استثمار أموال صندوق الزكاة في المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية

المواضيع الواردة في أقسام "قال الباحثون" و"قابل للنقاش" لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المركز وإنما تمثّل كتّابها فقط.
 

(دراسة شرعية )/ محمد جقدان*

المقدمة:

يعتبر السعي إلى ربط  التنمية الاقتصادية بالتنمية الاجتماعية؛ أحد أهم الأهداف التي وضعت لها المصارف المؤسسات المالية الإسلامية ، وذلك أن الإسلام نظام شامل ومحكم؛ قادر على تنظيم كل جوانب الحياة، وكل ما تطرح من عوائق و مشكلات، ومن أعظم جوانب الحياة، و أكثرها حساسيّة وتأثيرا على  حياة الفرد و المجتمع؛هو الجانب الاقتصادي الذي هو الآخر لاقى نصيبه  من التقعيد، و التقنين و التنظيم، و من أبرز تلك النظم؛ و أهمها على  الإطلاق نظام الزكاة الذي يعتبر وسيلة مهمّة للقضاء على الفقر و السعي إلى مكافحته، لإحداث توازن اقتصادي داخل المجتمع المسلم مما يحقق التنمية،ويساعد على رفع  مستوى دخل الفرد، خاصة في الطّبقات الأكثر هشاشة في المجتمع.

وليس ثمّة شك أن صناديق الادخار، والصناديق التعاونية، لها دور كبير في تطوير و تنمية الاقتصاد، و من أهم هذه الصناديق، صندوق الزكاة، ذلك لما  يمثله من تعاضد و تعاون بين طبقات المجتمع المختلفة؛  فهو يقوم باستثمار أموال الزّكاة بما يعود بالنفع على المستحقين الشرعيين.

و يمثل استثمار المصارف الإسلامية لأموال صندوق  الزكاة، دورا  فعّالا في التنمية، من خلال زيادة نسبة التشغيل، وتوفير التمويل اللازم لأصحاب المشاريع الاستثمارية،و زيادة الناتج المحلي، و امتصاص نسبة البطالة،كما  يساعد كذلك في الارتقاء بمستوى المعيشة للمجتمع،  و إشباع الحاجات الأساسية له، بما توفر تلك المشروعات من سلع، و خدمات أساسية، مع توفير الأرباح لمستحقي الزكاة الشرعيين،  ليتم توزيعها عليهم بشكل مستمر عند كل دورة إنتاجية، لكنه في نفس الوقت يجب أن لا نخرج عن الإطار الشرعي للتصرف بأموال الزكاة، فالتسليم الفوري؛ و قضيّة التمليك الفردي؛ أمران لا يمكن تجاهلهما في  هذا الأمر، لأن ذلك يخرج الزكاة عن مقصدها الشرعي.

1-1-مفهوم الاستثمار في الاقتصاد الإسلامي :

الاستثمار في اللغة هو: طلب على الثّمار، و ثمار الشيء، ما ينتج عنه و تولّد عنه.[1]

و قال في القاموس المحيط:  ثمّر الرجل ماله نمّاه وكثّر هو أثمر كثر ماله.[2]

يعتبر الاستثمار مصطلح حديث في الاقتصاد الإسلامي،  حيث لم يكن يعرف في الفقه الإسلامي؛ كمصطلح لتنمية المال و تكثيره، ولذلك لا يختلف مفهوم الاستثمار في الاقتصاد الإسلامي عن مفهومه في الاقتصاد الوضعي،لأن مصلح الاستثمار ظهر في الاقتصاد الوضعي، إلا أنه سرعان ما أصبح مصطلحا علميا متداولا في جميع المذاهب الاقتصادية.

وعرّف العلماء و الباحثون الاستثمار عدّة تعريفات منها تعريف السيد الهواري، الذي يعرّف الاستثمار بأنه :”توظيف النقود إلى أجل في أصل أو حق ملكية، أو ممتلكات أو مشاركات محتفظ بها للمحافظة على المال أو تنميّته سواء بأرباح دورية، أو بزيادة في قيمة الأموال في نهاية المدة، أو منافع غير مادية”[3]

كما يعرّفه شوقي أحمد دنيا بأنه:” جهد واع رشيد يبذل في الموارد المالية،  و القدرات البشرية؛ بهدف تكثيرها، و تنميّتها، والحصول على منافعها، وثمارها”[4]

1– 2-مفهوم المصارف الإسلامية:

المصرف لغة اسم مشتق من الصرف؛ و هو المكان الذي يتم فيه الصرف[5]،و الصرف في اللغة:”هو رد الشيء عن وجهه[6]، و هو مبادلة  عملة وطنية بعملة أجنبية “[7]

أما في الاصطلاح فيعرّف على أنه: “كل  محل تجاري، يقوم بتجارة المعادن النّفيسة والنقود، و الأوراق ذات الحقوق النقديّة ، و رؤوس الأموال، و من تعزوهم تلك الأموال من هيئات، وشركات،وتتسلم ودائع الناس وتستثمرها”[8]

و يعّرف كذلك بأنه :”مؤسسة  أو شركة مساهمة؛ مكوّنة لغرض التعامل في النقود، و الائتمان،فهو يقدم مكانا آمنا للودائع النقدية، و يمنح السّلف النقدي، و يصدر الأوراق المالية، وغيرها من الوظائف التي تقوم بها”[9]

و هذه التّعريفات لمفهوم المصرف بشكل عام، أما المصرف الإسلامي فيعّرف بأنه: “مؤسسة مالية مصرفية لتجميع الأموال، و توظيفها في نطاق الشريعة الإسلامية،بما يخدم بناء مجتمع التكافل الاجتماعي، وتحقيق عدالة التوزيع، ووضع المال في مسار إسلامي”[10]

1-3-مفهوم الزكاة:

الزكاة لغة:

جاء في معجم مقاييس اللغة: الزّاي و الكاف و الحرف المعتل أصل  يدل على نماء و زيادة، والأصل في ذلك كلّه راجع إلى معنين، وهما النّماء والطهارة.[11]

و الزكاة صفوة الشيء، و ما أخرجه من مال لتطهيره.[12]

الزكاة في اصطلاح الفقهاء:

عرّف فقهاء المذاهب الزكاة بتعاريف متعدّدة مختلفة في المباني  متحدة في المعاني، و من هذه التّعريفات:

تعريف الحنفية:

تمليك جزء مال عيّنه الشارع من مسلم فقير،غير هاشميّ، و لا مولاه، مع قطع المنفعة عن الملك من كلوجه لله تعالى.[13]

تعريف المالكية:

جزء من المال شرط وجوبه لمستحقه،ببلوغ المال نصابا.[14]

تعريف الشافعية:

اسم صريح لأخذ شيء مخصوص، من مال مخصوص، على أوصاف مخصوصة، لطائفة مخصوصة.[15]

تعريف الحنابلة:

حق واجب في مال مخصوص، لطائفة مخصوصة، في وقت مخصوص.[16]

1-4-مفهوم صندوق الزكاة:

يعّرف صندوق الزكاة بأنه : “صندوق خاص تضعه أي منظمة، لغرض جمع الزكاة، و توزيع أموالها، ويكون مستقلا بحساباته، عن حسابات المنظمة، وذلك للطبيعة الخاصة لهذا الصندوق؛الذي تكون موارده محددة، ومصاريفه معينة”.[17]

و تعتبر المصارف الإسلامية من المنظّمات التي تنشئ صناديق الزكاة، و تشرف على إدارتها بغية تحصيل الزكاة، وإيصالها إلى مستحقيها الشرعيين، و من أمثلة ذلك؛ بنك دبي الإسلامي الذي ينص عقد تأسيسه على إنشاء صندوق الزكاة؛ حيث نصت المادة : 72 و ما بعدها على ما يلي:” أن الشركة تنشئ صندوق  الزكاة ملحقا بها، و منفصلا في حساباته، و إدارته عنها لإخراج الزكاة المستحقة،  كما تقبل فيها الزكاة من المساهمين، والمودعين والغير، وللشركة أن تدعو المودعين، و الغير بإنابة الصندوق عنهم في إخراج زكاة أموالهم حسب ما تقرر هيئة الفتوى، و الرقابة الشرعية”[18]

2- موارد صندوق الزكاة:

لصندوق الزكاة ميزانية منفصلة، و تقرير مالي خاص به، و ذلك بسبب خاصة الاستقلالية التي يتمتع بها الصندوق، و يمتلك موارد خاصة و منفصلة عن أموال المصرف، و حساباته وهي في مجملها تمثل أموال الزكاة لكنها ترد من مصادر مختلفة وهي:

2-1-زكاة أسهم المصرف:

لا شك أن زكاة أموال المساهمين، من الموارد الرئيسية لصندوق الزكاة، فعند نهاية كل سنة مالية،  يقوم المصرف الإسلامي باقتطاع الزكاة المستحقة؛ من  أموال أصحاب حقوق الملكية؛ ويتم دفعها في حسابات صندوق الزكاة، و هي الزامية الأداء بخلاف زكاة المودعين، وغير المتعاملين مع المصرف، لأن الصندوق لا يمكن أن يأخذ زكاتهم إلا بإذن منهم، لأن أموالهم لا تدخل في ملكية  المصرف.

2-2-زكاة حسابات الودائع:

تعتبر حسابات ودائع  الاستثمار، موردا أساسيا من موارد صندوق الزكاة، و ذلك عن طريق خصم الزكاة المستحقة شرعا من الأرباح التي حققتها هذه الحسابات،هذا بالإضافة إلى حسابات الودائع الأخرى، التي حال عليها الحول،[19] و كانت قد بلغت حد النصاب الذي تجب فيه الزكاة، وهي اختيارية الأداء بالنسبة لصندوق الزكاة، لأن أصحاب هذه الحسابات لهم الخيّار في وضع زكاة أموالهم حيث شاؤوا.

2- 3-زكاة الأموال الخارجية عن حسابات المصرف:

يضع المصرف الإسلامي حسابات صندوق الزكاة مفتوحة لغير المتعاملين معه من أهالي المنطقة التي ينشط فيها، و ذلك لوضع زكاتهم ليقوم المصرف بتوزيعها و إيصالها إلى مستحقيها، كما يخوّل له استثمارها فيما يخدم ويحقق مصلحة المستحقين للزكاة، وذلك بعد إيصالها إليهم وإذنهم في استثمارها بعد ذلك.

وفي المذهب أنها لا تنقل، و إنما تفرّق على مستحقيها على الفور؛ في الموضع الذي أخذت منه، و لا يجوز نقلها فيما تقصر فيه الصلاة،  إلا إذا نقلت للأعدم الذي لا يقيم  في محل الوجوب، و تنقل كذلك للأقرب، وينقل له أكثرها وجوبا، كما نص على ذلك فقهاء المذهب ، ويقدم فيها الأقرب على باقي القرابة ، تجزئ إذا نقلت كلها،أو فرقت جميعها في موضع الوجوب.[20]

2-4-الهبات و حسابات الاستثمار الخيرية:

من موارد صندوق الزكاة، والتي ليست من أموال الزكاة، تلك  الهبات التي يضعها أصحابها في حسابات صندوق الزكاة، من أجل إنفاقها في العمل الخيري، و كذلك حسابات الاستثمار الخيرية التي تمثل عوائد الصدقات الجارية التي تدفع أموالها إلى صندوق الزكاة لدعم الفقراء والمساكين،وغير ذلك من أوجه الصرف الخيري.

3-الحكم الشّرعي لاستثمار أموال الزكاة:

3-1-حكم استثمار أموال الزكاة في المذاهب الأربعة:

لم نجد الفقهاء القدماء قد  تعرضوا لمسألة استثمار أموال الزكاة، و لكنهم  وضعوا ضوابط من شأنها أن تمنع استثمار هذه الأموال،  كمسألة الفورية، وقضية  التملك الفردي .[21]

فذهب الجمهور المالكية ، و الشافعية، و الحنابلة، و بعض الحنفية، إلى وجوب فورية أداء الزكاة، واختار الحنفية القول بأن تؤدى الزكاة على التّراخي، وهي عندهم  تجب وجوبا موسعا.

مذهب الجمهور:

رأي الماليكة:

ذهب المالكية  إلى أن الزكاة واجبة على الفور، يقول الدّسوقي في الشرح الكبرى  : “و أما بقاؤها عنده و كل ما يأتيه أحد يعطيه منها فلا يجوز”[22]

و قال أيضا: “وجب تفريقها على الفور،بموضع الوجوب، و هو الموضع الذي أخذت منه”[23]

لأنه من المطلوب و الضروري أن توزّع الزكاة في البيئة الاجتماعية؛ التي تنشط فيها الأموال المزكاة،وتظهر فيها حركتها الاقتصادية، و ذلك سعيا في حصول تكافل اجتماعي، وإحداث توازن اقتصادي في تلك البيئة.

