زوايا أخرى لدراسة ظاهرة الميلشيات الشيعية وعلاقتها بإيران

المواضيع الواردة في أقسام "قال الباحثون" و"قابل للنقاش" لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المركز وإنما تمثّل كتّابها فقط.
 

فاطمة الصمادي

باحث أول في  مركز الجزيرة للدراسات تشرف حالياً على الدراسات المتعلقة بإيران وتركيا ووسط آسيا، حاصلة على درجة الدكتوراه في العلوم الاجتماعية من جامعة علامة طباطبائي/ طهران، مختصة بالشأن الإيراني لديها عدد من المؤلفات والدراسات المنشورة، منها التيارات السياسيّة في إيران، والتقارب الإيرانيّ-الأمريكيّ، وغيرهما من المؤلفات.

—–

هل يمكن بناء ميليشيا في عشرة أيام أو خمسة عشر يوماً؟

قد يبدو هذا السؤال نكتة أمام تعقيد ظاهرة الميلشيات، والعوامل الجيوسياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تلعب دوراً مهمّاً في تشكيلها. ومع ذلك، فإنّ الجنرال حسين همداني، قائد الحرس الثوري الذي قُتل في حلب، يخبرنا بإمكانية ذلك، وهو ما حدثَ بالفعل في سوريا، وفق شهادة حملها كتاب رسائل الأسماك، الذي صدر في طهران، وتناول السيرة الذاتيّة لهمداني وشهادته بشأن التدخل الإيراني، ونجد على غلاف الكتاب عبارة تعريفية: “رسائل الأسماك سيرة أستاذ الحروب غير المتقارنة في محور المقاومة، وحامل لواء جيش محمد رسول الله (ص)، الشهيد حسين همداني”[1].

 

في واحدة من شهادته من الساحة السورية يفصل همداني في الكيفية التي جرى فيها تنظيم مئات من الشيعة وتدريبهم بشكل مكثف في مدة تراوحت بين 10 أيام إلى 15 يوماً[2].

 

كانت خطة همداني تقوم على اجتذاب الشباب وتجنيدهم في محافظات دمشق وطرطوس واللاذقية وقسم من محافظة حمص التي كانت لا تزال تحت سيطرة النظام. ويورد همداني أنّه كان يتم في كل أسبوع اجتذاب ما يقرب من 600 نفر. كانت تقدم لهم دورات تثقيفية لمدة 12 يوماً، ثمّ ينتقلوا بعدها إلى دورة للتعلم على الأسلحة لمدة ثلاثة أشهر كدورة ابتدائية، يلحقها دورات تكميليّة ومراحل لاحقة. وتبعاً للظرف الذي كان يمر به النظام، جرى اختزال هذه المدة لتكون 12 يوماً تشمل التثقيف والتدريب على الأسلحة[3].

 

ورغم “المصطلحات” المحمّلة بالدلالات العقائدية والدينية، والتي ترافق الحديث عن الميلشيات الإيرانية، إلا أن هذا الكتاب -وهو واحد من المنشورات التي تغصّ بهذه المصطلحات- يحدثنا عن أبعاد ذات طبيعة تتعلق بالدولة ومركزيتها وامتدادها الجيوسياسيّ. ويشرح همداني أسباب التدخل في سوريا، وبعد أن يستعرض كثيراً منها يقول: “ليست هذه الأسباب وحدها ما جعلتنا نقدّم المساعدة لسوريا، لقد كان القائد (خامنئي) يرى أن سوريا هي عمقنا الاستراتيجي”.

في واحدة من زوايا المعالجة تحتاج قضية “الميلشيات الشيعيّة” التي ترعاها إيران، إلى دراستها بصورة أبعد من توصيفها بـ”مجموعات تتلقى المال وتندفع للقتال بحكم الحاجة والفقر واللجوء”، أو حصر فيلق “فاطميون” في قالب واحد، وتصويرهم بأنهم “لاجئون أفغان معدمون تستغل إيران حاجتهم”، لأنه وعلى الرغم من وجاهة هذا الربط ووجود ما يسنده، إلا أنه يتغافل ويسقط البعد العقائديّ والالتزام الذي يبدو جلياً في أحاديث قادته، بل وفي الجمل والتعابير اللفظية التي تصدر عن عائلات المنتمين له، وطريقة لباس نسائهم.

