أبعاد خطاب اترامب أمام القمة الإسلامية الأمريكية/ الحاج ولد أحمدو

ألقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطابا في القمة العربية الإسلامية الأمريكية التي استضافتها الرياض في   21 مايو الماضي بحضور العاهل السعودي ، الملك سلمان بن عبد العزيز وأكثر من 50 من قادة الدول الإسلامية ، شدد فيه على أهمية الاتحاد في وجه التصدي للإرهاب والتطرف.

ولقد دأبت السياسة الخارجية  للولايات المتحدة الأمريكية وخاصة إبان حكم الجمهوريين على التركيز على البعد الديني للتعاطي مع مجمل القضايا في العالمين العربي والإسلامي.

وكانت المواقف الأمريكية في الغالب الأعم من الدول العربية والإسلامية تدور بين احتمالين إما أن تكون مواقف عدائية  خاصة إذا تعلق الأمر بالصراع العربي الإسرائيلي أو الحرب على الإرهاب أو تكتسي طابعا تحالفيا كما هو الشأن مع الدول الدائرة في فلك السياسة الأمريكية.

ولقد ظل البعد الاقتصادي عاملا مهما وحاضرا ومؤثرا في الاحتمالين سالفي الذكر سواء من خلال المقاطعة والحصار أو توقيع الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية وتقديم المساعدات لهذه الدولة أو لتلك تبعا لطبيعة العلاقة.

وانطلاقا مما سبق يمكن أن نفهم دون كبير عناء دواعي الزيارة الأولى خارجيا للرئيس الأمريكي ” دونالد اترامب ” إلى المملكة العربية السعودية لعقد قمة بين الولايات المتحدة الأمريكية والدول الإسلامية، ومن هنا يحق لنا أن نتساءل عن الحاضر الغائب في خطاب الرئيس الأمريكي في القمة الأمريكية الإسلامية وسنركز على خمسة محاور نرى أنها استأثرت بالخطاب دون غيرها أو غابت عنه وهي:

أولا: البعد الديني:

فقد كان الخطاب ألذي ألقاه الرئيس الأمريكي دونالد اترامب خطابا دينيا بامتياز من وجهة نظرنا  فقد استهله بدواعي اختيار المكان وأنه اختار قلب العالم الإسلامي الأمة التي تخدم أقدس موقعين في دين الإسلام ،ليوجه منها خطابه وانتهى بتحية الحضور بحماكم الله وبارك الله الولايات المتحدة الأمريكية وفي ثنايا الخطاب رأى أن مشروعه الذي سيشارك فيه العالم الإسلامي سيحقق لأطفال مستقبلا متفائلا يحترم الله وإن القضاء على الإرهاب ليس خوفا من محاسبة الشعوب أو التاريخ بل خوفا من محاسبة الله ، وأن الازدهار سيجعل كل مؤمن يمارس عبادته دون خوف مستنكرا إقدام الإرهابيين على قتل الأبرياء باستخدام اسم الله على نحو كاذب، معتبرا أن ذلك يمثل إهانة لكل شخص مؤمن فالإرهابيون لا يعبدون الله، إنهم يعبدون الموت حسب تعبيره.

ثانيا:البعد الجغرافي:

فقد حدد الرئيس الأمريكي من خلال الخطاب بشكل متعمد ربما الجغرافيا السياسية المستهدفة بمشروعه السياسي سواء بقناة السويس والبحر الأحمر ومضيق هرمز أو بذكر الخليج والمشرق العربيين  وتركيا وإيران والحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية إسرائيل تحت مسمى “الشرق الأوسط”.

وتجلى ذلك أكثر وفي سياقات متفرقة من الخطاب سواء بذكر دول المنطقة كالسعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين واليمن والعراق وسوريا والأردن ولبنان وتركيا وإيران وإسرائيل أو طوائفها وتنظيماتها وأسماء بعض قادتها كالسنة والشيعة والأكراد و الحوثيين واليهود وحماس وحزب الله والقاعدة و  محمود عباس والأسد ونيتنياهو .

ثالثا:الإرهاب:

كانت عبارات الإرهاب ومعاني التطرف حاضرة بقوة في خطاب “اترامب” لكن الجديد ربما يكون عدم ربط الإرهاب بالدين الإسلامي في خطاب “اترامب ” بل كان المستهدف الإرهاب السياسي إذ تنصل الرئيس الأمريكي ـ وهذا أمر جيد ـ من خطابه المتطرف اتجاه الإسلام والمسلمين أثناء حملته الانتخابية ليقسم العالم إلى قوى خير وقوى شر،  فلم يأتي مصطلح الإرهاب في الخطاب مقرونا بالإسلام إلا مرة واحدة فقط بعبارة  “أزمة التطرف الإسلامي والجماعات الإسلامية الإرهابية “.

