جنون عظمة إسلامي؟

المواضيع الواردة في أقسام "قال الباحثون" و"قابل للنقاش" لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المركز وإنما تمثّل كتّابها فقط.
 

حسن أحجيج : مترجم وأكاديمي مغربي، حاصل على دكتوراه في علم اجتماع المقاولات والتنظيمات، جامعة محمد الخامس بالرباط

للإرهاب أسباب بنيوية متنوعة تعرضت لها دراسات عديدة، من أهمها سيرورة التحديث التي عاشتها البلدان الإسلامية كتجربة ناقصة وصادمة، واستياء المسلمين من الغرب الذي يدعم إسرائيل في نزاعها مع العرب، وتدنيس النصارى للأرض المقدسة (مكة) بمناسبة حرب الخليج الأولى، وظواهر الفقر والاستبداد التي تعيشها الدول العربية-الإسلامية؛ لكن هناك عامل آخر لا يقل أهمية عن هذه العوامل الموضوعية ولا يتعارض معها، وهو البنية النفسية للعرب-المسلمين كما تشكلت تاريخياً في تفاعلها مع العوامل الداخلية والخارجية. وأهم تمظهر لهذا العامل النفسي هي البارانويا (هذاء العظمة).

دعني أسألك إن سبق لك أن جالت بذهنك الأفكار التالية: “إنهم ينظرون لي نظرة غريبة، إنهم بالتأكيد يكرهونني”؛ “هذا الشخص يقصد تدميري، أنا أعرف ذلك”؛ “لا أظن أنني أستحق هذا المنصب التافه في العمل؛ الجميع يحاربونني هنا للحفاظ على مناصبهم، فهم يعرفون أنني أكثر منهم خبرة وكفاءة”. إذا كانت تنتابك هذه الأفكار ومثيلاتها باستمرار، فلابد أن تلقيت تعليقاً يصفك بأنك مصاب بالبارانويا (جنون العظمة).

تتميز هذه الظاهرة السيكولوجية بتعقيد كبير وتنوع يتساوق مع مختلف مناحي النشاط البشري. وتبسيطاً للفهم، يمكن أن نلخص خصائص البارانويا في اثنتين: أولا، يعتقد المصاب بهذا الداء النفسي بأنه متفوق على مجموع البشر الآخرين؛ وثانياً، أن مؤامرات تحاك ضده من أجل إفشال جميع مشاريعه المسلم بأنها كانت ستنجح لولا المؤامرات. وباختصار، إن البارانويا نوع من العصاب الذي يتميز بحضور أفكار هذيانية دائمة، تتمركز أساساً حول الاضطهاد. إنها سلوك أو موقف خاصين بشخص (أو جماعة) يميل على الدوام إلى توهم نفسه عرضةً للاضطهاد والاعتداء. ويلازم هذا الشعور بالاضطهاد اعتقادا وهميا بالتفوق على الآخرين.

لكن ما علاقة هذه الأوصاف بالعالم الإسلامي؟

دعوني أذكر ببعض الوقائع: عندما سقط برجا التجارة العالميين في نيويورك سنة 2001، اعتقد العديد من المسلمين أنه من عمل الموساد أو وكالة المخابرات الأمريكية، وأن اليهود الذين يشتغلون في البرجين غابوا عن أعمالهم ذلك اليوم. وقال رئيس وزراء ماليزيا، الدكتور مهاتير محمد لشعبه، إن اليهود هم من يقف وراء الأزمة المالية التي عاشتها آسيا. ورفضت الأمهات النيجيريات المسلمات تلقيح أطفالهن، لأنهن اعتقدن أن الأمريكيين يريدون إيذاء الشعب المسلم بلقاحات ملوثة. ويروج في أوساط المسلمين في كل بقاع العالم الإسلامي أن الرسوم المتحركة “طوم وجيري” من اختراع اليهود نظراً لأن العالم يساوي اليهود بالفئران، وبالتالي فإنهم يريدون تحسين صورة هذه الأخيرة. مثلما كان الكثير من سكان بعض البلدان المسلمة التي كانت تتلقى مساعدات غذائية أمريكية يؤمنون إيماناً قاطعاً أن تلك المواد كانت تحتوي على مواد كيماوية تؤدي إلى العقم، وذلك حتى تحد من تزايد عدد سكان المسلمين في العالم. إن كل هذه “المؤامرات” أفكار مجنونة، لكن مئات الملايين من المسلمين يؤمنون بها. فلماذا ذلك؟

