مهما كلف الثمن، لكننا نجد في ذات الفلسفة نوعا من “الوعي الارتكاسي” تمثل فيما يمكن أن نسميه بـ “التيار المناهض للحداثة” عند لايبنيتز، والذي تمثل في دفاعه المستميت عن بعض الأطروحات المدرسانية، فغالبا ما نجد لديه تلازما بين الهجوم على ديكارت وأصحاب النزعة النزعة الميكانيكية والتفسير الآلي للطبيعة، مع إعادة الاعتبار للمدرسانيين.

” تعليقا على هذا الاستعراض الأنف من د. البكاي، فإنني أرى وبإيجاز شديد: أنه ما من شك في أن فلسفة لايبنيتز بأرضيتيها المختلفتين: العبقرية الرياضية العلمية الصارمة من جهة، والتضلع من التعاليم اللاهوتية المدرسية من جهة أخرى، قد جعلت الثنائية تطبع فكر هذا الفيلسوف بنوع من التباين بين المشتقات الذهنية لفكره خلال استنتاجاته الفلسفية. وهذا التباين قد لا يقتصر على هذا الفيلسوف وحده، إذ هو سمة بارزة لأزمة التباين التي عاشها فلاسفة الحقبة الحديثة وعلماؤها في التوفيق بين اعتقاداتهم الدينية الراسخة، واستنتاجاتهم الباهرة في حقل العلم، وهي أمارة على التمزق الداخلي في النسيج الفكري بين وضعين، كان صدامهما وتنافرهما الأصلي ميزة الفكر الحديث.

وفي رأيي أن هذا التمزق الداخلي، والتباين في الأرضيات، لم يزل يستعيد ذاكرته النشطة في نفوس الفلاسفة والمفكرين لاحقا، لأن الازدواجية أصلية رغم الصيغ التنكرية لدى بعض المنظومات الفلسفية مثل فلسفتي فيورباخ وماركس، وسيبقى هذا الوضع قائما مالم يجد الفكر سبيلا واضحا للتخلص من أحد بعدي الإنسان، بعده الروحي المتسيب على القواعد، وبعده المعرفي الذي يدعي دائما الوصول إلى حقائق، ولو اعترف بأنها نسبية.

-النموذج الثاني : مدخل لقراءة اسبينوزا، وهو من صنف الدراسات تأليف د. البكاي ولد عبد المالك .

تقديم د. محمد أحمد الشريف. يقدم المؤلف في هذه الدراسة مقاربة منهجية أعتبرها موفقة، لأنها اختارت لنفسها زاوية نظر منحتها فسحة لمعالجة موضوعها، فبما أن المداخل عادة من صنف التمهيد الصعب فإن زاوية النظر تتحكم في ما يأتي بعدها، وأصعب خيار يواجهه الباحث هو التحيز في زاوية نظر لا تركن به إلى المتداول الاعتيادي لدى من سبقوه من دارسين كثر.

فإذا كان اسبينوزا، الفيلسوف المثير للانتباه؛ بل والاشتباه أحيانا، قد نال من الاهتمام السالب والموجب ماناله منذ نضجه الفكري المبكر، فإن اقتناص زاوية نظر تضيف للدراسات حول فكر هذا الفيلسوف أي إضافة، يعتبرعملا لا يخلو من صعوبات متسلسلة.

ماهي زاوية النظر التي أتصور أن الباحث د. البكاي قد اختارها لتمهيد مدخله إلى قراءة اسبينوزا وهو الفيلسوف المستعصي على القراءة رغم تراكم قراءاته المتتالية عبر التاريخ الفكري الحديث؟

إن الزاوية التي نظر منها الباحث لفلسفة اسبينوزا، هي استخدام منهج تحليلي، شبه تفكيكي استيحاء من منظورين منهجيين لاحقين على الفلسفات النسقية، رغم أن موضوع الباحث هو فلسفة نسقية صارمة تمثلها الاسبينوزية. المنهجان اللذان تبناهما الباحث في زاوية نظره لمنظومة اسبينوزا، دون أن يصرح بذلك تصريحه بمنهجه العام هما: “جنيالوجيا” نيتشه في تحليل ونقد الأنساق وأصول المفاهيم، وتفكيكية ميشل فوكو في حفريات المعرفة.

