مفهوما التعددية والاختلاف من منظور ما بعد الحداثة

المواضيع الواردة في أقسام "قال الباحثون" و"قابل للنقاش" لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المركز وإنما تمثّل كتّابها فقط.
 

بدر الدين مصطفى أحمد
باحث وأكاديمي مصري، أستاذ فلسفة الجمال والفلسفة المعاصرة بقسم الفلسفة، كليّة الآداب، جامعة القاهرة، مصر. درّس في أكاديمية الفنون وفي جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا

يولي فلاسفة ما بعد الحداثة مفهوما التعددية والاختلاف مكانة متميزة داخل فلسفاتهم؛ فهما من وجهة نظرهم يمثلان الأرضية المشتركة للتفاعل والحوار مع “الآخر” أو “العوالم الأخرى”. وقد وصف فلاسفة ما بعد الحداثة بـ”فلاسفة الاختلاف”، وذلك لأن الفلسفة تحولت على أيديهم من كونها أداة نسقية تبتغي الوحدة إلى أداة مهمتها تفتيت الأشياء وتفكيكها “إن الحاجة تدعو إلى تفتيت الأشياء وتهشيمها… تفتيت الكلمات والجمل والقضايا، تفتيت الكيفيات والأشياء والموضوعات” كما يقول جل دولوز. سيتلاشى مفهوم الجوهر، الذي ظل مهيمنا على التفكير الفلسفي طوال القرون السابقة على القرن العشرين، من الخطاب ما بعد الحداثي، ليحل محله مفهوم “التعددية”. التعددية بكل أشكالها، تعددية الخطاب والمعنى والظاهرة والقوى؛ فالفلسفة هي منطق للتكثر والتضاعف logique de la multiplicité، تضاعف المعنى للشيء وللظاهرة الواحدة. لا يوجد حدث ولا ظاهرة ولا كلمة ولا فكرة إلا ومعناها متعدد، فأي شيء قد يكون هذا أو ذاك وأحيانًا يكون شيئًا أكثر تركيبًا بحسب القوى التي يحوزها. من هنا لا يوجد معنى حقيقي للشيء الواحد، هناك تعددية. وجهات للنظر. تجاوبات مع الأحداث والوقائع. فالظاهرة الواحدة لها أقنعة عديدة و”خلف كل قناع يكمن قناع آخر”. وعلى الفلسفة أن تغزو هذه الأقنعة، وأن تخترقها لا للوصول إلى جوهرها وأصلها، وإنما لكي تعطي لكل قناع معنى جديدًا “أن تكتشف ما يتقنع ولماذا، ومن أجل أي هدف نحتفظ بقناع مع تعديل شكله في كل مرة”. وربما يكون الانطلاقة الحقيقية لهذا الفهم، جاءت مع نيتشه في نقده لمفهومي العقل والحقيقة.

في كتابه الكلمات والأشياء يقدم ميشال فوكو مصطلح “اليوتوبيا غير المتجانسة” l’ utopie hétérogène، ليعبر عن الرؤية ما بعد الحداثية للآخر، وما يعنيه فوكو بهذا المصطلح، هو تساكن “عدد كبير من العوالم المتشظية الممكنة” في “فضاء افتراضي”، أو على نحو أبسط، تواجد فضاءات متجاورة ومفروض بعضها على الآخر. ولا تتوقف الشخصيات في هذه الفضاءات طويلاً عند كيفية حل أو البحث عن إجابة للأسئلة المركزية؟ إلا أنها ملزمة في المقابل بالتساؤل عن “أي عالم هو الذي نحياه؟ ما العمل حياله؟ وأي “أنا” ستقوم بذلك؟… إلخ.

كان من ضمن المآخذ الرئيسة التي أخذها فكر الاختلاف على الفلسفة الكلاسيكية (فلسفة ديكارت وكانط وهيجل) إقصاء الآخر والاستحواذ عليه أنطولوجيا وإبستمولوجيا وسياسيًا. ففي الوقت الذي كانت تقر فيه تلك الفلسفات بأن العالم متعدد ومتنوع، فإنها تحاول دوما إلغاء تعدده وتنوعه في وحدة معنى تَفترض أنها ثابتة. وإذا عُرض عليها أن تفكر في المتعدد الاجتماعي، فإنها ستؤكد أنه غير منسجم أو غير مستوى في وحدة واحدة، لكنها ستحاول أيضا أن توحده وتضمه في وحدة الدولة. منطق الفلسفة الكلاسيكية إذن هو “منطق التطابق” logique de l’identité، سواء تعلق الأمر بتطابق الوعي أو الكوچيتو أو الذات أو الدولة. كل هذه المقولات مطلقة وبواسطتها تحولت الفلسفة إلى تقنية لاختزال الفوارق، وأداة نسقية موجهة نحو إلغاء التعارضات. غير أن الحلم يشكك في وضوح الوعي (دريدا)، والفن يدحض التمثيل (دولوز)، والمنبوذ يخترق الوحدة السعيدة للدولة (فوكو).

