الكونية/ عبد الكريم الحر

المواضيع الواردة في أقسام "قال الباحثون" و"قابل للنقاش" لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المركز وإنما تمثّل كتّابها فقط.
 

كثيرا ما ألهمتنا فلسفة أفردريك نيتشه حول مفهوم المطرقة، خاصة في المجال الأتيقي ومعارضته الشرسة للأمر القطعي الكانطي، حيث لم يدخر جهدا في هدم الفكرة الكونية الأخلاقية التي دعا كانط إليها<<ماذا علي أن أفعل؟ إفعل حسب القاعدة التي تريدها أن تكون قانونا كونيا>> ، متوخيا من وراء ذلك سيادة أخلاق كونية شمولية.
الصيغة الفردية التي صاغ بها كانط مقولته، هي النافذة التي أطل منها نتشه حاملا مطرقته، متحيرا كيف لأمر قطعي فردي أن يكون كونيا؟ وأنى لنا التوصل إلى أخلاق كونية في عالم يسوده الاختلاف والتنازع؟ وكأنه يتعجب من غباء كانط، وغير بعيد من ذلك انتهج اغلب الفلاسفة ومن درسوا الفلسفة إلى يومنا نهج النتشوية حول رأيها في الكانطية القطعية. وبالنظر لجائحة الكورونا وما تلاها من نصائح حول “أن علي أن أفعل ما على أي فرد من الركن القصي فعله، كوسيلة للحد من هذه الجائحة”، ألا يذكرنا هذا بأهمية التدبر في قول كانط أن علي فعل ما أريده أن يكون قانونا كونيا، وأنه ليس بالمستحيل التوصل لأخلاق كونية؟” ألم يحن زمن رفع فكرة السوبرمان النتشوية؟
كورونا أرغمنا قصرا لأن ننتبه لمفهوم وكنه الإنسانية، والمساندة باسمها حصرا، كما رد علينا كل قول كنا قد اعتمدناه حول ضرورة تشيء الإنسان، والتخلي عن محوريته. فالكوناتيس الذي نادى به باروخ اسبينوزا هو أصدق مفهوم يمكننا إطلاقه على الصرخات التي تسود العالم الآن، فحب البقاء وما يقتضيه هو شغل العالم اليوم، وهذا ما يقتضي ضرورة وجود قيمة المسؤولية الفردية في إطار المسؤولية الجماعية، التي جسدتها مقولة جون استيوارت مل التي تفصل متى على المجتمع معاقبة أحد أفراده، مجيبا “أن لا حق لأي مجتمع في معاقبة أي فرد من أفراده إلا في حالة أتى الفرد فعلا من شأنه أن يضر الآخرين” واليوم يتركز الإجراء الوقائي في المقام الأول على حظر التجول ومنع التجمعات قدر الإمكان، ومن خالف ذلك دون إذن أو ضرورة يعرض نفسه للزجر اجتماعيا والعقوبة قانونيا، بتهمة الإخلال بالمصلحة العامة، وهو الشيء الذي أصبح جوهر التعاطي مع جائحة الكورونا، حيث على كل فرد أن يفعل لنفسه والعالم في الآن نفسه، كوسيلة لحصر الجائحة، والمحبة الكونية التي دعا إليها محمد عليه الصلاة والسلام في الحديث الشريف “…أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه” وهو المبدأ الذي جسده الدستور المدني المحمدي.
وهكذا إذا رأينا أن الكونية الكانطية التي بدت لنا مستحيلة في زمن ما، قد لاح في الأفق تجسيدها، عمليا قبل الوعي بها نظريا، محكومة بحب البقاء، فهل يعني هذا أننا قد نشهد مدينة فاضلة أفلاطونية وإن على الطريقة الفارابية مستقبلا؟ فالمنطق قد ينكر ذلك، لكن المستحيل يضمحل ويتقهقر الإيمان به غالبا أمام الإرادة البشرية “فالإرادة البشرية قادرة على كل شيء، فنحن فقط من لا نريد”.

تعليقات الفيسبوك