إن عناق هذين التوجهين على استحياء كان هو الخلفية التي أعطت لباحثنا فسحة نظرية للقراءة، ولولا نظره من عين مخالفة للنسقية لما استطاع أن يضيف لقراءات اسبينوزا الشيء الكثير، لأن قراءة الأنساق من داخلها تحجب الرؤية عن الباحث مهما كانت فطنته وحذره.

هذا المنطلق جعل الباحث البكاي يتوخى البحث عن التمايز، أو التأشير على الفارق، كسند للقراءة، باعتبار أن المتشابه والمتطابق، والمتناسق، لاتقدم القراءة أيا كانت صرامة وسائلها التقليدية، مثل التحليل، والتركيب، أو الاستنباط والاستقراء.

فالقراءة بمعناها الحديث هي قراءة بالمخالف لا بالموافق، وأهم دليل على هذه الخلفية المنهجية هي بحث المؤلف عما لايريد الفيلسوف قوله. إنه يدين الخطاب النسقي للفيلسوف من خلال هذا البحث المراوغ عما لم يقله اسبينوزا، باعتباره هو مايلحد إلى قوله في نهاية المطاف.

إن ثمة أبعادا أخرى يمكن استنباطها من زاوية نظر المؤلف، لكنها تبعدنا عن القارئ غير المتخصص الذي جاءت هذه السطور لتقديم العمل بما يفهمه من مشتركات الخطاب المتداول فكيف قدم الباحث رؤيته المنهجية كمدخل لقراءة فلسفة اسبينوزا؟

يقول الباحث د. البكاي ولد عبد المالك في:”مدخل لقراءة اسبينوزا نستعرض.., بشكل مبسط أسس العقلانية الاسبينوزية وتجلياتها كما عبر عنها الفيلسوف نفسه وكما أرادها أن تكون. فتناولنا في هذا الكتاب فكرة النسق عند اسبينوزا كما تظهر في العلاقة الوطيدة بين حقول معرفية متعددة مثل الميتافيزيقا والمعرفة والأخلاق. فخصصنا الجزء الأول من الكتاب للأسس الميتافيزيقية للمذهب.

ويعد هذا الجزء أهم أجزاء الكتاب نظرا للأهمية التي يوليها اسبينوزا للمبحث المتعلق بالإله وتصور وحدة الوجود في أعماله الفلسفية لأنه هو مفتاح النسق، والأساس الذي تقوم عليه مختلف التصورات الفلسفية الاسبينوزية في ميادين المعرفة والأخلاق والدين والسياسة.

كما تنبع أهميته من أنه كان ولا يزال موضوعا لسجالات فلسفية لا تنتهى. يتكون الجزء الأول من ثلاثة فصول : تناولنا في الأول منها وحدة الجوهر باعتبارها وحدة إشكالية تستوعب الجزء الأكبر من الصعوبات الفلسفية التي واجهت الاسبينوزية.

فبحثنا عن مصادرها الفلسفية المختلفة ومصادر الفلسفة الاسبينوزية عامة وخاصة الشرقية منها، وصياغاتها المتكررة في أعمال اسبينوزا. وخصصنا الفصل الثاني للتبرير العقلي لوحدة الجوهر كما عرضها اسبينوزا وحللها في نصوصه.

أما الفصل الثالث وهو “مفارقات وحدة الجوهر”، فيحمل طابعا سجاليا نقديا لأنه يستعرض في الواقع المعضلات الفلسفية الكبرى التي انتهت إليها بالفعل وحدة الجوهر عند اسبينوزا.