رأي الشافعية:

ذهب الشافعية إلى وجوب أداء الزكاة على الفور، و عدم جواز تأخيرها،يقول النووي في روضة  الطالبين وعمدة المفتين أثناء كلامه عن أداء الزكاة: “وهو واجب على الفور ثم الأداء يفتقر إلى فعل ونيّة”[24]

رأي الحنابلة:

يرى الحنابلة وجوب أداء الزكاة فورا، و لا يجوز عندهم تأخيرها،جاء في المغني لابن قدامة : “وتجب الزكاة على الفور،فلا يجوز تأخير إخراجها مع القدرة عليه، و التّمكن منه، إذا لم يخشى ضررا …، فإن أخرها ليدفعها إلى من هو أحق بها، من ذي قرابة، أو ذي حاجة شديدة، فإن كان شيئا يسيرا فلا بأس، وإن كان كثيرا لم يجز”[25]

مذهب الحنفية:

ذهب بعض الحنفية إلى القول بعدم وجوب الفوريّة في أداء الزكاة ،  بينما اختار  البعض منهم القول بجوبها.

جاء في بدائع الصّنائع:” وأما كيفيّة فريضتها، فقد اختلف فيها،  ذكر الكرخيّ أنها على الفور،  و ذكر الجصّاص أنها على التّراخي، و ذكر أبو عبد الله البلحي من أصحابنا، أنها تجب وجوبا موسعا”[26]

فمسألة الفورية يمكن أن يتغلّب عليها من خلال إيصال جزء من أموال الزكاة؛ للمستحقين  لسدّ حاجاتهم الملحة العاجلة، بينما يستثمر الجزء المتبقي، ليعود عليهم بأرباح بشكل دوري خلال كل سنة مالية، مما يساعدهم على حل مشكلاتهم الاقتصادية بشكل مستمر، بدلا من إعطائهم مبغا ماليّا دفعة واحدة ، كما هو معروف في دفع الزكاة العادي.

3-2-حكم استثمار أموال الزكاة عند الفقهاء المعاصرين:

اختلف العلماء المعاصرون في حكم استثمار أموال الزكاة،فذهبت طائفة إلى القول بالجواز،في حين أن البعض الآخر اختار القول بمنع استثمارها.

3-2-1-الرأي القائل بالجواز:

و هو ما ذهب إليه بعض المعاصرين، من أمثال  يوسف القرضاوي، عبد الله الخيّاط، ومصطفى الزّرقا، وعثمان شبير، و محمد عبد اللطيف الفرفور، وغيرهم .

يقول يوسف القرضاوي : ” بناء على هذا المذهب، أي مذهب إغناء الفقير من الزكاة؛  تستطيع مؤسسة الزكاة إذا كثرت مواردها و اتسعت حصيلتها أن تنشئ مؤسسات تجارية ،أو نحو ذلك من المشروعات الإنتاجية الاستغلالية، وتمليكها للفقراء كلها أو بعضها لتدرّ عليهم دخلا ،  يقوم بكفايتهم كاملة، ولا تجعل لهم الحق في بيعها ونقل ملكيّتها لتظلّ شبه موقوفة عليهم”[27]

ليس من المعقول تحويل الزكاة إلى وقف، لأن ذلك يخرج الزكاة عن مقصدها الشرعي، فالتمليك الفردي، والإيصال الفوري؛ مسألتان لا يمكن تجاهلهما في هذا الباب، وحتى لو أخذنا بالتّراخي في إيصال الزكاة الذي يقول به بعض الحنفية، إلا أن قضية التمليك الفردي مسألة لا يمكن تجاهلها في الزكاة.

ويقول عبد الله الخيّاط :” لذلك فإني أؤكد  لهذه الأسباب وغيرها، ضرورة توظيف و استثمار بعض أموال الزكوات في المشروعات الخيرية، والصناعية والتجارية، لصالح  جهات الاستحقاق في الآية  الكريمة، ولاسيّما من جهات العاملين عليها، و الغارمين، و الرّقاب، و ابن السبيل، وفي سبيل الله”.[28]

و في ضرورة استثمار أموال الزكاة، يقول مصطفى الزّرقا :” الاستثمار الذي هو تنميّة المال…، أرى أن كل طرق الاستثمار بمعنى أن يوضع في طريق ينمو به مال الزكاة، فيصبح الواحد اثنين و الإثنان ثلاثة…، و على شرط أن تمارسها أيد أمينة، و أساليب و تحفظات مأمونة، كل هذا جائز، سواء أكان عن طريق تجارة،أم عن طريق الصناعة، أم عن طريق أي شيء يمكن أن يستثمر”.[29]

يقول محمد عثمان شبير:” فإذا جاز استثمار المال الخاص بدون إذن صاحبه، جاز للإمام أو نائبه استثمار المال العام؛ بدون إذن من له نصيب من هذا المال؛ لأن الإمام له حق النظر، و التصرف بالمال بما يحقّق المصلحة للمستحقين، و يرفع الضرر عنهم”[30]

و بهذا الرأي كذلك أخذ بيت التمويل الكويتي، و الهيئة الشرعية لبيت الزكاة الكويتي.[31]

وهذا القول أخذ به و أقره مجمع الفقه الإسلامي، في دورة مؤتمره الثالث بعّمان في الأردن، من 8-13، صفر 1407هـ، الموافق 11-16 تشرين الأول أكتوبر 1986م، حيث قرر ما يلي:[32]

يجوز من حيث المبدأ توظيف أموال الزكاة في مشاريع استثمارية، تنتهي بتمليك أصحاب الاستحقاق للزكاة، أو تكون تابعة للجهة الشرعية المسؤولة عن جمع الزكاة و توزيعها، على أن يكون تلبيّة الحاجة الماسة الفوريّة للمستحقين وتوافر الضمانات الكافية للبعد عن الخسائر.

