الضرائب النفسية للتجربة الإسلامية الحركية

المواضيع الواردة في أقسام "قال الباحثون" و"قابل للنقاش" لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المركز وإنما تمثّل كتّابها فقط.
 
منتصر حمادة باحث مغربي، شارك في ندوات علمية داخل وخارج المغرب، وصدرت له العديد من الدراسات والمؤلفات الفكرية

منتصر حمادة
باحث مغربي، شارك في ندوات علمية داخل وخارج المغرب، وصدرت له العديد من الدراسات والمؤلفات الفكرية

نؤسّس هذه المقالة على فرضية مفادها أن مرور إنسان المنطقة [العربية نموذجاً]، على التجربة الإسلامية الحركية، سواء كانت سلفية أو إخوانية أو غيرها، يُخلف آثاراً نفسية عليه في مرحلة ما بعد أخذ مسافة نظرية وتنظيمية من المشروع.
قلما قرأنا مقالة أو دراسة، بلْه لائحة أبحاث أو كتب حول هذه الجزئية الدقيقة التي تساعد المتلقي في مجالنا التداولي على قراءة تفاعل الإنسان / الإسلامي سابقاً، وتساعد المتتبع على توقع تفاعل نفس المتدّين الحركي سابقاً مع عديد مواقف وأحداث.
تعمدنا الإشارة إلى أن المقصود هنا الإنسان، ومعلوم أن الإنسان كائن مُرَكب الهوية، وفي الحالة الإسلامية [نسبة إلى الإسلام وليس الإسلاموية]، سوف نفترض أن هويته مرتبطة بالانتماء للمجال التداولي الإسلامي، لغة (عربية، فارسية، تركية، مالاوية.. إلخ)، وعقيدة (أشعرية، حنبلية، شافعية… إلخ) ومعرفة.
هذا الإنسان المُركب، تتغير أحواله النفسية عند المرور من تجربة العمل الإسلامي الحركي، بمقتضى التأثير النوعي الذي يُكرسه نهله من أدبيات المشروع، من قبيل الأدبيات الإسلامية الحركية التي تحدثه وتجعله مؤمناً إيماناً جازماً بمقتضى مفاهيم “الحاكمية” و”المفاصلة الشعورية” و”الولاء والبراء” و”الطائفة المنصورة” و”التقية” و”التمكين” والبيعة” و”الجماعة قبل الوطن”، ولائحة عريضة من الأدبيات.
بل إن كل مفهوم من هذه المفاهيم يُغذي جهازاً مفاهيمياً يقتضي من صاحبه التأقلم مع المحيط القريب والبعيد بعقلية مغايرة مع مرحلة ما قبل الانتماء، ولو توقفنا مثلاً عند بعض مفاهيم من تلك اللائحة، فإن تفعيل الإيمان الجازم بهذا الاجتهاد البشري وبالتالي النسبي، يقتضي أن يتفاعل معه المتديّن الحركي على أساس أنه يعيش في زمن “جاهلية معاصرة”، وهذا يفرض تفعيل ثنائية “الولاء والبراء”، لأنه ينتمي إلى “الطائفة المنصورة”، التي تشتغل على حقبة “التمكين”، وهكذا دواليك مع سلسلة متشابكة ومُعقدة من المفاهيم التي لا تبقى في مقام التلقي الذهني / المعرفي، وإنما تطال مقام التفعيل على أرض الواقع، كما عاينا ذلك في عدة تجارب في المنطقة، وصل بعضها إلى مقام إراقة الدماء، مع المشروع الإسلامي “الجهادي”.
وواضح أن هذا التفعيل، يساعدنا على تفسير عديد ممارسات صدرت وتصدر عن الفاعل الإسلامي الحركي، الدعوي والسياسي والقتالي، أو قل “الجهادي”.
