الفلاّن والتّركيبة السّكّانيّة في وسط مالي

المواضيع الواردة في أقسام "قال الباحثون" و"قابل للنقاش" لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المركز وإنما تمثّل كتّابها فقط.
 

عبدو اللاّي يريل صو الباحث في شئون الأفريقيّة، وإعلامي

يُعتبر إقليمُ موبتي من أكثر المناطق في مالي التي يتواجد فيها الفلاّن بأعداد كبيرة، حيث توجد منطقة ماسينا ضمن ذلك الجزء المُهمّ في تاريخ مالي عامّة، وتاريخ فلاّن مالي على وجه الخصوص. تُعدّ ماسينا من ذلك الجزء العريق من الإمارات التي ظلّت متماسكة، وعلى ولاء لامبراطورية مالي إلى آخر المطاف، عقب سقوط سنغاي على يد رماة المغاربة الذين غزوا المنطقة. ومنها انفجرت ثورة إسلاميّة في أوائل القرن التّاسع عشر ضمّت أهمّ المراكز الإسلاميّة مثل جنّى Jenne و تمبكتو Tumbuktu، ومنها نشأ مركز سياسي وإداريّ للدّولة، في مدينة حمد الله تحت قيادة آل الشيخ أحمدو لوبّو، وظلّت غيورة على استقلالها إلى آخر المطاف (1). كما كانت تلك المنطقة دائما مسرحا لأحداث وتطوّرات كثيرة التي دارت بين مختلف القوى  التي حاولت بسط سيطرتها عليها(2).

محافظة موبتي هذه هي المحافظة الخامسة من بين ثماني محافظات في تقسيم الإداري لجمهورية مالي، مع اعتبار عاصمة باماكو محافظة ذات وضع خاصّ. محافظة موبتي أكثر المناطق سخونة  من بين ثلاثة أقاليم التي تقع فيها المنطقة الملتهبة في جمهورية مالي حاليا، وهي: سيغو، موبتي وتومبكتو، و يقول بعض المصادر أنّ أكثريّة سكّان منطقة موبتي هم من الفلاّن، ثمّ يأتي إقليم سيغو بعد ذلك في الترتيب من حيث كثافة الفلاّن فيه، حيث Qurmaari, Nampaala, Kaareeri, Aaqoor  وكلّها مناطق ذات كثافة فلاّنيّة. وتأتي المنطقة التّابعة لتومبكتو في المرتبة الثّالثة، حيث مناطق FARI MAKE, Awsa, Awsa cooki e Awsa cilli، حتّى اجتهد بعض المصادر في تقدير نسبة الفلاّن في ذلك المثلّث بحوالي 70% من إجمالي سكّانه، ويتركّزون (الفلاّن) في جفرابى Jafaraaɓe و تننغو Tenenngu التي تعتبر عاصمة لماسينا.

ويجاور الفلاّن في هذا المثلّث عدةّ قبائل أخرى من أبرزها: بامبارا Bammbara، هابي (Haaɓe/Dogon) ويتركّزون في بانكاس Bankaas، كورو Kuuru وبانجغرا Banjagar  وفي المرتفعات إلى حدود بوركينا فاسو، ويتفاهمون فيما بينهم باللغّة الفلاّنيّة لتعدّد لهجاتهم التي تصل إلى تسع لهجات مختلفة، لذلك لا يتفاهمون فيما بينهم إلاّ باللّغة الفلاّنيّة، سبّى (Seɓɓe/Awooɓe) يتركّزون في جنّى Jenne، وكروبورو Koroborooɓe، وبعض من قبائل بوبوبى Boobooɓe بنسب أقلّ من كلّ من بامبرا  وهابى \دوغون، و سبّى وكروبورو. توجد مجموعات قبليّة أخرى، ولكن هذه القبائل المذكورة هي الرّئيسيّة، مع تواجود الفلاّن الذين يتواجدون في كل أنحاء مالي بلا استثناء، وإن كان بأعداد متفاوتة (3).