أما الجزء الثاني المخصص للمعرفة فينقسم إلى فصلين يتناول الأول منهما وهو “نظرية التوازي” دلالة هذه النظرية وأهميتها والحلول الفلسفية التي قدمتها لواحدة من أكبر المعضلات التي عرفتها الفلسفة في تاريخها وهي الثنائية الأنطولوجية.

ويظهر هذا الفصل الارتباط الحميم بين الأنطولوجيا الاسبينوزية ونظرية المعرفة، لأن العلاقة بين النفس والجسم ليست مسألة ميتافيزيقية تظهر نظام الأشياء وبنيتها وتراتبها فحسب، بل هي أيضا مسألة معرفية تظهر نظام الأفكار وترابطها، ولا فرق هنا بين الأنطولوجيا والمعرفة.

أما الفصل الثاني فقد ركزنا فيه على مراتب المعرفة ومسالكها عند اسبينوزا وقد ربطنا بينها وبين مصادرها في الفلسفة الإسلامية من خلال اطلاع اسبينوزا الفيلسوف الماراني الأندلسي على أعمال أبي بكر ابن باجة الأندلسي التي ترجمت إلى العبرية وكانت متداولة في أوروبا على نطاق واسع في تلك الآونة، أو من خلال وساطة ابن ميمون الذي نقل إليه أفكار ابن باجة مباشرة.

أما الجزء الثالث وهو الأخلاق فيتناول جزءًا مهما من فلسفة اسبينوزا العملية. ويظهر من خلاله أيضا فكرة النسق عند الفيلسوف، لأن تحليل الانفعالات ومسألة السعادة لا تنفصل عن المعرفة، مثلما أن المعرفة لا تنفصل عن الأنطولوجيا.

وقد قسمناه إلى أربعة فصول يتناول الفصلان الأولان تحليل الانفعالات وتطور نظرية الانفعال في أعمال اسبينوزا الفلسفية المختلفة، في حين خصصنا الفصل الثالث للعلاقة بين الحرية والضرورة.

أما الفصل الأخير فقد خصصناه للفائدة العملية للأخلاق ودورها في الاكتمال الأخلاقي للفرد و طرق تحصيل السعادة.

وقد سعينا في كل مرة من خلال المنهج التحليلي التركيبي القائم على استقراء النصوص واكتشاف حواراتها الداخلية المباشرة تارة وغير المباشرة تارة أخرى، الصامتة أحيانا والصريحة أحيانا أخرى، إلى الكشف عن مقاصد الفيلسوف لا فيما يقوله فحسب، بل فيما يريد قوله أيضا.

وبذلنا جهدنا من خلال استخدام بعض الإجراءات المنهجية المتمثلة في عمليات العقل الثلاث : التحليل والنقد والمقارنة، في سبيل الكشف عن مظاهر قوة هذه الفلسفة وعن مظاهر ضعفها في آن واحد.”

تعليقا على هذا التقديم أود أن أستعرض فكرة استدعتها قراءتي لهذا العمل، وذلك زيادة على ما أبديته قبل إيراد الاستشهاد من المؤلف بخصوص هذا النموذج. الفكرة تأتي على أضواء ما ألمح إليه الباحث حول منحى العلاقة بين فلسفة اسبينوزا وفلسفة ابن باجه، أستاذ أستاذه ابن ميمون الأندلسي، وابن عربي صاحب الفتوحات المكية أيضا من وراء ذلك في محل آخر من الكتاب، وهو منحى لا غبار عليه.