كما أقرت النّدوة الثالثة لقضايا الزكاة المعاصرة بجواز استثمار أموال الزكاة ، وهي الدورة المقامة بدولة الكويت من 8-9 جمادى الآخر1413هـ ،الموافق 2-3 ديسمبر 1992م وبعد نقاش المشاركين في النّدوة البحوث المقدّمة إليهم في موضوع استثمار أموال الزكاة قرّرت اللجنة ما يلي:[33]

تؤكد النّدوة قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم : 3، 86، 3/7 ، بشأن توظيف أموال الزكاة في مشاريع ذات ريع، و أنه جائز من حيث المبدأ بضوابط أشار القرار إلى بعضها.

يجوز استثمار أموال الزكاة بالضوابط التالية:

  • أن يتحقّق من الاستثمار مصلحة حقيقية راجحة للمستحقين، مثل تأمين مورد دائم لمساعدة هؤلاء المستحقين، أو زيادة أموال الزكاة في حال قلّتها، و أن تكون المنفعة المستحقّة من تلك المشاريع، ضمن إطار الحاجات الأصلية، التي يجب تأمينها من الزكاة، كالمطعم والملبس و المسكن و العلاج و سائر ما لا بدّ منه، و لابدّ أن يقدّر وجود المصلحة ويقدّرها من هو أهل لهذا الأمر.

أن لا تصرف جميع أموال الزكاة في المشاريع الاستثمارية، فلا بد من تحويل جانب منها إلى وجوه الصرف العاجلة، التي تقتضي الصرف الفوري لأموال الزكاة.

أن تستثمر أموال الزكاة بالطرق المشروعة ، وفي المجالات المشروعة، فلا توجّه إلى الاتجار بالمحرّمات،أو التعامل بالربا ، فهذا ممنوع في الاستثمار عامة ، وهو في أموال الزكاة من باب أولى.

أن تتخذ جميع الإجراءات التي تضمن أن يكون الانتفاع بأصل المشاريع، و ريعها محصورا على المستحقين  للزكاة، دون سواهم، فلا ينتفع بها الأغنياء إلا بمقابل مادي ينفق في مصالح المشروع.

أن يسند أمر الإشراف والإدارة على المشاريع إلى ذوي الكفاءة والخبرة الاقتصادية، والأمانة الدّينية، و يمكن أن يشرك عدد من المزكين ذوي الخبرة في مجلس إدارة المؤسسة، فهذا يزيد من اطمئنانهم على الزكاة، و يزيد من ثقة دافع الزكاة.

أن يسبق إنشاء أي مشروع القيام بدراسة جدوى  تضمن أن الربح متحصل ولو بأغلب الظن، أما إذا كان احتمال الخسارة عاليا و نسبة المخاطرة كبيرة فلا يجوز البدء بمثل هذه المشاريع.

أن يكون بالإمكان تنضيض المشروع في أي وقت،و التّضيض هو: تحويل الأعيان إلى نقود ببيعها مثلا إذا بيع المشروع، أو صفّي لأي سبب، يصير ثمنه وكلما بقي منه ضمن أموال الزكاة،  حيث يؤول إلى مستحقي الزكاة  كالمعتاد.

أن تملك هذه المشاريع لجهة إسلامية موثوقة ، وأن تتخذ كافة الإجراءات  القانونية الممكنة، التي تضمن بقاء ملكيّة أموال الزكاة لتلك الجهة ،حتى لا تضيع أصولها ولا تتحول إلى جهة أخرى غير مستحقة للزكاة.

وبخصوص تمليك الزكاة،ومدى جواز إقامة المشاريع بأموال الزكاة، قرّرت اللجنة ما يلي:

التمليك في الأصناف الأربعة الأولى المذكورة في آية مصارف الزكاة  شرط في إجزاء الزكاة، والتمليك يعني دفع مبلغ من النقود، أوشراء وسيلة إنتاج،  كالآلات  الحرفية، و أدوات الصّنعة، وتمليكها للمستحق القادر على العمل.

يجوز إقامة مشروعات إنتاجية من مال الزكاة، و تمليك أسهمها لمستحقي الزكاة، بحيث يكون المشروع مملوكا لهم يديرونه بأنفسهم، أو من ينوب عنهم، و يقتسمون أرباحه.

يجوز إقامة مشروعات خدميّة من مال الزكاة، كالمدارس، و المستشفيات، و الملاجئ ،والمكتبات بالشروط التالية:

ي ستفيد من خدمات المشروع مستحقوا الزكاة دون غيرهم، إلا بأجر مقابل لتلك الخدمات يعود نفعه على المستحقين.

و قد استدلّ القائلون بجواز استثمار أموال الزكاة بأدلة منها:

  1. القياس على استثمار أموال الأيتام مخافة أن تأكله الصدقة ، قال صلى الله عليه وسلم :” من ولي يتيما له مال فليتجر فيه، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة”[34]
  2. أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى عروة البارقي رضيّ الله عنه دينارا يشترى له به شاة، فأشترى له به شاتين فباع إحداهما بدينار، وجاء بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه.[35]
  3. 3       -أنه صلى الله عليه  وسلم و خلفائه الراشدين كانوا يستثمرون أموال الصدقات و يشرفون على تنميتها وحفظها، و من ذلك ما رويّ عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن أناسا من عرينة اجتووا المدينة فرخّص لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتـوا إبل الصدقة فشربوا من ألبانها و أبوالها فقتلوا الراعي و استاقوا الذّود فأرسل رسول الله صلى الله عليه  وسلم،  فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم و سمّر أعينهم و تركهم في الحرة يعضّون الحجارة.[36]
  4. 4       -استدلوا بما جاء في الموطأ عن زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال: خرج عبد الله  و عبيد الله بن عمر بن الخطاب في جيش إلى العراق، فلما قفلا مرا على أبو موسى الأشعري، و هو أمير البصرة،فرحب بهما  و سهل، ثم قال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى : ها هنا مال من مال الله، أريد أن أبعث  به إلى أمير المؤمنين، أسلفكما، فتبيعان به متاعا من متاع العراق، ثم تبيعانه في المدينة، فتأديان رأس المال إلى أمير المؤمنين، و يكون الربح لكما، فقالا: وددنا ذلك ففعل، و كتب  إلى عمر بن الخطاب أن يأخذ منهما المال، فلما قدما باعا فأربحا، فلما دفعا ذلك إلى عمر، قال: أكلّ الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما ؟  قالا :لا ،فقال عمر بن الخطاب إبنا أمير المؤمنين فأسلفكما، أدّيا المال وربحه، فأما عبد الله فسكت،فأما عبيد الله ، فقال:ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا، لو نقص هذا المال ، أو هلك لضمنّاه، فقال: عمر أدياه، فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر: يا أمير المؤمنين ، لو جعلته قراضا، فقال عمر: قد جعلته قراضا ، فأخذ رأس المال و نصف ربحه، و أخذ عبد الله وعبيد الله،ابنا عمر بن الخطاب،  نصف ربح المال.[37]و وجه الاستدلال في الحديث أن ابنا عمر رضي الله عنهم استثمروا مالا من أموال الله تعالى، فهذا دليل على جواز مثل هذه الصورة،[38]  و ذلك أن أموال الزكاة إنما هي من مال الله تعالى.
  5. 5       -أنه لم يرد نص في كيفية صرف أموال الزكاة لمستحقيها الشرعيين، و إنما ترك ذلك للاجتهاد، مراعاة لتغّير أحوال الناس تبعا للزمان والمكان.و في ذلك يقول محمد عثمان شبير: “فإذا كانت الآية قد أغلقت باب الاجتهاد في مجال الزكاة على الأصناف الثمانية، إلا أنها لم تغلق الباب أمام الاجتهاد في كيفيّة حكم استيعاب الأصناف الثمانية،  كما اختلفوا في مقدار ما يعطى الفقير من الزكاة، و هل يكون الصرف على أساس التمليك أم لا ؟[39]
  6. 6       -تحقيق المصلحة للمستحقين، فاستثمار أموال الزكاة يؤدي إلى حصول المستحقين على أرباح  بشكل دوري، هذا بالإضافة إلى ما تخلّفه العمليّة الاستثمارية من  زيادة في نسبة الإنتاج، والمساهمة في القضاء على  البطالة،  و زيادة نسبة التشغيل في المجتمع.