كما يجاور الفلاّن في المنطقة أيضا قبائل الطّوارق، وإن كان الكثير منهم (الطّوارق) قد هاجروا من المنطقة في السّنوات الماضية إلى بعض دول الجوار لجمهورية مالي وإلى ليبيا، نتيجة للحروب التي كانت تدور بينهم وبين حكومة باماكو. وحتّى عند عودتهم بعد سقوط نظام الزّعيم الليبي الرّاحل معمّر القذّافي، توجّهوا أكثر إلى إقليم أزواد، (منطقتي غاو Gao وكيدال Kidal). صحيح أنّ بعضهم قد عادوا إلى نامبالا Nampaala و فري مكى Fari Make، ولكن بأعداد أقلّ ممّا كانوا عليه في السّابق قبل هجرتهم منها. وتَحدُث بينهم وبين الفلاّن مناوشات من حين لآخر، حتى منطقة دوانسا Duwansa التي اعتبرتها حركة الوطنيّة لتحرير أزوادMNLA منطقة حدوديّة بين مالي وأزواد، هي منطقة فلاّنيّة بامتياز. ويجاور الفلاّن أيضا في المنطقة؛ قوميّة سنغاي. ورغم وجود هذا الخليط العجيب والتركيبة السّكانيّة المعقّدة، إلاّ أنّهم كانوا يعيشون في سلام دائم، باستثناء بعض الخلافات التي كانت تحدث بين الجيران الرّعاة والمزاعين، أو بين الرّعاة أنفسهم، وتتطور أحيانا إلى المواجهات، ولكن كانت الدّولة تتدخّل بسرعة لاستعابها. لذلك استهداف الفلاّن وحدهم من بين كلّ تلك المكوّنات المتجاورة والمتداخلة من قبل مجموعات دونسو Donso المسلّحة والمدعومة حسب شهود العيان من الجيش المالي، يثير علامات استفهام كبيرة، وتساؤلات كما يثير الشّكوك حول وجود مخطّط ما، يهدف إلى تغيير ديموجرافيّة المنطقة. والغريب في الأمر أنّه يحدث وسط صمت مطبّق من دول المنطقة، والمجتمع الدّولي، والمنظّمات الدّوليّة، كأنّها متواطئة على ما يجري، إن لم تكن مشاركة فيها أصلا  (4)!

من هم هؤلاء الدّونسو؟

أمّا دونسو Donso فهو اسم للقنّاصين التقليديّن في الأصل، ولكنّ المجموعة التي ترتكب جرائم الإبادة في حقّ الفلاّن وغيرهم هناك الآن في وسط مالي باسم دنسو، فهي عبارة عن مليشيا تابعة للجيش المالي، وتتكوّن من عدّة قبائل من بينها بامبرا ودغون، وبعض المكوّنات الأخرى، ويتحدّثون عن وجود عناصر الأجنبيّة الآتية من بعض دول المنطقة ضمن التّشكيلة، وتوجد الشّواهد من الميدان تؤكّد أنّ حكومة باماكو هي مَن وراءهم وتموّلهم بالسّلاح، وهي مَن صنعتهم تحت هذا الاسم الذي له دلالة ثقافيّة لدى قبائل معيّنة في المنطقة. وتشير المصادر ذاتُها إلى أنّ حكومة مالي سبقت أن وجّهت الدّعوة إلى كلّ القنّاصين في المنطقة لحضور اجتماع في مكان ما، يسمّى كمبا لهذا الغرض، وبعد ذلك الاجتماع الذي لم يتسنّ لي تأكّد من تاريخه من المصدر الذي نقلته منه هذه المعلومة الخطيرة بفترة وجيزة، بدأت عمليّات دنسو ضدّ الفلاّن مباشرة. مع التّذكير أنّ تحرّكات مجموعات دونسو هذه ازدادت في السّنوات الأخيرة، حيث رُصدت تحرّكاتها خلال الانتخابات التي جرت في غينيا كوناكري التى أوصلت ألفا كوندى إلى السّلطة 2009، وكذلك في كوت ديفوار في الانتخابات التي أوصلت ألاسان واتارا إلى السّلطة. رغم كلّ هذا، الجيش المالي له تاريخ طويل مع المليشيّات من هذا النّوع، وما مليشيات غاندى Ganda Koy و غاندى إزو Ganda Izo عنّا ببعيد، التي ارتكبت مجازر مروّعة في حقّ الطّوارق في التسعينيّات القرن الماضي (5)…