ووجه ملاحظتي ليس الكشف عن هذه العلاقة بالتحديد لأنها استنتاج قائم، وإنما ذلك الإصرار المريب من مؤرخي الفكر الغربي على إنكار التأثر بالفكر الشرقي، وهو أمر يدل بجلاء على أن تفكير هؤلاء المؤرخين ليس بخير في كل الأحوال. لقد جرب العرب وهم حملة الفكر في القرون الوسطى مسألة التأثر، لكنهم أعلنوا صراحة عن مصادرهم الفكرية الخارجية، حتى كادوا يدسون فكرهم الذاتي في المنظومة الفلسفية اليونانية حتى سموا أرسطو المعلم الأول، وكذا وصل بهم الأمر إلى إدراج كل (…) الفقهية والكلامية في الحكمة والنظر، بإخضاع وارد الشرع لوارد الحكمة أحيانا كثيرة، من وراء التبني العلني لآلة المنطق، فكيف ينكر سدنة التأريخ للظاهرة الفكرية الغربية الحديثة تأثر أسلافهم بالفلسفة المشرقية ذات الأصول اليونانية، وكما فهمها المشارقة، وأولوها، وبنوا على أساسها تصوراتهم؟ وأنا هنا أتبرأ من النرجسية المعرفية العربية الإسلامية، إنما فقط أستغرب أن يستشري هذا الإنكار بين صفوف المؤرخين للثقافة الغربية، مما يضطرهم أحيانا لغض النظر عمدا أو جهلا عما يوجد خارج دائرة المنطوق الغربي تاريخيا أوفكريا.

لقد أصبحت آلية تتبع الأفكار نشأة، ونضجا، وتمثلا، عبر تتبع الوثائق، والمقارنة، والمقابلة، والشواهد التاريخية المتاحة، بحيث يجري تقديم الأمور في قوالبها الفعلية أمرا لا يمكن التغاضي عنه علميا، وهو ما لايجب أن نحجم نحن عنه متى ما لاحظناه، دون وجل أو تهيب، كما يجب على قراء تاريخ الأفكار الغربيين أن يعلنوه متى ما اتضح لهم بالقرائن دون أي حرج، فالأفكار تتحول من حضارة إلى حضارة، ولكنها تتطور وتتكيف، وتعيد توطنها في المنظومات المعرفية المتجددة، والأمر لايعدو سلوكا خفيا لا بأس فيه لصيرورة الأفكار الكبرى.

إن الأصالة في التفكير تتطلب منا نحن اليوم في الحضارة العربية أن نسند الأفكار الحديثة المستنتجة غربيا إلى أصحابها بكل أمانة. وبالمقابل فعلى مؤرخي الحضارة الغربية أن لا يجدوا غضاضة في أنهم استفادوا من معارف العرب، وفلسفتهم، كما لم يجد المفكر العربي يوما غضاضة في الاعتراف بأصوله الفلسفية اليونانيية وعلومه كذلك.

عدا عن هذا هذا البعد التاريخي الوارد فإن التعاطي الأمين مع واقع تاريخ الأفكار البشرية يفيد تربويا في تخفيف كثافة المركزيات الثقافية أيا كان موطنها ومتعلقها المعرفي، مما يؤهلنا -في العالم القديم جغرافيا- لرؤية مشتركة حول التشارك في سوق الأفكار باعتباره سوقا للجميع، أسهموا فيه حسب سياقات تاريخية، وعليهم أن يتقاسموا هذا الإرث الفكري الذي هو في حقيقته ملك للجميع. وذاك هو المنحى الطبيعي الفطري الذي تنحو إليه الأفكار، وهو الانتشار والشيوع بين البشر جميعا.

إن تطبيق نظريات الاحتكار الاقتصادي على الأفكار الفلسفية والاستنتاجات العلمية ليس واردا في عصر تدور فيه الفكرة بالكون دورة كاملة في أقل من دقيقة.

وأنا أتصور أننا في هذا السجال المزمن بين مؤرخي الأفكار في الغرب والمشرق، نحشر أنفسنا في شرنقة انفلت منها جزء كبير من العالم هو العالم الآسيوي الشرقي، وبعض الشعوب الأخرى، وإن لم نتجاوز هذا السجال التراثي بإحقاق الحق، وتقليص المركزيات الثقافية فنحن سنحبس أنفسنا في جدلية تراثية شاغلة عن الإبداع والتجديد.