يقول أحمد أزهر بشير: “ففي رأيي ليس هناك أي مانع شرعي لتوظيف الزكاة في مشاريع ذات ريع، يقصد بها استثمار أموال الزكاة لصالح مستحقيها، و ذلك من باب المصلحة المرسلة”[40]

3-2-2-الرأي القائل بالمنع:

و هذا الرأي أخذبه كثير من المعاصرين من أمثال: وهبة الزحيلي، و عبد الله علوان، محمد قطب السيد،عبد الله بن بيّه، و آدم شيخ محمد، و محمد تقي العثماني.[41]

يقول محمد عطا السيد، مبينا رأيه بهذا الشّأن:” إذا كان يقصد استخدام أموال الزكاة في مشاريع ذات ريع مع عدم فيضها على هذه المصارف التي حددها الله تعالى، لا أوافق على ذلك، و أرى أن هذا فيه مخالفة للنص، ومخالفة لروح التشريع”[42]

و يقول محمد تقي العثماني في ذلك:” و الذي ينبغي أن نبتّ فيه أولا، هو أن التمليك هل هو شرط واجب لأداء الزكاة أم لا ؟ و الذي أرى أن مسألة التمليك شرط لأداء الزكاة، و أن الأئمة الأربعة فيما أعتقد كلهم يشترطون التمليك الفردي لأداء الزكاة، و مادامت الزكاة عبادة، يجب علينا أن نحتاط فيه، و لكن الذي أراه أن التمليك المشترط في الزكاة ليس تمليكا جماعيا، يكون في بيت المال أيضا، ولو كان يجوز مثل هذا التملك في الزكاة؛ لما كان هناك معنى لتحديد مصارف الزكاة الثمانية “[43]

و يقول كذلك عبد الله بن بيّه :”  المهم أن المكلّف لا يبرأ إلا بأحد أمرين: بدفع المال للفقير، أو بدفع المال للإمام، لا نجد واسطة أخرى، لو دفعها إلى موكل و الصندوق كموكل،  لو دفعها لشخص آخر، فإنه لا يبرأ ما دامت الزكاة لم تصل إلى يد الفقير…، فيما يخص البند المتعلق  ( سبيل الله ) فيه كلام طويل في الحقيقة”[44]

وإلى القول بمنع استثمار أموال الزكاة ذهبت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية و الإفتاء في المملكة العربية السعودية.[45]

وهو كذلك ما أقره مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره الخامس عشر بمكة المكرمة،بدأت11 رجب 1419هــ، المواقف  31أكتوبر 1988م، حيث قرر ما يلي:.[46]

يجب إخراج أموال الزكاة على الفور، و ذلك بتمليكها لمستحقيها الموجودين وقت وجوب إخراجها، و الذي تولىّ  سبحانه تعيينهم بنص كتابه، قال عزّ شأنه:( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) التوبة 60

لهذا فلا يجوز استثمار أموال الزكاة لصالح أحد من مستحقيها، كالفقراء لما ينطوي عليه من محاذير شرعية متعددة منها: الإخلال بفورية إخراجها، و تفويت تمليكها لمستحقيها؛ وقت وجوب إخراجها، والمضارة بهم.

وأستدل القائلون بمنع استثمار أموال الزكاة بأدلة منها :

1-أن استثمار أموال الزكاة في المشاريع التجارية، و الزراعية، و الصناعية، من شأنه أن يؤدي إلى تأخر إيصال أموال الزكاة إلى مستحقيها، لأن عملية إنشاء المشروع الاستثماري تأخذ فترة قبل الحصول على العوائد المالية، لذلك المشروع رغم أن الفترة الزمنية تختلف حسب نوعية المشروع الاستثماري، و ذلك مما يخالف مسألة الفورية في إيصال الزكاة إلى مستحقيها، التي يقول بها جمهور الفقهاء.[47]

يقول آدم شيخ عبد الله :”إنني أرى أنه لا يجوز بحال أن نجعل سهم الفقراء،أو نقيم من سهم الفقراء؛ مشاريع ذات ريع بل نقضيه حالا، يعني نقضيه فوريا”[48]

2-أن استثمار أموال الزكاة يمنع من تمليك أموال الزكاة للمستحقين تمليكا فرديا،  فالتمليك شرط عند الجمهور، لأن الله تعالى أضاف لام الملك للمستحقين في آية الصدقات، يقول الله تعالى:( … لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ..) [التوبة: 60])

ويقول تقي عثمان:” و الذي أرى أن مسالة التمليك في الزكاة قد جرى فيها النقاش،  و لا يزال منذ سنين، و لكن الرأي السائد عند الفقهاء في السلف و الخلف، هو أن التمليك  شرط لأداء الزكاة “[49]