هذه سلسلة مفاهيم تصب في التأسيس لنموذج “المسلم الأعلى” أو “المسلم الفائق” [Surmusulman]، إذا استعرنا مصطلحاً دقيقاً أورده عالم النفس التونسي فتحي بنسلامة[1] على هامش تفاعله البحثي مع الظاهرة الإسلامية الحركية في التداول الفرنسي، انطلاقاً من أدبيات علم النفس، وواضح أن مفهوم “المسلم الأعلى” أو “المسلم الفائق” يُحيل على أطروحة “الإنسان الفائق” [Superman] لنيتشه: إنها نفس عقلية الاستعلاء، بين التداول الفلسفي الألماني، والذي أفرز لاحقاً النزعة النازية، والتداول الإسلامي الحركي، والذي أفرز لائحة من التجارب الدموية في المنطقة، لا زال بعضها قائماً باسم “العمل الإسلامي الجهادي”.
إذا صحت الفرضية التي تأسّس عليها هذا المقال، فإنها تساعدنا على قراءة ردود أفعال العديد من الإسلاميين السابقين، في سياق “الانتقام” من المرحلة السابقة، والتي قد تذهب في التطرف إلى مقام الإلحاد[2]، أو من الذين يُؤاخذ عليهم الخطاب الإسلامي الحركي، الانتصار والانتماء للمشروع العلماني[3]، وغيرها من التحولات المفاهيمية التي تطال الإسلامي السابق.
بل إن بعض هذه الأقلام قد تذهب بعيداً في نقد الظاهرة الإسلامية الحركية، إلى درجة نقد النصوص الفقهية المؤسسة للعمل الإسلامي الحركي، القديمة، ولا نتحدث عن نصوص حسن البنا وأبي الأعلى المودودي وسيد قطب وسعيد حوى ويوسف القرضاوي ولائحة من الأسماء، وإنما يطال النقد حتى القدامى[4]، من قبيل أبي الحسن الأشعري صاحب “الرسالة” وابن تيمية صاحب “مجموع الفتاوى” وأحمد بن حنبل؛ فيعتقد الفاعل الإسلامي الحركي أنها تنتقد الإسلام، وهذا أمر متوقع لاعتبارات عدة، أهمها أن العقل الإسلامي الحركي، يؤمن في جهازه المفاهيمي أن تديّنه هو الدين[5]، وبالتالي يصعب عليه الفصل بين الأصل والفرع، مادام يؤمن أن هذا الفرع هو أفضل ممثل للأصل.
نتحدث هنا عن الفاعل الإسلامي الحركي الذي مرّ من تجربة إسلامية حركية، وتشرّب على هذه الأدبيات، ولكن حتى في حقبة ما بعد القطيعة المعرفية مع الخطاب الإسلامي الحركي، ومعها الطلاق التنظيمي، يبقى هذا الفاعل الإسلامي تحت تأثير مرحلة النهل من ذلك الجهاز المفاهيمي الذي كرّس “عقلاً طائفياً” داخل منظومة مجتمعية مفتوحة ومتعددة الثقافات والهويات والأعراف، ولا يتخلص هذا الفاعل الحركي [سابقاً] من آثار تلك الأدبيات إلا مع مرور الزمن، شرط أن يبذل جهداً نظرياً، يختلط فيه المُحدّد النفسي بالمُحدّد الروحي، على أمل العودة إلى مرحلة ما قبل الانتماء، أو قل “اعتناق الإسلام من جديد” كما نقرأ بشكل صريح ودال في أعمال تطرقت للتجربة الإسلامية، سواء عبر أسلوب الرواية[6]، أو عبر أسلوب البحث[7]، حيث نقرأ في العملين معاً، عبارة “انفصلت عن الإسلاموية لأعتنق الإسلام من جديد”.
هذا المفتاح النظري، وغيره، يُفيد إذاً لقراءة تفاعل العديد الأقلام البحثية والإعلامية اليوم، أو الفاعل الذي يعيش في مرحلة وسط بين الانتماء للمشروع الإسلامي الحركي، وأخذ مسافة منه: نحن إزاء إنهاء معاناة نفسية حقيقية، وفي الحالتين، نعاين المعاناة النفسية:
ــ إذا أخذ مسافة من هذه الأدبيات، فيلزمه الوقت الكثير أو القليل، حتى يتخلص من آثارها النفسية؛
ــ إذا لم يأخذ مسافة من هذه الأدبيات، فإنه مضطر إلى العمل بمبدإ التقية، حتى يتجنب تبعات الإفصاح عما يؤمن به.
الفرضية سالفة الذكر، تهم أي فاعل إسلامي حركي، أياً كانت تجربته الإسلامية الحركية، سلفية، إخوان، تكفيرية.. إلخ، ابتعد بشكل نهائي أو في طور أخذ مسافة، ولسان حال هؤلاء: كلما كانت تجربة “الإسلاموية” أطول، كلما كانت الضرائب أكثر.
يختلف الأمر مع الفاعل الإسلامي الذي لا زال منتمياً للمشروع، وإن كان هذا الانتماء حق مشروع في نهاية المطاف، من باب احترام الحق في الاعتقاد الديني، بلْه الاعتقاد المرتبط بالتديّن، إلا أن هذا الانتماء يجعل معاناته أكبر بكثير مع الفاعلين سالفي الذكر، خاصة إن كان لا زال يؤمن إيماناً جازماً بمقتضى الأدبيات الإسلامي الحركية، ويعيش في مجتمعات مسلمة لا تؤمن بـ”دولة الخلافة” أو “الحاكمية” أو “المفاصلة الشعورية”، بقدر ما تؤمن بأهمية صيانة الدولة الوطنية التي تصون الكرامة والعدل والحرية وحقوق الإنسان.
________________________________________
[1] Fethi Benslama, Un furieux désir de sacrifice: Le surmusulman, Le Seuil, Paris, 2016, 160 pages.
[2] كما نُعاين في الحالة المغربية، على قلة النماذج، وإن كنا نعتقد أن الأمر يتعلق بإلحاد معرفي أكثر منه إلحاد ديني، أو قل كفرا بالخطاب الديني السائد في الساحة، وليس بالضرورة كفر بالدين.
[3] دونما أي تدقيق في طبيعة العلمانية المعنية في هذا المقام، وهذا مقصود ومتداول وشائع في الخطاب الإسلامي الحركي، وخاصة الخطاب السلفي الوهابي والخطاب الإخواني.
[4] في كتابه حديث الإصدار، وعنوانه: “نداء من أجل إسلام لا سياسي”، يرى الباحث المغربي محمد لويزي، أن بداية الإسلام السياسي لا تعود إلى منعطف تأسيس جماعة “الإخوان المسلمين” على عهد حسن البنا، أي أربع سنوات بعد أفول دولة “الخلافة العثمانية”، وإنما بالتحديد، مباشرة بعد البعثة النبوية، في منعطف السقيفة الشهير. انظر:
Mohamed Louizi, Plaidoyer pour un islam apolitique, Editions Michalon, septembre 2017, 250 pages.
[5] ثمة عدة أعمال مرجعية اشتغلت على ثنائية الدين والتديّن، نذكر منها العمل المرجعي للقاضي عبد جواد ياسين. انظر: عبد الجواد ياسين، الدين والتدين: التشريع والنص والاجتماع، بيروت، التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 2012، وصدرت الطبعة الثانية للعمل عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، الرباط، نشر وتوزيع المركز الثقافي العربي، بيروت ـ الدار البيضاء، 2014
[6] نموذج رواية “كنت إسلامياً” للكاتب والإعلامي المغربي عمر العمري، وصدر العمل بالعربية.
[7] نموذج كتاب “لماذا انفصلت عن الإخوان المسلمين؟” للباحث المغربي محمد لويزي، وصدر العمل بالفرنسية.

 

تعليقات الفيسبوك