كان الفيلسوف الألماني فريدريش هيجل (1770 – 1831) نموذج الفيلسوف الذي اجتمعت في فكره كل المقولات التي جاءت ما بعد الحداثة لتتبنى عكسها. إنه مثال للمفكر السلطوي الذي أراد أن يحكم مستقبل الفلسفة، وهو يرقد في قبره. يقول ألكسندر كوجيف Alexandre Kojive – الذي انتقلت على يديه الهيجلية إلى فرنسا – “إن خطاب هيجل يستنفد كل إمكانات الفكر، فلا يمكننا أن نعارضه بأي خطاب دون أن ينتهي هذا الخطاب إلى أن يشكل جزءًا منه، أو أن يعيد صياغة فقرة من النسق باعتباره عنصرًا مؤسسًا “للحظة” من المجموع”. وأفضل دليل على هذا الغرور الهيجلي، ما ردده إريك فيل من أن هيجل كان ينوي أن يضع للفلسفة نقطة النهاية”. والحق أن هذه الرؤية سواء أكانت منطلقة من هيجل، أم من تلامذته وشراحه، لا يمكن أخذها على محمل الجد، إذ هي ليست إلا نوعا من الغرور البشري الساذج، ولا يمكن أن تفهم إلا في هذا السياق. بالإضافة إلى أن أية نقطة نهاية، سرعان ما ستتحول إلى بداية جديدة.

تمثلت البداية الجديدة التي وجدها فلاسفة ما بعد الحداثة داخل الهيجلية في مفهوم التناقض، الطرف الثانى في معادلة الجدل الهيجلية. فقد احتل التناقض مكانة بارزة في النسق الهيجلي، بصورة ربما لم يسبق لها مثيل في تاريخ الفلسفة. لكن المشكلة أن لحظة الاختلاف في هذا النسق سرعان ما تتحول إلى لحظة تطابق وهوية لتدخل في مركب واحد يتلاشى بداخله أي أثر للاختلاف والتناقض. إنها لحظة التطابق بين الشيء ونقيضه، لحظة انتصار الهوية على الاختلاف، والوحدة على التعدد. إن التناقض عند هيجل يشكل جوهر الاختلاف وليس مجرد نمط من أنماطه، وهذا التناقض سرعان ما يرتد نحو التطابق “إن هذا الاختلاف يٌقحم عنوة داخل تطابق مسبق، فيقاد نحو منحدر التطابق الذي يحمله بالضرورة حيث يشاء، ويجعله ينعكس حيث يريد التطابق”. يتعلق الأمر إذن بتحرير السلب من هيمنة الكل، إطلاق سراحه من داخل النسق، وعدم توقيف عمله بفعل أي تركيب، أو سجنه داخل منطق التعارض. الاعتراف به كآخر لا كنقيض. هذا الآخر قد يكون كتابة (دريدا) أو رغبة (دولوز) أو حمقى (فوكو). إنه “الانسياب اللانهائى للخارج” (بلانشو).

في كتابه “حوارات” يرى دولوز أن إحدى مهام الفلسفة الآن هي الإعلاء من قيمة السلب في الفكر، الجذور أو العشب ضد الأشجار، آلة الحرب ضد آلة الدولة، التعددية ضد الشمولية، قوة النسيان ضد الذاكرة، الجغرافيا ضد التاريخ، الخط ضد النقطة. ويرى دولوز أنه لحل إشكالية الثنائية لابد أن نحدث ثورة في مجال اللغة، أن نناضل ضدها، وأن نبتكر طرقًا مختلفة للتعبير. فموطن الثنائيات هو اللغة “إن اللغة مؤسسة في عمقها على التقسيمات الثنائية: مذكر – مؤنث، مفرد – جمع، تركيب اسمي – تركيب فعلي” وهكذا فنظرتنا للشيء ونقيضه تنطلق من داخل اللغة، إذن ينبغى تحرير اللغة من منطق التعارضات الثنائية “يمكننا دائمًا إضافة “ثالث” إلى “اثنين” ورابع إلى “ثلاث” إلخ “وحتى في حالة وجود حدين فقط؛ فهناك بين الحدين عناصر لا يمكن ضمها إلى أي منهما “المذكر والمؤنث والمخنث”. ينبغي في نظر دولوز إحلال حرف العطف “واو” محل العلاقة “أو”.

مع فكر الاختلاف ستتطور الفلسفة عبر هوامشها، عبر “تفتيت الخط الذي يفصل بين نص وهامشه” (دريدا)، أو “جعل تاريخ الفلسفة مشابهًا لعملية رسم البورتريه في فن الرسم” (دولوز)، أو “أن نتحدث في لغة الذات عن قيمة الآخر” (فوكو). كان “فكر الاختلاف” في أوانه يبدو غريبًا فلم يُنتبه إليه لكنه ما لبث أن أصبح شعارا لجيل وعصر بأكمله.

تعليقات الفيسبوك