3-و يرى أصحاب هذا الرأي أن استثمار أموال الزكاة من شأنه أن يعرض هذه الأموال للخسارة و الضياع، و ذلك بسبب ما يعتري التجارة من إمكانية الربح و الخسارة.[50]

4-أن استثمار أموال الزكاة يؤدي إلى إنفاق كثير من هذه الأموال في العمليات  الإدارية للمشروع المستثمر فيه .[51]

5-أن أموال الزكاة تعتبر أمانة بالنسبة للمسؤولين عن إيصال الزكاة إلى مستحقيها،  فيدهم يد أمانة، و لا يحق لهم التصرف، بل عملهم هو حفظ هذه الأموال حتى يتم تسليمها إلى مستحقيها الشرعيين.[52]

يقول آدم  شيخ عبد الله: “أموال الزكاة أمانة في أيدي المسؤولين عنها حتى يسمّوا  أهلها، و شأن الأمانة الحفظ فقط، إن تصرف الإمام أو الساعي في أموال الزكاة بدون تمليك المستحقين لها، أو صرفها عليهم، فغير جائز، إلا في المنافع التي لا تزول أعيانها كالركوب مثلا، أو شرب ألبانها، و ما شاكل ذلك”[53]

بعد عرض القولين نوّد أن نذكر رأي العلامة محمد سالم ولد عدّود)رحمه الله تعالى ) الذي حثّ على ضرورة الصرف المباشر، لأموال الزكاة لحاجة الفقراء إلى ذلك،لكنّه في نفس الوقت ترك باب الاجتهاد مفتوحا للإمام العدل في توزيع أموال الزكاة و استثمارها و توظيفها،  فيما يفيد المستحقين و يعود عليهم بالنفع.

يقول العلامة محمد سالم ولد عدّود)رحمه الله ): “لا ينبغي أن يحرم الفقراء من الصرف المباشر، و لا ينبغي أن نسدّ باب اجتهاد الإمام العدل في توزيع الزكاة، و في توظيفها أو استثمارها، فيما يعود بالخير الأنفع على المستحقين”[54]

3-2-3- الترجيح:

و الذي أميل إليه وأرى صوابه هو القول بمنع استثمار أموال الزكاة ؛ وذلك لأن استثمارها ينافي قضية التسليم الفوري و مسألة التمليك الفردي ، مما ينافي المقاصد الشرعية للزكاة، و لا يمكن جعل أموال الزكاة كأموال الوقف و الصدقات الأخرى ، لكنني  في  نفس الوقت أرى أنه يمكن إيجاد بديل لحل هذه القضية ، وهو استثمار هذه الأموال  بعد تمليكها لمستحقيها بشكل فردي، و إيصال جزء منها إليهم  لسدّ حاجاتهم الملحّة، وأخذ إذنهم في استثمار ما بقي من أموالهم ، ونكون بذلك قد حقّقنا ما للاستثمار من فوائد و مصلحة للمستحقين، و في الوقت نفسه لم نخرج أموال الزكاة عن إطارها الصحيح، وهذا البديل ألخّصه في الخطوات التالية :

1- تحديد نصيب كل فقير و مسكين من أموال الزكاة، و ذلك  بناء على تحديد الشخص المزكي للأشخاص الذين يرغب أن تقسم عليهم زكاة أمواله، مع إرفاق الأمر بلائحة أسماء الأشخاص.

2-يتسلّم كل مستحق جزء من نصيبه من الزكاة و تبقى الأجزاء الأخرى عند الصندوق أو الجهة المسؤولة ليتم استثمارها بعد ذلك .

3-كل مستحق بمفرده يعمل عقد توكيل للصندوق،أو الجهة المسؤولة، يخوّل لها من خلاله استثمار نصيبه المتبقي من الزكاة.

4-يطرح المشروع الاستثمار على شكل أسهم و يتم اكتتاب المستحقين كل حسب المبلغ المتوفرلديه، و تتفاوت نسبة كل مستحق في المشروع حسب نصيب كل واحد من المستحقين.

5-بعد الاكتتاب في المشروع، يتم إرجاع الأموال المتبقية للمستحقين، لأن نصيب كل مستحق سيبقى منه جزء بعد عملية شراء أسهم المشروع.

6-و بعد قيام المشروع و استمراره يتم تسليمه للمستحقين، أو من ينوب عنهم، ليبدأ الصندوق أو الجهة المسؤولة في مشروعات جديدة، مع بداية السنة المالية الأخرى مع مستحقين جدد.

و بذلك يكون كل مزكي قادر على إدخال بعض المستحقين للزكاة في مشروع استثماري يعود إليه بالنفع من خلال الحصول على الأرباح  بشكل دوري.

الخاتمة :

لاشك أن هناك تفريط وتضييع لحقوق المستضعفين التي هم في أمس الحاجة إليها، وذلك باستثمار أموال الزكاة بشكل عام دون تمليكها للمستحقين تمليكا فرديا، فالزكاة مختلفة عن أموال  بيت المال، و الوقف، فهي حل عاجل لسد الحاجات الملحة، و المستعجلة ، و لا ينبغي استثمارها في المشاريع الاستثمارية العامة، و لا إنفاقها بدون تمليكها  بشكل  فردي،وفي الوقت نفسه فإن استثمار هذه الأموال  يعود بالنفع إلى مستحقي الزكاة من خلال زيادة أموالهم و تنميتها، لذلك كان لابد من إيجاد حل لهذه الإشكالية ومنه فقد أقترح الباحث البديل الذي سبق ذكره من أجل حل هذه القضية المطروحة.

انطلاقا من عرض أقوال و أدلة الرأيين يتضح لنا جليا اختلاف العلماء و تباين آرائهم في قضية استثمار أموال الزكاة.

– حيث ذهب بعضهم إلى القول بجواز استثمار أموال الزكاة بشكل عام فيما يخدم المستحقين، و يعود إليهم بالنفع و من أمثال: يوسف القرضاوي، عبد العزيز الخيّاط، و محمد أزهر بشير، وغيرهم.

– فيما ذهب طائفة أخرى إلى القول بمنع استثمار أسهم الفقراء و المساكين، و ذلك لحاجة هؤلاء إلى الإيصال الفوري، و مسألة التمليك الفردي  لكل مستحق، لكنهم قالوا في نفس الوقت بجواز استثمار سهم في سبيل الله،من أمثال:عبد الله بن بيّه ،و آدم شيخ عبد الله، و غيرهم.