 

ومن بين زوايا الدراسة الضرورية ربط هذه الظاهرة بسعْي إيران لبناء مركزيتها في العالم الإسلاميّ، وفي إطار بناء المركزية هذا تراهن إيران على وجودها في ساحات مثل العراق وسوريا ولبنان وغيرها، وتعتبرها خطوة في سبيل تغيير الجغرافيا السياسية للمنطقة، وهو ما عَبَّر عنه بوضوح نائب قائد الحرس الثوري، الجنرال حسين سلامي، بقوله: “في العراق، لدينا جيش شعبي متصل بالثورة الإسلامية، ويفوق تعداده حزب الله في لبنان عشرات المرات، فضلًا عن مقاومة حلقة المقاومة المركزية في سوريا، على الأرض هناك جيش من الناس المعبئين والمرتبطين بالثورة الإسلامية… إن حاصل هذه المجاهدة العاشورائيّة من شأنه أن يغيِّر موازين القوى لصالح الجمهورية الإسلامية”[4].

 

وهنا تحضر مقولة “تصدير الثورة” كفعل لازم لهذه المركزية؛ فالدلائل على تصدير الثورة الإسلامية إلى عدد من المناطق، كما يقول قائد فيلق القدس قاسم سليماني، “باتت واضحة للعيان؛ حيث وصلت إلى كلٍّ من اليمن والبحرين وسوريا والعراق وحتى شمال إفريقيا”[5]، ولولا هذا الدعم لم يكن لإيران أن تتحدث عن أن “نفوذها بات يمتد من اليمن إلى لبنان”[6].

 

بعد أن كانت الصحافة الإيرانية تتعمد تجاهل الخسائر في سوريا، بدأت تنشر تغطيات مكثفة حول القادة القتلى من الحرس ومن يُطلق عليهم “مُدافِعو الحرم” وتقابل أسرهم، وتعدِّد مزاياهم. وبدأ المسؤولون الإيرانيون يزورون عائلاتهم وينشرون صوراً مع أطفالهم وزوجاتهم وهُنَّ يمجدن ما فعله الأزواج القتلى، ولقيت أسرهم اهتمام ورعاية مرشد الثورة الإسلامية[7]، ولوحظ أن جُلَّ هذه العائلات كان من الأفغان المقيمين في إيران، والذين يقاتل أبناؤهم في تنظيم “فاطميون”.

 

وضمن ما يقدِّمه خامنئي، فإن: “هذه العائلات لها دَيْنٌ في عنق الإيرانيين جميعاً، فقد قاتل أبناؤهم دفاعًا عن حريم آل البيت في سوريا والعراق، وواجهوا أعداء إيران في الخارج. وبدون هذه المواجهة، كان يمكن لهؤلاء الأعداء أن يدخلوا إيران، وإن لم يقفوا في وجههم. فإن إيران كانت مجبرة على محاربتهم في كرمنشاه وهمدان وبقية المدن الإيرانية … هؤلاء (الشهداء) قدموا أرواحهم دفاعاً عن إيران والإيرانيين والثورة الإسلامية … وفوق ذلك فقد ماتوا غرباء”[8].

 

وتتحدث الصحافة الإيرانية عن نشاط للحرس الثوري في ست جبهات، هي: العراق، وسوريا، ولبنان، وفلسطين، وأفغانستان، واليمن. وفيما تعمَّدت إيران نشر صور لقادة الحرس الثوري في سوريا والعراق، لم يحدث ما يماثل ذلك في الجبهات الأخرى[9]. ويصلح فيلق “فاطميون” لدراسة حالة، للتأطير وإعادة التأطير العقائدي للحرس ومنحه وظيفة جديدة بوصفه “مكلَّفاً بتهيئة الأرضية لإمام الزمان”. وقدِّر محلِّلون غربيون عدد القوات الإيرانية المقاتلة في سوريا بـ16 ألف جندي،فضلًا عن أن إيران تسيطر على 60 ألف شيعيّ من ميليشيات متعددة الجنسيات تقاتل في سوريا [10]، إضافة إلى حزب الله ذي الهيكل الإداري المستقل والذي يقال إنه يملك 10 آلاف جندي[11].

 

يميل أحمد زيدان إلى ترجيح فكرة تناقلتها بعض المقالات، ونشرت في الصحافة العالمية وكذلك موقع ويكيبيديا، بأن بداية تأسيس فيلق “فاطميون” الأفغاني تعود إلى بداية الحرب العراقيّة-الإيرانيّة عام 1980، ويرى أنه امتداد لفيلق “أبو ذر”، يوم جنّد الحرس الثوري الإيراني المئات من المقاتلين الأفغان للقتال في صفوفه، مستغلاً وجود الملايين منهم كلاجئين على أرضه، نتيجة الغزو السوفياتيّ لأفغانستان في ديسمبر/ كانون أول من عام 1979[12]. لكن مراجعة لعدد من المقابلات مع قادة للواء ومسؤولين عنه نشرت في الاعلام الإيراني، تؤشر بشكل واضح على أن “فاطميون” ليسوا امتداداً لأ”أبو ذر”، لكن عدداً من قادته لعبوا دوراً في بناء “فاطميون”. ويشترك كلاهما في وجود بُعد عقائدي واضح ممن “آمنوا بثورة الخميني وانخرط كثير منهم في القتال طوعاً”[13]، ويستخدم قادة “فاطميون”  قاموس الأدبيات نفسه الذي يستخدمه الحرس الثوري، من حيث “محاربة التكفيريين”، و”حماية حرم آل البيت”، و”الاستضعاف والاستكبار”.

