دين التقليد أو دين الذات

المواضيع الواردة في أقسام "قال الباحثون" و"قابل للنقاش" لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المركز وإنما تمثّل كتّابها فقط.
 

د. السيد ولد أباه

«محمد الطالبي» مؤرخ ومفكر تونسي معروف أسس في السنوات الأخيرة جمعية باسم «المسلمين القرآنيين» خصصها لمناقشة ونشر أطروحاته المثيرة التي أثارت جدلاً واسعاً، رغم أن الرجل الذي وصل في عمره إلى قرابة مائة سنة عرف من قبل بهدوئه وعزوفه عن الحياة العامة.

 

ما يعنيه الطالبي بالمسلم القرآني هو حصر المرجعية الدينية في القرآن الكريم دون السنة التي لا يعتبرها من مصادر الدين بل هي في الصحيح منها (وهو القليل النادر حسب رأيه) شارحة للقرآن ومفصلة له، كما يرفض اعتبار العقوبات البدنية المنصوصة في القرآن من ثوابت الدين بل هي وفق فهمه متصلة بسياق تاريخي ومجتمعي خاص وليست ملزمة للمسلمين اليوم.

 

 

 

 

ليس من همنا استعراض آراء الطالبي المثيرة للجدل، وإنما حسبنا الإشارة إلى جانب واحد منها يتعلق بالموقف التأويلي، أي بالعلاقة التي أقامها التراث الإسلامي مع النص المقدس فهماً وتفسيراً وتنزيلاً، معتبرين أن ما يدعو إليه الطالبي من ضرورة اعتماد الاجتهاد الفردي الحر في قراءة النص ليس بالضرورة وسيلة إلى الإبداع والتجديد في التجربة الدينية المعيشة والمعرفية، بل قد يكون طريقاً لأخطر نزعات الانغلاق والتشدد.

المفارقة الغريبة أن الطالبي نفسه هاجم الحداثيين العرب (محمد أركون وَعَبَد المجيد الشرفي..)؛ في نظرتهم للدين ووصفهم بالانسلاخ من الإسلام، من موقع دفاعي عن التقليد الذي يدعو راهناً إلى القطيعة معه، وإن من مرجعية غيورة على الإسلام ومدافعة عنه (مقابل الأطروحات الاستشراقية التي يتميز الطالبي بالاطلاع الواسع عليها).

 

ما نريد تبيينه هو أن التقليد وإن كان في جانب منه سلطة تأويلية ومعرفية مقيدة وضاغطة، فإنه من وجه آخر يعتبر رصيداً تأويلياً شديد التنوع والاختلاف يعبر عن تجربة ثرية واسعة ويقدم الدليل العملي على قابلية النصوص المرجعية للفهم المتنوع رغم الاتفاق في المصادرات التأويلية الكبرى.

 

التقليد هو في حقيقته حصيلة استيعاب معتقدات الدين وقيمه في السياقات الثقافية للمجتمعات المسلمة، ولم يكن كما يرى البعض مجرد تطبيق إجرائي حرفي لأحكام معيارية مطلقة تتعالى على التاريخ، بل هو نتاج جدلية التفاعل الحي بين النص والواقع التي تصل إلى حد تصور المعتقدات الجوهرية (ومن هنا ما أشار إليه الفقيه والمفكر الفرنسي طارق أوبرو بعبارة لاهوت المثاقفة).

 

إن خطر إلغاء التقليد هو تكريس انفصام النص مع حوامله الثقافية، بما يعني البحث الراديكالي الانتحاري عن علاقة مباشرة مع النص والتماهي معه بإلغاء الوسائط التاريخية والمجتمعية في العلاقة بالنص، وهو الاتجاه الذي نلمسه حالياً لدى النزعات الراديكالية التكفيرية والجماعات المتطرفة العنيفة التي تتسمى بالسلفية.

 

الفرق الكبير بين «السلفيات الجديدة» والمفهوم التراثي للسلفية هو أن هذا المفهوم التراثي تمحور حول مطلب الإصلاح والتجديد من داخل المنظومة التأويلية، بالاستناد إلى أحد أوجه التجربة التاريخية للمسلمين، في حين أن النزعات الراديكالية الجديدة فهمت الخيار السلفي بمعنى محاربة التقليد ذاته من منظور الرجوع إلى «الأصول الأولى» قبل «التحريف»، ومن هنا العلاقة العدائية بالمجتمع وتمثلاته الدينية العامة.

 

إن هذا التصور القطائعي هو في حقيقته مظهر لعلاقة متوترة بالنسق الديني القائم في المجتمعات المسلمة وبالمؤسسة الدينية، ولذا فإنه لا يدخل في ديناميكية الإصلاح الداخلي التي هي من محددات التقليد الإسلامي وتجاربه العادية مهما كانت طبيعتها ووجه الشذوذ أحياناً فيها، وإنما هو مظهر لتصور حداثي ملتبس ومنحرف يخرج الدين من قوالبه المؤسسية الناظمة ليحوله إلى ظاهرة وعي فردي ذاتي خارج أي أطر للتحكم.

 

لقب أثبت الفيلسوف الألماني «غدامير» أن الممارسة التأويلية تحتاج إلى تقليد تستمد منه فرضياتها الموجهة وتنطلق من رصيده المعرفي الذي يتضمن إمكانات ضمنية لا محدودة، معتبراً أن سلطة النص لا تعني بالضرورة القهر والإكراه. ذلك ما أدركه علماء الإسلام في العصور الوسيطة، على عكس دعاة التطرف المعاصرين، وعبّر عنه أبو حامد الغزالي بقوله: «ولعلك إن أنصفت علمت أن من جعل الحق وفقاً على أحد من النظار بعينه فهو إلى الكفر والتناقض أقرب».

تعليقات الفيسبوك