– فيما أختار بعض العلماء القول بمنع استثمار أموال الزكاة بشكل عام دون تفصيل، إذ يعتبرون أن استثمار أموال الزكاة يعارض مسألة الفورية، و قضية التمليك، و هذين شرطين لا يمكن الإخلال بهما،ومن هؤلاء: محمد عطا السيد، و محمد تقي العثماني، و غيرهم.

– فيما يرى العلامة محمد سالم ولد عدّود)رحمه الله تعالى)ضرورة الصرف المباشر، لأموال الزكاة لحاجة الفقراء إلى ذلك، إلا أنه كذلك حثّ على عدم إغلاق باب اجتهاد الإمام العدل في استثمار أموال الزكاة إذ أن فيه مصلحة للمستحقين.

– كما يتّضح لنا جليا أهمية مسألة الفورية في إيصال الزكاة إلى مستحقيها، وقضية التمليك الفردي لأموال الزكاة ، وأن هاتين المسألتين لا  تصح عملية استثمار أموال الزكاة  إلا بتحقيقها قبل البدء في العملية الاستثمارية ، لأنه لا تحقق المقاصد الشرعية من الزكاة إلا بتحقيقهما.

* محمد جقدان / باحث موريتاني

قائمة المصادر و المراجع :

1- القرآن الكريم برواية حفص.

2ـ مجلة مجمع الفقه الإسلامي ، العدد 3، المجلد 1

3ـصحيح البخاري،دار ابن  كثير، بيروت، ط1،2002م.

4-سنن الترمذي، دارالغرب الإسلامي،ط1،1996م

5ـ مالك بن أنس،  الموطأ،نشر مصطفى البابي الحلبي، د ط ، 1985م

6 -شوقي أحمد دنيا، تمويل التنمية في الاقتصاد الاسلامي، مؤسسة الرسالة،  بيروت، ط1، 1984م.

7-أنيس إبراهيم، المعجم الوسيط، مادة صرف، المكتبة الإسلامية، ط2،1392هـ

8-خالد عبد الله البريك  الحافي، تنظيم الاستثمار المصرفي في الفقه الإسلامي و القانون الوضعي، دار الفكرالجامعي،الاسكندرية، ط1، 2010م

9-عبد الرزاق الهيتي، المصارف الإسلامية بين  النظرية و التطبيق، دار أسامة، عمان، ط1، 1998م.

10-خالد أمين و حسين سعيد،العمليات المصرفية الإسلامية، دار الأوائل،  عمان، ط1، 2008م

11-ابن فارس، معجم مقاييس اللغة،دار الفكر، 1979م.

12-ابن عابدين،الحاشية،دار عالم الكتب، الرياض، طبعة خاصة، 2003م.

13-الرصاع، شرح حدود ابن عرفة، دار الغرب الإسلامي، ط1،  1993م.

 14-الماوردي، الحاوي، دار الكتب العلمية،د ط، دت

15-ابن النجا الحجاوي، دار المعرفة ، بيروت، ط1، 1994م.

16-لسلوس مبارك، إدارة البنوك الإسلامية لصناديق استثمار أموال الزكاة، بحث مقدم إلى المؤتمر العلمي الثاني حول التمويل الإسلامي غير الربحي( الزكاة و الوقف )  في تحقيق التنمية المستدامة، يومي 20-21 مايو 2013م  مختبر التنمية الاقتصادية و البشرية  في الجزائر جامعة سعد حلب بالبليدة، الجزائر.[1]

17-أسامة عبد المجيد العاني، المصارف الإسلامية و دورها في التنمية البشرية، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط1، 2015م.

18-محمد جلال سليمان، الودائع الاستثمارية في البنوك الاسلامية، موسوعة الاقتصاد الإسلامي،  دار السلام، القاهرة، ط1،  2009م.

19-منذر قحف، الاقتصاد الإسلامي، دار القلم، الكويت، ط،1، 1979م

20-عبد الله ناصح علوان، أحكام الزكاة على ضوء المذاهب الأربعة، دار السلام، الإصدار الأول.

21-الدسوقي، الحاشية على الشرح الكبير، دار إحياء الكتب العربية، د ت،د ط.

22-محمد بن عبد الرحمن الحفظاوي، أحكام استثمار أموال الزكاة و تطبيقاتها، كلية المتعددة التخصصات بالراشدية، المغرب.

23-النووي، روضة الطالبيبن وعمدة المفتين، المكتب الإسلامي، ط3، 1991م،

24-ابن قدامة، المغني، دار عالم الكتب،الرياض،د ط ، د ت

25-الكاساني، بدائع الصنائع، دار الكتب العلمية، بيروت، ط2، 1986م.

  26-يوسف القرضاوي، أثر الزكاة في الأفراد و المجتمعات ، مؤتمر الزكاة الأول،  الكويت.

27-محمد عثمان، استثمار أموال الزكاة أبحاث فقهية في قضايا الزكاة المعاصرة،الكويت،دط،1992م

28-عبد الله بن منصور الغفيلي،نوازل الزكاة، دار الميمان، ط1، 2008م

29-الشيرازي،القاموس المحيط، مؤسسة الرسالة، ط8، 2005م،

30-بن منظور، لسان العرب، مادة ثمر، دار صادر، بيروت، ط1 1384هـ.

31-محمد عثمان شبير، مبدأ التمليك و مدى اعتباره في صرف الزكاة،  بحث منشور بمجلة الشريعة و الدراسات الإسلامية، العدد 22، 1994م

32- فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، المملكة العربية السعودية،

33-قرارات مجمع الفقه الإسلامي، الدورة الخامسة عشرة

34-السيد الهواري، موسوعة الاستثمار، نشر الاتحاد الدولى لبنوك الإسلامية،دط، 1982م.