لقد كانت قراءة فلسفة اسبينوزا من منظور تاريخاني لدى الباحث د. البكاي ولد عبد المالك، مناسبة لي للحديث عن هذه الفكرة التي أراها مفيدة وواردة لحسم الجدل المزمن حول تأثر المفكرين الغربيين بالفسلفة العربية الإسلامية، وهو أمر لم يتحرج منه أولئك الفلاسفة أنفسهم في فترة معينة، حيث كانت موضة المؤسسين الاطلاع على الفكر العربي الإسلامي وإتقانه؛ لكن علينا نحن بالمقابل أن نفهم أن تلك الأفكار التي استنتجها مفكرون وفلاسفة عرب توطنت في منظومات فلسفية أخرى، وانطبعت بطابعها، وهي ليست ملكا لنا، ننازع فيه كما ننازع في العقارات والأملاك الخاصة، كما أن الأفكار الغربية والمنظومات الفلسفية لم تعد ملكية خاصة للحضارة الغربية التي أنتجتها.

صحيح أنه لا أحد يجهل اليوم تلك النزعة الاحتكارية للعلوم التقنية، والاستنتاجات الرياضية، بداعي التداخل ما بين المصالح السوقية الاحتكارية ونزوع العلم للشيوع، لكن الأيام كفيلة بكسر هذا الاحتكار المتكلف، لأن منطق العلم يحرم الاحتكار، ويمجد حرية الفكرة، سواء كانت ذات قيمة تداولية معرفية أو ذات قيمة تداولية نفعية.

و إن رأى القارئ الكريم أنني حشرت هذه الفكرة المتشعبة في سياق غير سياقها، فإنني أجيبه بأن خصوبة الأفكار تكمن في قابليتها لتوليد أفكار أخرى، وليس في قيمها التاريخية المتجاوزة أحيانا كثيرة.

النموذج الثالث : هو من رزمة المترجمات المحلية المؤلفة من كتابين وعنوانه: دراسات حول الإسلام في موريتانيا. الشيخ سيدي. الفاضلية. إدواعلي.

ويتحدث المترجم في مقدمته عن أهمية الكتاب في سياقه التاريخي والاجتماعي والسياسي، ورواجعه على مجال البحوث الأتنولوجية والأنتروبولوجية، والمنهج الذي اعتمده صاحبه، مستفيدا من نتائج بحثة الميداني الموسع، وملاحظته الدقيقة.

لقد كانت المقدمة مهمة من زاوية تحديد أفق المؤلف، والقيمة العلمية لعمله، وهو تقديم أفاد في تأطير الترجمة الدقيقة الأمينة لهذا العمل الذي ينير جوانب هامة من التاريخ البشري والاجتماعي لثلاث مجموعات نموذجية هي: زاوية أهل الشيخ سيديا، والطريقة الفاضلية في الصوفية، وقبيلة إدوعلي مثالا للقبيلة الموريتانية النموذجية، كل ذلك في سياق التعاطي مع تحد جديد لم يكن متداولا وهو الاستعمار، مما يكسب الكتاب المترجم أهمية بالغة في المكتبة العربية، إن الترجمة التي بين أيدينا تدل من جهة على اطلاع الكاتب الموسع على أعمال المستشرق الفرنسي بول مارتي، ولكنها تدل أزيد من ذلك على الميل إلى منحى الدراسات الإنسانية والفكرية لدى المترجم د. البكاي.

وهنا ألاحظ ملاحظة أولية بخصوص طبيعة الترجمة: ثمة من يعتقد أن الترجمة لاتحتاج إلى الإحاطة الفكرية والرؤية المنهجية، المستندة إلى آخر ما وصلت استنتاجات الباحثين في الموضوع الذي يقوم المترجم بترجمته، ويعتقد أبعد من ذلك أن الخبرة اللغوية وحدها كافية.

وهذا ليس صحيحا بالمرة، فما لم يكن للمترجم رؤية فائضة عن مجال المتداول الفكري والمعرفي عموما، فإنه يبقى حبيس القفص اللغوي، ومحدداته.