 

يقول أحد قادة فاطميون (سيد إبراهيم) في مقابلة نشرتها صحيفة كيهان[14]، لقد تكونت النواة الأولى لفاطميون من عدد من الأفغان الذين قاتلوا الاتحاد السوفياتيّ وتلقوا الدعم الحرس الثوري، وكانوا يحملون مسمى “جيش محمد (ص)”، وأيدوا الثورة الإسلامية في إيران، “لقد كانوا محسوبين كقوة من قوات الأمام الخميني”، وكان لهم دور في قتال حركة طالبان[15].

 

ووفقاً لرواية هذه القائد، فعندما بدأت المواجهات في سوريا، طلب عدد قادة الفيلق من الجمهورية الإسلامية مساعدتهم على المشاركة في الحرب. وقدم الطلب كل من سيد علوي وأبو حامد (قائد لواء فاطميون الذي قتل في سوريا). لقد دعمت الثورة الإسلامية في إيران تشكيل “فيلق فاطميون”.

 

تشكلت النواة الأولى من 25 شخصاً، وكانت هي القوة الأولى التي ذهبت إلى سوريا. في وقت مبكر، وعملت كقوة صغيرة إلى جانب المجموعات العراقية مثل “كتائب سيد الشهداء” وجماعات أخرى[16].وبالعودة إلى سيرة مؤسس وقائد لواء ” فاطميون” علي رضا توسلي الذي قتل في سوريا، كما توردها صحيفة كيهان الفارسية، فتوسلي خريج “جامعة المصطفى” وهي الجامعة التي يتخرج منها أعضاء الحرس الثوري، وكان “مؤمنا بأن “الإسلام لا حدود له”. وتقول الصحيفة إنه شارك في الحرب العراقيّة-الإيرانيّة، كما شارك في “المواجهة مع الكيان الصهيوني”[17].

 

ويمكن العودة إلى مقابلة لموقع مشرق نيوز مع الجنرال محمد علي فلكي[18]، والذي عرَّفه الموقع بأنه من قادة الجبهة في سوريا. ويمكن إجمال ما قاله الجنرال فلكي في مقابلته بالتالي:

 

– هناك ضعف في سوريا، آثرَ فلكي عدم الحديث عنه، لكنه ردَّه إلى ضعف داخل إيران.

– أن إيران ذهبت إلى جنوب لبنان لتدافع عن الشيعة وإلى البحرين واليمن.

– أن إيران استطاعت حماية ثلاثة ملايين شيعي في أفغانستان.

– لـ”الجيش الشيعي الحر” جبهة في سوريا وأخرى في العراق وجبهة في اليمن، بقيادة قائد فيلق القدس قاسم سليماني.

– هذا الجيش يأتمر بأمر مرشد الثورة.

– لا يقتصر قوامه على الإيرانيين فقط، بل يتشكل من مختلف شعوب المنطقة.

– ميليشيات “فاطميون” الأفغانية طليعة المعركة في سوريا، يُقدَّم لعناصرها هدية لا تتجاوز 100 دولار شهريًّا.

– هناك مليونا أفغاني في إيران، وشجاعة الأفغان في القتال في سوريا غيَّرت من الصورة النمطية لدى المجتمع الإيراني عن الأفغان.

– هناك ميليشيات أخرى تقاتل في سوريا، منها: “زَيْنَبِيُّون” الباكستانية، وميليشيات “حيدريون” العراقية

– جرى بناء نواة حزب الله السوري من متطوعين سوريين من دمشق ونبل والزهراء ويقاتلون تحت قيادة الحرس الثوري الإيراني في تنظيم موحَّد من حيث الزِّيِّ والراية.

 

تحتاج ظاهرة الميلشيات في بعض جوانبها، إلى قراءتها ضمن أدبيات الجهة القائمة عليها. ولذلك لا يمكن فهمها بدون إدراجها في “الوظائف المقدسة” التي مُنحت للحرس الثوري، ضمن مقتضيات الوجود في سوريا، وغيرها من الساحات، بصورة تجعل هذا التشكيل الثوري يتجاوز كونه “حرس الثورة” الذي جاء لحماية الثورة، ليصبح في واحد من هذه الوظائف “حرس الإمام المنتظر”، وحام للشيعة ومقدساتهم خارج حدود إيران، وهو أيضاً واحد من أدوات إيران لبناء المركزية الإيرانية، من خلال مؤمنين بها وبدورها، وهو ايمان يقوم على أنه دور عابر للجنسيات والحدود.