[1]-ابن منظور، لسان العرب ، م14، مادة ثمر، دار صادر، بيروت،ط1، 1384هــ، ص38

-الشيرازي،القاموسالمحيط، مؤسسة الرسالة، ط8، 2005م، ص:459[2]

-السيد الهواري، موسوعة الاستثمار، نشر الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية، 1982م، 6/16[3]

-شوقي أحمد دنيا، تمويل التنمية في الاقتصاد الإسلامي، مؤسسة الرسالة،  بيروت، ط1، 1984م،  ص:87[4]

-أنيس إبراهيم، المعجم الوسيط، مادة صرّف، المكتبة الإسلامية، ط2،1392هـ ، ص:531[5]

-ابن منظور، لسان العرب ،مادة صرّف، 18/ 26-28[6]

-أنيس إبراهيم،المعجم الوسيط، مادة صرّف،  ص:531[7]

[8]-خالد عبد الله البريك الحافي، تنظيم الاستثمار المصرفي في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، دار الفكر الجامعي،

الإسكندرية، ط1، 2010م، ص:136

-عبد الرّزاق الهيتي، المصارف الإسلامية بين  النظرية و التطبيق، دار أسامة، عمان، ط1، 1998م، ص:26[9]

-خالد أمين و حسين سعيد،العمليات المصرفية الإسلامية، دار الأوائل،عمان، ط1، 2008م، ص:31[10]

-ابن فارس، معجم مقاييس اللغة،دار الفكر، 1979م، 3/17[11]

-الشيرازي، القاموس المحيط ، ص:1118[12]

-ابن عابدين،الحاشيّة، دار عالم الكتب، الرياض، طبعة خاصة، 2003م، 3/171-172-173 [13]

-الرصّاع، شرح حدود ابن عرفة، دار الغرب الإسلامي، ط1،  1993م، 1/140[14]

-الماوردي، الحاوي، دار الكتب العلمية، 3/71[15]

-ابن النّجا الحجاوي، دار المعرفة ، بيروت، ط1، 1994م، 1/242[16]

[17]-بتصرف لسلوس مبارك، إدارة البنوك الإسلامية لصناديق استثمار أموال الزكاة، بحث مقدم إلى المؤتمر العلمي الثاني حول التمويل الإسلامي غير الربحي ( الزكاة و الوقف )في تحقيق التنمية المستدامة، يومي 20-21 مايو 2013م  مختبر التنميّة الاقتصادية والبشرية  في الجزائر جامعة سعد حلب بالبليدة، الجزائر، ص:41

[18]-أسامة عبد المجيد العاني، المصارف الإسلامية ودورها في التنمية البشرية،دار البشائر الإسلامية ،بيروت، ط1، 2015م، ص:200

[19]-محمد جلال سليمان، الودائع الاستثمارية في البنوك الإسلامية، موسوعة الاقتصاد الإسلامي،دار السلام، القاهرة، ط1  2009م، 3/56

-أنظرالدّسوقي، الحاشيّة على الشرح الكبير، دار إحياء الكتب العربية، 1/500-501[20]

[21]-محمد بن عبد الرحمن الحفظاوي، أحكام استثمار أموال الزكاة، وتطبيقاتها، الكلية المتعددة التخصصات،الراشديّة، المغرب، ص:135

-الدّسوقي،  الحاشيّة على الشرح  الكبير، 1/500[22]

-المصدر السابق، 1/500[23]

-النووي، روضة الطالبيبن و عمدة المفتين، المكتب الإسلامي، ط3، 1991م، 2/204[24]

-ابن قدامة، المغني، دار عالم الكتب، الرياض، 4/146-147[25]

-الكاساني، بدائع الصّنائع، دار الكتب االعلمية، بيروت، ط2، 1986م، 2/373-374[26]

-يوسف القرضاوي، أثر الزكاة في الأفراد والمجتمعات ، مؤتمر الزكاة الأول، الكويت ،ص:45[27]

-مجلّة مجمع الفقه الإسلامي،عبد العزيز الخيّاط،العدد3، 1/373[28]

-مجلة مجمع الفقه الإسلامي، مصطفى الزّرقا، العدد 3، 1/404[29]

-محمد عثمان شبير،استثمار أموال الزكاة، أبحاث فقهية في قضايا الزكاة المعاصرة، 1992م، الكويت، ص: 26[30]

-عبد الله بن منصور الغفيلي، نوازل الزكاة، دارالميمان، ط1، 2008م، ص:478[31]

-مجلّة مجمع الفقه الإسلامي، العدد 3، 1/309[32]

-لسلوس مبارك، إدارة البنوك الإسلامية لصناديق استثمار أموال الزكاة، ص:364 [33]

-سنن الترمذي، باب ما جاء في زكاة مال اليتيم.[34]

-صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب سؤال المشركين أن يريهم النبي صلى الله عليه و سلم آية فأراهم أنشقاق القمر.[35]

-صحيح البخاري، كتاب المحاربين من أهل الكفر والردّة،[36]

-الموطأ، كتاب القراض.[37]

-مجلة مجمع الفقه الإسلامي،الشيخ تجاني صابون محمد، العدد3، 1/335[38]

[39]-محمد عثمان شبير، مبدأ التمليك ومدى اعتباره في صرف الزكاة، بحث منشور بمجلة الشريعة والدراسات الإسلامية العدد 22، 1994م، ص:109

-مجلة مجمع الفقه الإسلامي، أحمد أزهر بشير،العدد3 ، 1/416[40]

– أنظر مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد 3، 1/312 ـ 418[41]

-مجلة مجمع الفقه الإسلامي، مداخلة محمد عطا السيد،  العدد 3، 1/383[42]

-مجلة مجمع الفقه الإسلامي، محمد تقي العثماني،  العدد 3، 1/388[43]

-مجلة مجمع الفقه الإسلامي،  عبد الله بن بيّه، العدد 3، 1/416-417 [44]

– أنظر فتاوي اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، المملكة العربية السعودية، 9/454[45]

-أنظر قرارات مجمع الفقه الإسلامي، الدورة الخامسة عشرة، ص:39[46]

-عثمان شبير، استثمار أموال الزكاة، ص:16.[47]

-مجلة مجمع الفقه الإسلامي، آدم شيخ عبد الله ، العدد 3،1/400[48]

-مجلة مجمع الفقه الإسلامي ، محمد تقي العثماني ،  العدد 3، 1/388[49]

[50]-مجلة مجمع الفقه الإسلامي،  آدم شيخ عبد الله، العدد3، 1/353

-مجلة مجمع الفقه الإسلامي،  عبد الله الخياط، العدد 3، 1/398[51]

-مجلة مجمع القفه الإسلامي، آدم شيخ عبد الله، العدد 3، 1/384[52]

-المرجع السابق، 1/384[53]

-مجلة مجمع الفقه الإسلامي، محمد سالم ولد عدّود ، العدد 3، 1/405[54]

تعليقات الفيسبوك