ولاشك أن مترجمنا يملك هذا الفائض الفكري الضامن للترجمة الأمينة. هذا ما اتسع له المقام من حديث، ومجموعة الكتب التي لم يتم الحديث هي من صنف ما تم الحديث عنه منهجا، ووضوحا، وإحاطة مما يجعل المجهود الذي بذله الباحث حقيقا بالتقدير والاحترام، وهو نموذج يحتذى من طرف باحثينا للقيام بمثله، أو أقل منه أكثر. المجموعة المتبقية من المؤلفات والترجمات هي ستة نوردها للإطلاع فيما يلي :

أولا : الترجمات :

1- فوكو صحافيا، أقوال وكتابات. ترجمة د. البكاي ولد عبد المالك، وقد صدر عن دار جداول للنشر والتوزيع ، بلبنان ، 2012

2- يهودانية اسبينوزا، تأليف جنيفييف بريكمان ، ترجمة وتعليق د. البكاي ولد عبد المالك، وتقديم محمد أحمد الشريف، صدر عن جمعية الدعوة الإسلامية العالمية ، طرابلس 2010.

3- مقال في ما بعد الطبيعة ، ليبنتز ، ترجمة وتقديم د. البكاي ولد عبد المالك ، دار الثقافة للطباعة والنشر، سلسلة النصوص الفلسفية ، القاهرة ، جمهورية مصر العربية ، 2004.

4- حياة اسبينوزا، تأليف جان كوليروس، ترجمة وتعليق د. البكاي ولد عبد المالك، صدر عن جمعية الدعوة الإسلامية العالمية ، طرابلس 2010 (على هامش كتاب: مدخل لقراءة اسبينوزا.

5 – دراسات حول الإسلام في موريتانيا، الشيخ سيديا، الفاضلية ، اداوعلي، صدر عن جمعية الدعوة الإسلامية العالمية ، طرابلس 2010.

6- الإسلام والاستعمار في إفريقيا ، الشيخ حماه الله رجل الدين والمقاومة، تأليف المؤرخ علي اتراوري، ترجمة د. البكاي ولد عبد المالك، صدر عن جمعية الدعوة الإسلامية العالمية ، طرابلس 2010.

ثانيا: قسم الدراسات والبحوث :

8- العقل والحرية في فلسفة هوبز السياسية، تأليف د. البكاي ولد عبد المالك. تقديم صالح مصباح ، وقد صدر عن دار جداول للنشر والتوزيع ، بلبنان ، 2013 .

9- نتشه ، الأخلاق والأصل المزدوج، تأليف د. البكاي ولد عبد المالك وقد صدر عن أكاديمية الفكر، والدار الدولية للطباعة والنشر ، القاهرة، 2006 .

10- مدخل لقراءة اسبينوزا ، تأليف د. البكاي ولد عبد المالك ، صدر عن جمعية الدعوة الإسلامية العالمية ، طرابلس 2010.

وعموما فإن الدراسات والترجمات التي قدمها الباحث والكاتب والمترجم الكبير د. البكاي تجعل الدارسين الموريتانيين يحتفون بمثل هذه السلسلة الجادة التي أثرى بها مكتبتنا الوطنية، وهي مكتبة تفتقر إلى الكتب الكبرى، التي تمنح الدارس والطالب أفقا للبحث والدراسة.

كما هي مدعاة للاعتزاز، إذ أن الباحث الدكتور البكاي عبد المالك أسهم ولأول مرة في جهد المترجمين الكبار الى العربية، بكتب متخصصة في مجال الفكر العالمي، فنتمنى أن تكون هذه الأعمال فاتحة لأعمال كبرى أخرى يقوم بها الباحث وغيره من الباحثين الموريتانيين في مجال الفكر والفلسفة عربيا وعالميا، فنحن قادرون على تقديم مساهمات جادة للقارئ العربي تعرفه على أسباب النهضة الفكرية الكونية.

 

 

قلم د. محمدو ولد احظانا

رئيس اتحاد الكتاب الموريتانيين ، باحث حائز على جائزة شنقيط للإبداع مرتين

تعليقات الفيسبوك