 

الذّرائع والمبرّرات:

تتذرّع حكومة مالي والموالون لها، أنّ ما يحدث في وسط البلاد؛ لا يتعدّى كونه صراعا بين الرّعاة والمزارعين مرّة، ومرّة أخرى تتذرّع بأنّ الفلاّن في المنطقة متعاطفون مع جبهة تحرير ماسينا الجهاديّة، ويخفون عناصرها الذين يشنّون هجمات بين الفينة والأخرى على الجيش المالي وقو ات الأمميّة المتواجدة هناك. ويتّهمون زعيم الجبهة أحمد كو بأنّه  يهدف على المدى البعيد إلى إقامة إمارة إسلامية ذات طابع فلاّني في مالي، واستعادة أمجاد الفلّان ووجودهم في القارة السمراء، والتي لا يسيطرون على أي دولة بالكامل فيها، وإقامة إمبراطورية فلاّنية في شمال غرب أفريقيا تطبّق الشريعة الإسلامية في بلاد المسلمين حسب زعمهم. ولهذا يعتبرون كلّ فلاّني جهادي أو إرهابي على الأصحّ. وهذا يفسّر لنا طغيان عناصر بامبرا و العناصر ذات أصول مندنغية على تشكيلة مليشيّات دونسو، وظهورها الملحوظ في السّنوات الأخير داخل دول التي ينتمي قادتُها إلى أصول ماندنغيّة، واستهداف الفلاّن في أغلبها، باعتبارهم المنافسين البارزين لهم في قيادة وحكم المنطقة (6).

 

  أخيرا: أقول إن استهداف مكوّن بحجم الفلاّن في المنطقة بهذه الطّريقة البشعة، وبشكل يومي، أمام دول مجموعة الاقتصاديّة لدول غرب أفريقيا والاتّحاد الأفريفي، بل والمنظّمات الدوليّة، كأنّهم متواطئون إن لم يكونوا مشاركين فيها أصلا بشكل أو بآخر، إن لم يتحرّك الجميع لإيقافه، ستؤدّي إلى عواقب وخيمة، وسيكتوي الجميع بناره إذا نفذ صبرهم. رغم كون الفلاّن من أكثر شعوب القارّة مسالمة، منذ استقلال الدّول الأفريقيّة يتعرّضون للمظالم، ولكن لم يرفعوا السّلاح ولو مرّة كما فعلت كلّ الجماعات المقصيّة في القارّة، ولكن أعتقد أنّ ما حدث لهم في السّابق في بعض الدّول في المنطقة؛ لن يتكرّر بنفس النمط مرّة أخرى، إذن، على الجميع أن يتحرّكوا لإيقاف ما يحدث Ko adii nde joorngol sumorta keccol.

وشكرا لكم: عبدو اللاّي يريل صو الباحث في شئون الأفريقيّة، وإعلامي

 

 

 

المصادر:

  • آبو آمدو با: التّصوّف السّياسي في سنغامبيا الكبرى (الحاج عمر تال نموذجا) رسالة دكتوراة.
  • الهادي المبروك الدّالي: قبائل الفلاّن، دراسة وثائقيّة.
  • حمدون با: تسجيل صوتي من الميدان.
  • آمدو با: تسجيل صوتي من الميدان.
  • محفوظ أغ عدنان: (مالي مقيم في برازيل، وباحث في الشّئون الأفريقيّة ومتخصّص في تاريخ المنطقة الملتهبة) تسجيل صوتي.
  • شهود عيان: في غينيا ومالي، والإنترنت.

تعليقات الفيسبوك