وقد أكد الرئيس الأمريكي بكل  وضوح أن إيـران هي مصدر الإرهاب و وضع “حماس” في سلة الإرهاب جنبا إلى جنب مع حزب الله والقاعدة وداعش  .

وفي نفس السياق قال اترامب سنصنع التاريخ مرة أخرى بافتتاح مركز عالمي جديد بمسمى “مركز استهداف تمويل الإرهاب” الذي تشترك في رئاسته الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية لمكافحة الأيديولوجية المتطرفة وسيكون المركز موجودا هنا، في هذا الجزء المحوري من العالم الإسلامي.

وهذا يعني مواجهة أزمة التطرف الإسلامي والجماعات الإسلامية الإرهابية وهذا يعني الوقوف معا ضد قتل الأبرياء المسلمين، وقمع النساء، واضطهاد اليهود، وذبح المسيحيين.

وأضاف ” لقرون عديدة كان الشرق الأوسط موطناً للمسيحيين والمسلمين واليهود الذين يعيشون معا ويجب أن نمارس التسامح والاحترام المتبادل مرة أخرى، وأن نجعل هذه المنطقة مكانا يمكن فيه لكل رجل وامرأة، بصرف النظر عن إيمانهم أو عرقهم، أن يتمتعوا بحياة كريمة يملأها الأمل”.

” وبهذه الروح سأسافر إلى القدس وبيت لحم، ثم إلى الفاتيكان، حيث سأزور العديد من أقدس الأماكن في الأديان الإبراهيمية الثلاثة. وإذا أمكن لهذه الديانات الثلاث أن تتعاون معا، فإن السلام في هذا العالم سيكون ممكنا بما في ذلك السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين”.

“وإذا لم نتصرف ضد هذا الإرهاب المنظم، فإننا نعرف ما سيحدث. وسيستمر انتشار تدمير الإرهاب للحياة. إذا لم نقف في إدانة موّحدة لهذا القتل، فلن تحاسبنا شعوبنا فحسب، ولن يحاسبنا التاريخ فحسب، وإنما سيحاسبنا الله.

هذه ليست معركة بين مختلف الديانات أو الطوائف المختلفة أو الحضارات المختلفة. هذه معركة بين المجرمين الهمجيين الذين يسعون إلى طمس حياة الإنسان، والناس الكرماء من جميع الأديان الذين يسعون إلى حمايته.هذه معركة بين الخير والشر على أمم الشرق الأوسط أن تقرر نوع المستقبل الذي تريده لنفسها، وبصراحة، لعائلاتها وأطفالها إنه خيار بين مستقبلين”.

رابعا:المغرب العربي:

فرغم أن المغرب العربي اتحاد يضم خمس دول تمثل في مجملها الجزء الغربي من العالم العربي وهي موريتانيا الجزائر المغرب تونس ليبيا ورغم أنها منطقة تفوق مساحتها مساحة الاتحاد الأوربي ويزيد عدد سكانها عن مائة ألف نسمة ، رغم كل ذلك لم يرد أي ذكر أو إشارة لدولة من دول هذا الاتحاد لا من حيث المتغيرات السياسية الجارية في المنطقة ولا لما تحتويه من أهمية جغرافية أو موارد وثروات طبيعية،ولعل التفسير الأبرز لهذا الغياب هو تقديم الأولويات في السياسة الأمريكية وقد يكون الأمر بداية لسياسة جديدة تنتهجها الولايات المتحدة الأمريكية تحترم مناطق النفوذ التقليدية وخاصة للحلفاء الأوربيين.

خامسا:القضية الفلسطينية:

لم يسجل حضور فلسطين كدولة حتى بحدود 67 في الخطاب ولم يحضر إلا اسم محمود عباس وإشارة إلى الفلسطينيين في سياق التعايش السلمي للديانات وتأكيده على شراكة الديانات الإبراهيمية في القضاء على الإرهاب وإحلال السلام.

سادسا:الديمقراطية:

ولعلها من أبرز القضايا الغائبة في خطاب “اترامب” فلم تذكر هذه الكلمة لا باللفظ ولا بالمعنى  بل ولا حتى إحدى قيمها كالحرية  أو حرية التعبير عن الرأي أو المشاركة السياسية أو التداول السلمي على السلطة وهو تجاوز قد يكون مقصودا وخاصة أن الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج تكافح وتناضل من أجل التحول الديمقراطي .

وختاما يمكن القول أن هذا الخطاب رغم طابعه الديني وتركيزه عل قضية الإرهاب وعدم تقديمه لأي تصور ملموس لمواجهة الإرهاب ولمعالجة أزمات المنطقة فإنه قد يفتح الباب على مصراعيه لمزيد من التأزم والاصطفاف بين الأطراف داخل المنطقة المتأزمة أصلا.

ولله الأمر من قبل ومن بعد

تعليقات الفيسبوك