 

الهوامش:

 

[1] – گلعلی بابایی، پیغام ماهی‌ها (رسائل الأسماك).”انتشارات بعثت 27″ (دار نشر تابعة للحرس الثوري الإيراني)، طهران، 2015-2016.

[2] – المرجع السابق، ص 435- 436

[3] – المرجع السابق

[4] – سردار سلامی در همایش نقش انگلیس در فتنه ۸۸: ارتش مردمی عراق متصل به انقلاب با کمیتی ۱۰ برابر حزب‌الله است/ انصارالله یمن منطبق انقلاب إسلامی حرکت می‌کند، (القائد سلامي في ندوة دور بريطانيا في فتنة (2009): الجيش الشعبي العراقي المرتبط بالثورة 10 أضعاف تعداد حزب الله/أنصار الله في اليمن يتحركون وفقًا لمبادئ الثورة الإسلامية)، وكالة فارس للأنباء، (9دي 1393) 30 من ديسمبر/كانون الأول 2014 (تاريخ الدخول: 10 فبراير/شباط 2015):  الرابط.

[5] – شوقي، فرح الزمان، إيران تبارك تقدُّم “الحوثيين” وتتحدث عن تصدير ثورتها، العربي الجديد، 4 من يناير/كانون الثاني 2015، (تاريخ الدخول: 10 فبراير/شباط 2015): الرابط.

[6] – ولايتي يتحدث عن نفوذ إيراني من اليمن إلى لبنان، صحيفة الحياة، 16 ديسمبر/كانون الأول 2014 (تاريخ الدخول: 11 فبراير/شباط 2015): الرابط.

[7] – ده ایرانی دیگر از جمله یک فرمانده ارشد سپاه در سوریه کشته شدند(عشرة آخرين منهم قائد في الحرس قتلوا في سوريا)، وكالة أنباء الأناضول،31 آب 2016: الرابط.

[8] – دیدار خانواده شهدای مدافعین حرم افغان با رهبر انقلاب + في لم وعکس (لقاء عوائل شهداء مدافعي الحرم مع قائد الثورة، فيلم وصور)، 22 ارديبهشت 1395 (تاريخ الدخول: 2 أكتوبر/تشرين الأول 2016): الرابط.

[9] – سخنان منتشرنشده‌ای از رهبر انقلاب درباره مدافعان حرم رهبر انقلاب: اگر مدافعان حرم مبارزه نمی‌کردند باید در کرمانشاه وهمدان می‌جنگیدیم (حديث غير منشور لقائد الثورة حول مدافعي الحرم: لولا مدافعو الحرم لكان علينا أن نقاتل في كرمنشاه وهمدان)، تسنيم نيوز، 14 بهمن 1394 ش (تاريخ الدخول: 3 أكتوبر/تشرين الأول 2016): الرابط.

[10] – مراد ويسي، ساختار فرماندهی وعملیاتی ایران در خاورمیانه (هيكلية القيادة والعمليات الإيرانية في الشرق الأوسط)، نشرية ميهن، 15 أغسطس/آب 2016، العدد العاشر (تاريخ الدخول: 3 أكتوبر/تشرين الأول 2016): الرابط.

[12] – موقع ويكيبيديا، الرابط.

[13] – لشکر «فاطمیون» چگونه شکل گرفت؟(كيف تشكل فيلق فاطميون)، صحيفة كيهان، 9 خرداد (1394)ش ، تاريخ الدخول: (5 يناير 2018): الرابط.

[14] – صحيفة كيهان، المرجع السابق

[15] – المرجع السابق

[16] – المرجع السابق

[17] – وحيد ظهوري، فاطمیون؛ لشکر سرداران بی‌ادعای مدافع حرم (فاطميون،

[18] – سردار فلكي: «فاطمیون» پیش‌قراول نبرد سوریه بودند/«ارتش» چندین لشکر داوطلب شهادت دارد/ والله به مدافعان حرم ماهیانه حداکثر 100 دلار هدیه می‌دهند (القائد فلكي: “فاطميون” هم طليعة المعركة في سوريا/الجيش قدَّم عددًا من الشهداء/ والله.. مدافعو الحرم يتلقون هدية شهرية هي 100 دولار بالحد الأعلى)، فارس نيوز، 28/ 5/ 1395 ش (تاريخ الدخول: 19 أغسطس/آب 2016): الرابط.

 

تعليقات الفيسبوك