إن وعي المسلم وعي مزدوج: فهو يقوم على شعور بالضآلة أمام الذات المركزية التي تتحكم في مصيره (الله)، لكنه يشعر بالعظمة أمام غير المسلمين بسبب اعتقاده أنه ينتمي إلى “أفضل الأديان”. فإذا كان الوعي الإسلامي وعي بالذنب، فإنه في نفس الوقت وعي بالنصر نتيجة هذه السعادة الصوفية التي يشعر بها المسلم ونتيجة هذه الغبطة التي يضعه فيها شعوره بأن النجاح يصاحب كل مشاريعه، كما تشهد على ذلك صيحات الغيظ التي يسمعها من أعدائه المصابين إصابة بالغة (البلدان الغربية واليهود والدول العربية الكافرة)، وأيضا نتيجة صلابة الوعي الجيد الذي بسط العالم وجعله شفافاً. وهذا هو ما يشهد به لوي ألتوسير عندما كتب مستحضراً ماضيه الخاص: “يبقى هذا الزمن في ذاكرتنا الفلسفية زمن المثقفين المسلحين الملاحقين للخطأ على كل المستويات، وزمن الفلاسفة بدون مؤلفات، والقاطعين للعالم بشفرة واحدة إلى فنون وآداب وفلسفات وعلوم؛ أي بشفرة الفصل القاسي بين الطبقات، إنه هذا الزمن الذي ما زالت تلخص عيوبه كلمة واحدة تخفق كعلم يرفرف في الفضاء: “علم برجوازي، علم بروليتاري”. هذه الوضعية السوسيونفسية التي كان يعيشها المناضل الستاليني، والتي وصفها العديد من الفلاسفة أمثال لوي ألتوسير وإدغار موران في “نقدههم الذاتي” لتجربتهم في الحزب الشيوعي الفرنسي، تطابق التجربة التي يعيشها معظم المسلمين الذين يقسمون العالم بشفرة الإيمان الدوغمائي إلى “دار السلم” و”دار الحرب”، إلى الفرقة الناجية والفرقة الخاسرة، “خير أمة أخرجت للناس” وأهل النار، إلخ. فنحن نعلم جميعاً أن جميع المسلمين تربوا منذ طفولتهم على صورة ذاتية متضخمة تدعمها آيات قرآنية وأحاديث نبوية قابلة للتأويل. فالإسلام هو الدين المثالي، وبالتالي فإن المسلمين هم الأجدر بقيادة العالم. لنلق نظرة على الآية التالية: “كنتم خيرَ أمة أُخرِجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله” (القرآن الكريم: سورة آل عمران، الآية 110).

 

عندما يكون على المسلم أن يؤكد أن المسلمين هم أفضل الشعوب، فإنه لا يبحث عن تفسير لخيبات المسلمين في تحليل المجتمعات المسلمة من أجل تعيين العوائق الموضوعية التي تكرس تخلفها، ولا في عدم التطابق بين قوله وبين الواقع، بل إنه يضطر إلى اختيار فكرة العدوان من طرف الأعداء وفكرة المؤامرة كتفسير لتلك الخيبات. إن إرادةً مضادةً وماكرةً هي التفسير المقدم لكل شيء. ليس المسلمون متخلفين بسبب قصور في ذواتهم، وإنما بسبب المؤامرات الصهيونية والماسونية والعلمانية والليبيرالية… أي هذا الخليط من الأعداء الذين يتربصون بالإسلام. وهذه عملية مماثلة للاستدلال الذي يقوم به المصاب بهذاء العظمة (البارانويا) الذي يرى دوما أن علة الصراع الداخلي الخفي توجد في الخارج، ويقيم جدلية لا متناهية من الاضطهاد يعتبر فيها فعل الآخر، كيفما كان، علامة على تآمره. إن الشغل الشاغل للمسلم المصاب بهذاء العظمة هو الصراع ضد عدو خارجي وتحويل التمزق الداخلي إلى عداء خارجي والمحافظة بذلك على وحدة الخطاب المتماسك والخالص.

ومع أن البارانويا الإسلامية واقع تشهد عليه العديد من القرائن المادية التي لا يتسع المجال للاستفاضة فيها، فإنها لعبت مع ذلك دوراً أساسياً في اتساع رقعة العنف الموجه ضد الغرب والبلدان العربية التي تحالفه. إننا نلاحظ مثلا أن التطرف يأتي في طليعة المناقشات السياسية في الوقت الذي تواصل “الدولة الإسلامية” تجنيد المقاتلين من الديمقراطيات الغربية. وقد أبرزت مؤتمرات القمة الأخيرة في واشنطن وسيدني بشأن مكافحة التطرف العنيف أهمية تقويض الروايات المتطرفة، وتعبئة المسلمين المعتدلين الذين يعارضون تنظيم داعش، والعمل على معالجة الدوافع الكامنة وراء التطرف؛ إلا أن المسلمين، سواء في الدول الغربية أو في العالم الإسلامي، استقبلوا هذا التصور الغربي بشكوك كبيرة، حيث يمكن للمرء أن يستمع في كل مكان يوجد فيه المسلمون إلى شكواهم من أن الغرب يجعل منهم الخطر الوحيد الذي يهدد العالم ويشوه سمعتهم، الأمر الذي يزيد فقط من مستوى التشويه التي يعاني منها المسلمون.

يتمثل أحد الشروط الإيديولوجية الضمنية التي تحول دون انخراط المجتمعات الإسلامية في المشروع الغربي لمكافحة التطرف في “رواية البارانويا الإسلامية” التي تتردد بشكل متواتر في الخطاب الغربي المضاد للتطرف. وتشير هذه العبارة إلى الاعتقاد بأن ما يدفع إلى استياء المسلمين من المجتمعات الغربية هو رؤية بارانوية إلى العالم التي تزدهر في الجماعات المغتربة والمحرومة من السلطة. ويستغل الإرهابيون المكلفون بتجنيد “المجاهدين” منظورات “محرَّفة” لإذكاء الشعور بالظلم من خلال استغلال محنة المسلمين في الدول الغربية والدول المسلمة الموالية للغرب. ويظهر هذا الربط بين التطرف وجنون العظمة مراراً وتكراراً في البيانات الرسمية ووثائق السياسات الغربية، بما فيها تلك المرتبطة بالاستراتيجيات المتواصلة لمكافحة التطرف. وتعتبر وثائق “فريق التوعية الرقمية التابع لوزارة الخارجية الأمريكية” أفضل مثال واضح على خطاب البارانويا الإسلامية.

أعتقد أن الخطاب الغربي حول البارانويا الإسلامية يقوي عملية الإنتاج الإيديولوجي التي تؤجج مشاعر المسلمين العدائية تجاه الغرب، ويعيق عملية انخراط المجتمعات الإسلامية في برامج مكافحة العنف والإرهاب. والحال أن المبدأ الذي يوجه ذلك الخطاب يتساوق مع التصورات الليبيرالية والاستشراقية التي ترى أن الثقافات الإسلامية تمثل خللا وظيفياً ومنهاجاً مضاداً للحداثة، وترجع استياء المسلمين من السياسة الخارجية للبلدان الغربية إلى أنماط تفكير مَرَضيّة. فكما أن الأرتوذوكسية الليبيرالية لما بعد الحرب أمنت نفسها بالتعارض مع الشعبوية المصابة بهذاء العظمة (الشيوعية الستالينية)، أمنت الحداثة الليبيرالية المعاصرة نفسها بالتعارض مع الإسلام المصاب بهذاء العظمة. وأعتقد أنه بدون وعي بالظروف الإيديولوجية التي تم تحديدها هنا ومحاولة تجاوزها، فمن المرجح أنه سيكون من الصعب إشراك المسلمين في بناء مجتمع عالمي بدون عنف.

تعليقات الفيسبوك